الأربعاء, أغسطس 5, 2026
الرئيسية » آية مصدق – تونس: خاطرة بعنوان « تراتيل جمجمة »

آية مصدق – تونس: خاطرة بعنوان “تراتيل جمجمة”

201 زائر 1 دقائق اقرأ

صامتةٌ أنتِ كتنهيدةٍ خرساء هاربةٍ من شفاه الدهر، جالسةٌ أنتِ يا أماه على رماد السنون العرجاء، تشدّين إلى صدرك جمجمةً عاريةً، تتطوف داخلها أشباحٌ تعزف سمفونية الموت الأخيرة قبل أن تترك الصمت خلفها كائنًا أبديًا لا يموت.

هذا الجبين العاجي بين يديك النحيلتين تملؤه الندوب كشقوقٍ على جدار غزة. لقد زرع الغزاة الجماجم في أديم الأرض المحروقة، وتركوا للأمهات مهمة النبش بأظافر دامية. ها أنتِ عثرتِ على ضالتك يا أماه، ها أنتِ تفككين طلاسم الفجيعة، وترددين على مسامع العظم البارد تراتيل الوداع.

يزأر الركام من حولك كوحشٍ جريح، تعلن السماء الحداد، وتصطف السحب للعزاء، وحدهم البشر يمرون بموكب الفجيعة بصمتٍ خائن.

ضمّي إليك هذا الرفات المقدس، ففيه من الطهارة ما لا يوجد في المحاريب، وفيه من المهابة ما يُسقط تيجان الجبابرة.

عانقي هذا الخواء الذي كان بالأمس عيونًا تبصر الضياء، وفمًا يرتشف من كأس الرجولة والكبرياء. عانقيه، وأودعي العظام دفءَ أمومتك الكونية، وابكي، فإن دموعك شهبٌ تحرق ليل العالم الأزلي الغارق في سباته الملعون.

لقد أخطأ الطغاة يا أماه، فما بقطع الرؤوس يُقطع دابر النور، ومن زرع اليوم الجماجم غدًا يحصد السعير. ستخرج زهورٌ قانية تملأ الدنيا ثورةً، وتخنق أشواكها فوهات البنادق. سيطرح رحم الفجيعة فجرًا جديدًا لا يعرف الأفول.

أيتها الأم الجالسة فوق أنقاض هذه الإنسانية المشوهة، سيُبنى جسر العودة من لحم ولدك، ومن صرختك ستولد العواصف، وتقتلع عروش الطغاة.

أيتها الأم، يا رمز الفداء الأبدي، ما كان الموت نهاية الأنبياء، ولن يكون نهاية الشهداء.

آية مصدّق
كاتبة ومدوّنة – تونس

  • كاتبة ومدوّنة تونسية
    آية مصدّق كاتبة ومدوّنة تونسية، متخرّجة في اللغة والأدب والحضارة العربية من المعهد العالي للعلوم الإنسانية بمدنين – جامعة قابس. عضو في اتحاد كتّاب العالم، ومجلة برشلونة الدولية، والشبكة العالمية للتعليم في حالات الطوارئ (INEE)، ومتطوّعة لدى الأمم المتحدة. حازت عدّة جوائز أدبية من بينها الجائزة الوطنية للإبداعات الأدبية بتونس (2020)، وجائزة «ومضة ما» المصرية، والفائزة بمسابقة القصة القصيرة جدًا – دورة فتحية دبش 2025. نُشرت كتاباتها في صحف ومجلات عربية ودولية مرموقة، وأسهمت بنصوصها في كتب جماعية وموسوعات أدبية. في رصيدها الإبداعي روايات وقصص لاقت اهتمام القرّاء، من أبرزها رواية «لعنة الفراشة» الفائزة بمسابقة النشر الورقي، إضافة إلى أعمال رقمية مثل «تنين الظلام» و**«يحدث ليلًا»**، مؤكدة حضورها كصوت أدبي تونسي معاصر.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.