161 تونس – 13 سبتمبر 2026 غابت اليوم الأحد 13 سبتمبر 2026، نغمةٌ أساسية من نغمات الموسيقى التونسية والعربية المعاصرة، برحيل الدكتور والموسيقار والملحن وقائد الأوركسترا محمد القرفي، عن عمر ناهز 78 عامًا، وفق ما أفادت به عائلته ونقلته وسائل إعلام تونسية. ويأتي رحيله بعد مسيرة فنية وأكاديمية امتدت عقودًا، ترك خلالها بصمة خاصة في التأليف الموسيقي والبحث الموسيقي والمسرح الغنائي، وظل خلالها وفيًّا لفكرة الموسيقى بوصفها فضاءً للتجديد والبحث والارتقاء بالذائقة. من تونس إلى باريس… تكوين موسيقي وأكاديمي وُلد محمد القرفي في تونس العاصمة سنة 1948، وتلقى تكوينه الموسيقي في المعهد الوطني للموسيقى بتونس، قبل أن يواصل دراسته في باريس بمدرسة شولا كانتوروم، ثم يتوج مساره الأكاديمي بالحصول على شهادة الدراسات المعمقة والدكتوراه في العلوم الموسيقية والموسيقولوجيا من جامعة باريس-السوربون. وقد جمع القرفي، منذ وقت مبكر، بين الممارسة الفنية والبحث العلمي، وهو ما جعله يتعامل مع الموسيقى باعتبارها معرفة وفنًا في الوقت نفسه. وكان مساره مختلفًا عن كثير من أبناء جيله، إذ لم يكتفِ بالممارسة الموسيقية، بل انشغل بتاريخ الموسيقى وبنياتها وأساليب تطويرها، وسعى إلى بناء رؤية خاصة للموسيقى التونسية والعربية، تقوم على معرفة التراث دون الوقوف عند حدوده، وعلى الاستفادة من التجارب الموسيقية العالمية دون فقدان الخصوصية العربية. الأوركسترا… بداية مشروع التجديد بدأ القرفي مسيرته الفنية عازفًا ضمن الأوركستر السمفوني التونسي منذ تأسيسه سنة 1969، ثم أسس أوركسترا 71، قبل أن يؤسس لاحقًا الأوركستر العربي لمدينة تونس، الذي أصبح أحد أهم المحطات في تجربته الفنية. ومن خلال هذه التجربة، لعب دورًا مهمًا في إدخال المسرح الغنائي إلى تونس خلال ثمانينيات القرن الماضي، وفتح المجال أمام تجارب جديدة وأصوات شابة ومقاربات مختلفة في التأليف والتوزيع والأداء. ولم يكن مشروعه قائمًا على إعادة إنتاج السائد، بل على محاولة بناء لغة موسيقية تستفيد من التراث العربي ومن تقنيات التأليف الأوركسترالي الحديثة. وقد جعله ذلك، في مراحل مختلفة من مسيرته، موضع نقاش واختلاف، لكنه حافظ على خياراته الفنية التي آمن بها ودافع عنها. وفي شهادة عن تجربته، وصفه الناقد عبد الجليل المسعودي بأنه موسيقار وباحث ملمّ بتاريخ الموسيقات، وملحن وقائد أوركسترا متميز، مشيرًا إلى أن القرفي اختار منذ أكثر من خمسة عقود طريق الموسيقى العربية المتطورة والراقية، رغم ما واجهه من تجاهل وجحود. «زخارف عربية»… مشروع موسيقي يتحدى الزمن يظل مشروع «زخارف عربية» من أبرز العلامات في مسيرة محمد القرفي. فقد انطلق المشروع صيف سنة 1993، وتحوّل على امتداد سنوات إلى مساحة لإعادة تقديم أعمال وقامات من الموسيقى العربية في صيغ موسيقية جديدة، تجمع بين المعرفة بالتراث والرؤية المعاصرة. ويوثق أرشيف مركز الموسيقى العربية والمتوسطية «النجمة الزهراء» عروضًا لـ«زخارف عربية» ضمن مهرجان قرطاج منذ سنة 1993، بما يؤكد امتداد المشروع في المشهد الموسيقي التونسي. وتعاون القرفي في هذا المشروع وفي مسيرته عمومًا مع عدد من الأسماء البارزة في الغناء التونسي والعربي، من بينهم ذكرى محمد، وسنية مبارك، ودرصاف حمداني، وأماني السويسي، ونور الدين الباجي، وأسماء بن أحمد، وحسان الدوس، وغيرهم. كما امتدت علاقاته الفنية إلى خارج تونس، فتعامل مع عاصي ومنصور الرحباني ومارسيل خليفة وجوليا بطرس وغيرهم. وبعد غياب دام نحو خمسة عشر عامًا، عاد مشروع «زخارف عربية» إلى الجمهور في فبراير 2025 من خلال عرض «زخارف 25» بمسرح أوبرا تونس بمدينة الثقافة، في عودة أكدت أن القرفي ظل متمسكًا بمشروعه الفني حتى بعد سنوات طويلة من الابتعاد عن الأضواء. من الشابي إلى درويش… الموسيقى في خدمة الكلمة كان الشعر حاضرًا بقوة في عالم محمد القرفي. فقد لحّن نصوصًا لشعراء من أجيال واتجاهات مختلفة، من بينهم أبو القاسم الشابي، محمود درويش، عبد الحميد خريف، منور صمادح، أبو نواس، أمل دنقل، أحمد فؤاد نجم، منصور الرحباني وسعيد عقل. وهكذا لم يتعامل مع القصيدة باعتبارها مادة جاهزة للغناء، وإنما بوصفها كيانًا يحتاج إلى قراءة موسيقية