197 كانت تسبقهم خطاهم قبل ممشاهم، وقلوبهم قبل أعينهم، وصدقهم قبل مشاعرهم؛ وكانت أيامهم خضراء طوال العام، لا يعرفون الشدة، ولا يعانون من القحط والعوز والفاقة. تجمعهم روح المحبة وصدق المودة التي لا تفارق محياهم، يتقاسمون كسرة الخبز وشربة الماء كأنهم أرواح في جسد واحد، يسامرون النجوم حتى مطلع الفجر؛ إخوة لا يعرفون الخيانة والغدر، سعداء أصدقاء، لا غيبة ولا نميمة فيهم ولا فخر. إذا غاب أحدهم ذات يوم، جُنَّ جنونهم، يسألون عنه بلهفة وشوق، بحلو الكلام. يتعاملون بطيب الجوار، يستأنسون طوال مشوار حياتهم التي لا تملُّ حديثهم الشيق. مكانتهم عالية، لا يقلل كلٌّ منهم من الآخر، ولا يذكره بسوء في غيابه. عاشت ديارهم عامرة بالأخوة وطيب المقام؛ فإذا سافر أحدهم للحج أقاموا ليالي لتوديعه، ومُدَّت أيادي الخير بالذبائح والموائد، وإذا عاد سالماً غانماً يكون الاستقبال بالدفوف والذكر وتبادل الزيارات شهراً كاملاً. الجار في زمانهم ليس مجرد اسم على هامش الأيام، بل هو أخ وأب وصديق؛ تضع عنده الأسرار فلا يفشيها، ويؤتمن بالدار فلا يخون، يحرس العرض ويحفظه، فضربت بهم الأمثال، وصار يتردد على كل لسان حتى يومنا هذا: “الجار قبل الدار”، و”جارك القريب ولا أخوك البعيد”. وأيضاً قيل في الأمثال الشعبية التي نسمعها: “الجار جار الأرض، أما البيوت فلها قفل ومفتاح”. كان للجار احترام وقدر وميزة ورفعة وشأن. كان في الزمن الجميل لجيل الطيبين من الجوار: إذا بنى أحدهم بيتاً وجاره الآخر معسر فقير لا يقدر على بناء بيت، يبني على جداره، ملصقاً جداره بجداره، يتنفسون هواءً واحداً كأنهم أسرة واحدة تجمعهم أخوة صادقة لوجه الله. ناهيك عن فتح نوافذ صغيرة وسط البيوت المتقاربة لتبادل “جمرة” لإشعال التناوير الطينية أو الموقد وقت إعداد الطعام، وتبادل الأكل من بيت إلى بيت، والذي لم يوجد في بيته لبن أو “حقين” يُعطى له بطيب قلب وسخاء دائم. نهارهم باسم، ولياليهم لا تخلو من المرح الدائم؛ سمر وذكر تكسوها الدفء الذي لا يفارق مجالسهم. ولكن.. السؤال هنا: ما الذي غيّر كل هذه الخصال في جوار الوقت الحالي؟ لا أخ من أخيه، ولا جار من جاره؛ غش وخداع، وغيبة ونميمة، وأذية ومشاكل وأحداث لا آخر لها في سطور الحياة الحالية. كل جار حذر من الآخر، أسلاك شائكة على أحواش البيوت، وكاميرات مراقبة ليل نهار. أغلب المشاكل بين الجيران بسبب الأطفال، أو حدود الأرض، أو حسد وبغضاء على أتفه الأمور التي تؤدي إلى شكاوى وسجن ومشاكل تطول وتحول لثأرات نحن في غنى عنها! أين روح الجوار ورائحة الجيران التي كانت أيام الآباء والأجداد؟ من الذي زرع الحقد والكراهية والأنانية بين الجيران؟ الفخر، والغناء الفاحش، والثراء لدى البعض، جعل الاستعلاء والتباهي والمفاخرة هو ديدن العصر الحالي. الجار يمرض، يجوع، يسافر، يعود.. ولا أحد يسأل عن الآخر! قطيعة وفجور وخراب للديار بسبب المال، أو الجاه، أو المنصب. ما الذي قلب ميازين المعادلة في قوانين الجيران؟! كلٌّ يشتم الآخر؛ حقد، وحسد، وبغضاء، وتباهٍ، وتفاخر، وفجور.. فأين نحن من هدي السماء؟ وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: 36]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» [متفق عليه]. فمتى تعود لقلوبنا تلك السكينة، ولديارنا ذلك الدفء المعطاء؟» وليد الأثوريشاعر وكاتب – اليمن