145 في صباحٍ مُبكِّرٍ، وقبيلَ أذانِ الفجرِ، خرجَ عادلٌ متوجِّهًا إلى المسجدِ ليؤدِّي صلاتَهُ. كانَ الجوُّ هادئًا، والطُّرقُ شبهُ خاليةٍ، إلَّا من صوتٍ خافتٍ لشيءٍ ما… مواءُ قِطَّةٍ صغيرةٍ. توقَّفَ عادلٌ قليلًا، ونظرَ حولَهُ، فوجدَ قِطَّةً هزيلةً تقفُ بصعوبةٍ، تموءُ من شدَّةِ الجوعِ. في البدايةِ لم يُعرها اهتمامًا، وقالَ في نفسِهِ: “ستجدُ ما تأكلُهُ لاحقًا.” لكنَّ المواءَ ازدادَ إلحاحًا، وكأنَّ القِطَّةَ تستنجدُ بهِ. شعرَ بشيءٍ من الحنانِ يتسلَّلُ إلى قلبِهِ، فتنهَّدَ واقتربَ منها قائلًا: “حسنًا أيتها الصغيرةُ… ماذا بكِ؟” انحنى ليلمسَها، فلاحظَ جرحًا عميقًا في عنقِها. اتَّسعتْ عيناهُ دهشةً، وقالَ بقلقٍ: “يا إلهي! من فعلَ بكِ هذا؟” تردَّدَ قليلًا، ثمَّ قالَ: “لن أتركَكِ هكذا… حتَّى لو تأخَّرتُ عن الصلاةِ.” حملَها برفقٍ، وعادَ بها إلى منزلِهِ. وضعَها في الغرفةِ، ثمَّ أسرعَ إلى المطبخِ، فأحضرَ لها ماءً وطعامًا، وأخذَ يحاولُ تضميدَ جرحِها، لكنَّ النزيفَ لم يتوقَّفْ. ازدادتْ حيرتُهُ، ولم يجدْ حلًّا سوى أخذِها إلى الطبيبِ البيطريِّ فورًا. ركبَ سيارتَهُ، ووضعَ القِطَّةَ بجانبِهِ، ثمَّ شغَّلَ المذياعَ. وفجأةً، قطعَ البثَّ خبرٌ عاجلٌ:اقتحامُ أحدِ المساجدِ، واعتداءٌ على الإمامِ والمصلِّينَ، وسقوطُ عددٍ من الجرحى. تجمَّدَ عادلٌ في مكانِهِ… فقد كانَ ذلكَ المسجدُ هو نفسُهُ الذي كانَ متوجِّهًا إليهِ قبلَ قليلٍ. سادَ صمتٌ ثقيلٌ، ثمَّ نظرَ إلى القِطَّةِ وقالَ بصوتٍ ممتلئٍ بالدهشةِ: “سبحانَ الله… لقد كنتِ سببَ نجاتي.” وصلَ إلى العيادةِ، وسلَّمَ القِطَّةَ للطبيبِ، الذي فحصَها بسرعةٍ وقالَ: “هناكَ جرحٌ عميقٌ في الرقبةِ، نحتاجُ إلى عمليَّةٍ صغيرةٍ فورًا.” قالَ عادلٌ بقلقٍ: “أرجوكَ يا دكتورُ، أنقذْها… لقد أنقذتْ حياتي.” مرَّتِ الساعاتُ ببطءٍ، وكأنَّ الزمنَ توقَّفَ. وفي المساءِ، استيقظتِ القِطَّةُ وهي تموءُ من جديدٍ. ابتسمَ الطبيبُ وقالَ: “لا تقلقْ، إنَّها بخيرٍ… فقط تشعرُ ببعضِ الألمِ والجوعِ.” تنفَّسَ عادلٌ الصُّعداءَ. في تلكَ الليلةِ، لم يستطعِ النومَ بسهولةٍ. ظلَّ يُفكِّرُ في ما حدثَ، وكيفَ تغيَّرَ مصيرُهُ بسببِ لحظةِ رحمةٍ تجاهَ مخلوقٍ ضعيفٍ. وفي صباحِ اليومِ التالي، عادَ الطبيبُ ليطمئنَهُ قائلًا: “يمكنُكَ أخذُها، لكنَّها تحتاجُ إلى رعايةٍ.” ابتسمَ عادلٌ وقالَ: “سأسمِّيها أميرةَ.” عادَ إلى منزلِهِ وهو يحملُ “أميرةَ”، وقلبُهُ ممتلئٌ بالفرحِ والامتنانِ… فقد أنقذَ حياةً صغيرةً، لكنَّها في المقابلِ أنقذتْ حياتَهُ من مصيرٍ لم يكنْ في الحُسبانِ. العِبرةُ من القِصَّةِ:أنَّ الرحمةَ بالمخلوقاتِ الضعيفةِ واجبٌ إنسانيٌّ، فلا يجوزُ إيذاءُ من لا يستطيعُ الدفاعَ عن نفسِهِ، بل علينا حمايتُهُ والعطفُ عليهِ. فالخيرُ الذي نقدِّمُهُ، حتَّى ولو كانَ بسيطًا—قد يعودُ إلينا يومًا ما بطرقٍ لا نتوقَّعُها، كما حدثَ مع عادلٍ حينَ كانتْ رحمتُهُ سببًا في نجاتِهِ. الشاعرة والكاتبة آية الكلاعي