قادرة على التقاط إيقاعه ودلالاته. وكان يرى أن الموسيقى تجيد الإصغاء إلى الكلمة حين تكون الكلمة مكتوبة بإحكام، وهي رؤية انعكست على عدد كبير من أعماله. المسرح الغنائي والسينما لم تتوقف تجربة القرفي عند الأغنية والحفل الموسيقي، بل امتدت إلى المسرح الغنائي والأوبريت والسينما. ومن أبرز أعماله في هذا المجال «الأغصان الحمراء»، و«قصائد حب إلى لبنان»، و«حكاية قرطاج». كما وضع الموسيقى لعدد من الأعمال السينمائية، من بينها فيلم «وغدًا…؟» للمخرج إبراهيم باباي، و«نزهة رائقة»، أحد أجزاء الفيلم المشترك «في بلاد الطررني» للمخرج فريد بوغدير. وكان المسرح الغنائي بالنسبة إليه مجالًا لتكامل الموسيقى والشعر والغناء والمشهد، وليس مجرد إطار لتقديم الأغنية، ولذلك ظل هذا الفن أحد أهم المجالات التي اشتغل عليها نظريًا وعمليًا. الباحث الذي كتب عن الموسيقى إلى جانب التأليف والقيادة الموسيقية، ترك محمد القرفي عددًا من المؤلفات والبحوث التي تكشف عن الجانب الأكاديمي في شخصيته. ومن بين أعماله «الأشكال الآلاتية في الموسيقى الكلاسيكية بتونس» الصادر سنة 1996، و**«صفحات من الموسيقى العالمية»** سنة 1997، وكتاب «المسرح الغنائي العربي» سنة 2009، فضلًا عن ترجمته لكتاب حول الموسيقى العربية. وفي كتابه حول المسرح الغنائي العربي، واصل القرفي البحث في العلاقة بين الموسيقى والمسرح، وهو المجال الذي شكل أحد المحاور الأساسية في مشروعه الفكري والفني. وقد أظهرت كتاباته وحواراته أنه لم يكن ينظر إلى الموسيقى باعتبارها مجرد صناعة للمتعة، بل كان معنيًا بموقعها في الثقافة العربية وبقدرتها على التعبير عن الإنسان وقضايا عصره. وفي حوار سابق، تحدث عن الثقافة والموسيقى العربية وعن ضرورة تجاوز النظرة التي تختزل التراث في مجرد حنين إلى ماضٍ ذهبي. «من قاع الخابية»… عودة إلى الذاكرة التونسية وفي صيف 2025، عاد محمد القرفي إلى ركح المسرح الأثري بقرطاج لقيادة عرض «من قاع الخابية»، الذي افتتح الدورة التاسعة والخمسين لمهرجان قرطاج الدولي. وكان العرض بمثابة رحلة في الذاكرة الغنائية التونسية، استعاد من خلالها أعمال عدد من كبار الموسيقيين والفنانين التونسيين، من بينهم خميس ترنان، ومحمد التريكي، ومحمد الجموسي، وعلي الرياحي، والهادي الجويني، وعبد الحميد السليتي وصالح الخميسي، وأعاد تقديمها في معالجة موسيقية معاصرة قادها القرفي مع الأوركستر السمفوني التونسي. وكانت عودته إلى قرطاج في ذلك العام ذات دلالة خاصة؛ فالرجل الذي ظل سنوات يشتغل بعيدًا عن الأضواء عاد إلى أحد أهم المسارح العربية ليؤكد أن مشروعه الموسيقي لم يكن مجرد مرحلة عابرة، وإنما مسارًا متواصلًا في البحث عن صيغة تجمع الذاكرة بالتجديد. رحيل الجسد وبقاء المشروع رحل محمد القرفي اليوم، بعد مسيرة طويلة جعلت منه واحدًا من الأسماء البارزة في الموسيقى التونسية والعربية المعاصرة. ولم تكن أهميته في عدد الأعمال التي ألّفها أو العروض التي قادها فقط، بل في المشروع الذي ظل يدافع عنه: موسيقى عربية تعرف تراثها، لكنها لا تخاف من التجديد؛ موسيقى تحترم الكلمة، وتستفيد من علوم التأليف والتوزيع، وتنفتح على العالم دون أن تفقد هويتها. ومن المفارقات المؤثرة أن الموسيقار الذي عاد إلى قرطاج في 2025 ليحفر في ذاكرة الأغنية التونسية، ويستخرج من «قاع الخابية» أصواتًا وألحانًا من أزمنة مختلفة، يغادر اليوم تاركًا بدوره أعمالًا ستصبح جزءًا من الذاكرة الموسيقية التي كان حريصًا على صونها وإعادة قراءتها. لقد كان محمد القرفي أكثر من ملحن وقائد أوركسترا؛ كان باحثًا وصاحب مشروع موسيقي، آمن بأن التجديد لا يعني القطيعة مع التراث، وأن المحافظة على الهوية لا تعني الانغلاق أمام العالم. وبرحيله، تفقد تونس واحدًا من أبرز الموسيقيين الذين سعوا إلى بناء جسر بين الموروث العربي، والتأليف الأوركسترالي، والمسرح الغنائي، والبحث الموسيقولوجي. أما موسيقاه، وأعماله، وكتبه، وتلاميذه والفنانون الذين عملوا معه، فستظل شاهدة على مسيرة فنان اختار أن يمضي في طريقه الخاص، حتى وإن كان ذلك الطريق أكثر صعوبة وأقل صخبًا من طرق الشهرة السريعة. رحم الله الموسيقار والدكتور محمد القرفي، وأسكنه فسيح جناته. نيابوليس الثقافية