الأربعاء, أغسطس 5, 2026
الرئيسية » إشكالية المرجعية: سلطة المجتمع واغتراب الإرادة الفردية

إشكالية المرجعية: سلطة المجتمع واغتراب الإرادة الفردية

367 زائر 3 دقائق اقرأ

محاولة الهروب من مسؤولية صنع القرار واللجوء إلى تقليد الآخرين ليست إلا نوعًا من “النزوع إلى السلبية” أو العيش الزائف. ومع ذلك، يميل معظم الناس إلى اتخاذ قراراتهم المصيرية والشخصية بناءً على قوالب جاهزة صاغتها تجارب غيرهم. هذا الهروب الفردي يلتقي مع منظومة أعمق وأقوى تفرضها السيرورة الثقافية، وهي ما يمكن تسميته بمرجعية المجتمع التي تحولت، بفعل التكرار، إلى قيد يسلب الإنسان إرادته الحرة.

لقد نجحنا، وببراعة تُحسدنا عليها كائنات النمل، في تحويل “العادات والتقاليد” من إرث إنساني إلى زنزانة فكرية. بناءً على ذلك، نحن لا نعيش حيواتنا الحقيقية، بل نمثل أدوارًا في مسرحية رديئة الإخراج، كُتب نصها قبل مئات السنين. ويراقب أداءنا فيها مجتمع لا يرحم، يوزع صكوك الغفران واللعنات بناءً على مدى طاعتنا وعمى استعارتنا لتلك النصوص الجاهزة.

تكمن الإشكالية الكبرى في هذا السلوك المشترك بين إسقاط تجارب الأفراد وتبني إملاءات المجتمع في “عمى السياق”؛ فالأفراد ينبهرون بالنتائج النهائية لتجربة نجح فيها شخص ما، أو نمط عاش عليه السلف، فيعمدون إلى إسقاطها حرفيًا على حيواتهم، متجاهلين أن معادلة التجربة الإنسانية لا تتكون من النتيجة فقط، بل هي نتاج تشابك معقد بين أربعة أبعاد:

  • الزمن: الذي يغير الفرص والمناخ العام والظروف الاقتصادية.
  • المكان: الذي يفرض شروطًا جغرافية واجتماعية متباينة.
  • الظروف المحيطة: الكواليس غير المعلنة التي سهّلت أو عقّدت تلك التجربة.
  • التركيبة النفسية والذاتية: الفروق الفردية في تحمل الصدمات والمهارات الذاتية.

إن نقل تجربة من سياقها الأصلي لتطبيقها في سياق مغاير تمامًا يشبه محاولة غرس نبتة صحراوية في تربة استوائية؛ فالنتيجة الحتمية هي الذبول.

هذا الاستلاب يفضح حالة “التناقض” التي نعيشها؛ فنحن نمارس طقوسًا لا نؤمن بها، ونقدس أصنامًا ندرك في قرارة أنفسنا أنها خاوية، مما يخلق إنسانًا مشوهًا من الداخل:

في الظاهر: مطيع، منضبط، وملتزم بـ”البروتوكول” القبلي أو الاجتماعي.

وفي الباطن: ساخط، مكبوت، وفاقد لأي شغف حقيقي تجاه الحياة.

هذا النزوع البشري إلى تقديس تجارب السابقين واعتمادها مرجعًا مطلقًا ليس وليد اليوم، بل هو نمط متجذر واجهته الرسالات وحركات التنوير عبر التاريخ.

ويبرز هذا الصراع بوضوح في النموذج الذي قدمه القرآن الكريم عند الحديث عن مواجهة الأنبياء لمجتمعاتهم؛ فعندما واجه سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام قومه بالمنطق والعقل، لم يجدوا جوابًا منطقيًا، بل هربوا فورًا إلى “مرجعية المجتمع” المقدسة بلا دليل، كما يعرض النص القرآني في سورة الأنبياء:

{قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 53].

هذا الجواب يمثل قمة الاستلاب الفكري؛ فالقيمة في هذا المنظور ليست للحق أو المنطق، بل للأقدمية. فالمجتمع التقليدي يرى في “فعل الآباء أو السابقين” حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، تمامًا كما نفعل اليوم عندما نتمسك بتقاليد مرهقة ومظاهر زائلة، ونقنع أنفسنا بحجة: “هكذا اعتاد الناس”.

إن إبراهيم عليه السلام واجه المجتمع بحقيقة ممارساتهم:

{قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنبياء: 54].

وهنا يتضح أصل “المرجعية” التي يختبئ المجتمع خلفها؛ فإن كون المجتمع بأكمله، بأسلافه وأحفاده، يمارس سلوكًا معينًا، لا يجعل من ذلك السلوك حقًا. فالكثرة والتعاقب الزمني لا يبرران الجهل أو الاستنزاف المالي والفكري الذي يمارسه المجتمع اليوم على أفراده لتكرار تجارب الآخرين.

وعندما أفحمهم إبراهيم بالحجة، وانكشف زيف مرجعيتهم، لجؤوا إلى “السلطة القمعية للمجتمع”:

{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 68].

إن “حرق” المخالف هو الأداة الأخيرة للمجتمع الذي يفتقر إلى الحجة. واليوم لا يُحرق المخالف للنظام الاجتماعي بالنار، بل يُحرق بالإقصاء، والتنمر، واللوم، وبوصمة “الخروج عن الجماعة”. إنهم ينصرون “آلهة المظاهر” و”أصنام العادات” خوفًا من أن ينهار البناء الوهمي الذي يعيشون فيه.

إن السبب الجوهري وراء استسهال استعارة حيوات الآخرين والانصياع لقوالب المجتمع يعود إلى غريزة الخوف من المجهول. فصناعة تجربة خاصة تعني السير في طريق غير ممهد، وتحمل مسؤولية الفشل بمفردك. لذا يلوذ العقل البشري بوهم الأمان الذي توفره المسارات الجماعية المجربة، هروبًا من قلق الحرية والابتكار.

والنتيجة الكارثية لهذا السلوك هي نشوء مجتمعات كربونية، يعيش أفرادها حيوات مستعارة، ويموتون دون أن يكتشفوا إمكاناتهم الحقيقية.

إن تجارب الآخرين وتاريخهم يجب أن يُعاملا بوصفهما استبصارًا وإضاءةً يستأنس بهما العقل في عتمة الاختيار، لا قالبًا يُسجن فيه المستقبل.

إننا بحاجة إلى ثورة وعي تعيد تعريف “المرجعية”. فالمرجعية الحقيقية يجب أن تكون القيم الإنسانية والعقل، لا الأعراف التي أكل عليها الدهر وشرب.

بقلم / الكاتب والروائي أحمد مراح

  • كاتب وروائي تونسي
    كاتب وروائي تونسي ومدير مجلة أدبية حاصلة على اعتمادات دولية. يكرّس مشروعه الإبداعي لاستكشاف أعماق النفس البشرية من منظور وجودي، وهو ما يتجلّى في روايته ومقالاته النقدية المهتمة بكلاسيكيات الأدب العالمي. ويسعى من خلال نشاطه الثقافي إلى بناء فضاء فكري يجمع بين الأصالة الأدبية والرؤى الفلسفية الحديثة، مع اهتمام خاص بتطوير المحتوى الثقافي وتعزيز الحوار الفكري والإبداعي.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.