80 (1) تشرق في عتمة الأيام كفكرةٍ بكر، لا يعرف أحد من أين جاءت، ولا إلى أي الجهات تمضي. لم تكن امرأةً بالمعنى الذي اعتاده الناس. كانت تشبه احتمالًا نسيه الله مفتوحًا في آخر الطريق. كلما لامست الأشياء برقة غيمة، استعادت أسماءها الأولى. الشجرة التي كادت تيبس، تذكرت أنها خُلقت لتثمر. والنافذة التي طالها الصدأ، اكتشفت أن الضوء ما زال يحفظ عنوانها. حتى الأرصفة المنسية، كانت تورق تحت وقع خطواتها، كأن الإسفلت يخفي في أعماقه بذورًا تنتظر شخصًا واحدًا فقط ليؤمن بأنها ما زالت قادرة على الحياة. (2) سألها شيخٌ أنهكه العمر: ــ كيف تجعلين كل شيء يبدو أقل حزنًا؟ ابتسمت، ولم تجب. كانت تعرف أن الحزن لا يختفي. إنه فقط يبدل مقعده داخل القلب. يمضي من النافذة إلى الباب، ومن الباب إلى الذاكرة، ثم يجلس في مكان لا تراه العيون. لذلك لم تكن تحارب الأحزان. كانت تفتح لها الطريق حتى تتعب من السير، ثم تتركها ترحل وحدها. ومنذ ذلك اليوم، صار الشيخ يبتسم للمارّة دون سبب، وكأنه اكتشف متأخرًا أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعدد المرات التي سامح فيها الحياة. (3) في مساءٍ بعيد، اختفت كما جاءت. لم يودعها أحد. ولم يبحث عنها أحد أيضًا. لكن المدينة استيقظت في صباحها التالي مختلفة. الأرصفة التي أورقت لم تعد تخاف أقدام الغرباء. والأبواب القديمة صارت تُفتح بسهولة. والناس، دون أن ينتبهوا، صاروا يلقون التحية على بعضهم أكثر مما اعتادوا. أدركوا متأخرين أن بعض الأشخاص لا يغيرون العالم بضجيج حضورهم، بل بالأثر الذي يتركونه بعد الغياب. (4) بعد سنوات، سألت طفلة أمها: ــ هل كانت تلك المرأة حقيقية؟ ابتسمت الأم وهي تنظر إلى شجرة نبتت بين شقوق الرصيف، وقالت: ــ لا أعرف. ربما كانت امرأة. وربما كانت فكرةً قررت ذات صباح أن تمشي بين الناس، لتذكّرهم أن العالم لا يحتاج دائمًا إلى معجزات كبيرة… أحيانًا، تكفي لمسةٌ صادقة، وكلمةٌ طيبة، وقلبٌ لم يتعلم القسوة، ليعود الربيع إلى الأماكن التي ظن الجميع أنها ماتت إلى الأبد. ھدى حجاجي أحمدكاتبة وروائية – مصر