169 أنا ابنةُ الغياب،ووريثةُ النايات التي بَكَت في ليلِها دونَ أن يسمعها أحد.أحملُ في صدري أصواتَ الذين رحلوا،وفي يدي شظايا من مرايا الحلم.كنتُ أظنّ أنّ الحنين نبتةٌ تُروى بالماء،فاكتشفتُ أنّه لا ينمو إلا من دموعٍ ملوّنةٍ بالانتظار.كنتُ أزرعُ الوقتَ في دفترٍ من ورقٍ أصفر،وأنتظر أن تُزهرَ منه الحياة.لكنّ الحياة، يا صديقي،ليست سوى تمرينٍ طويلٍ على الخسارة،على أن نتعلّم كيف نضحك ونحن ننزف،وكيف نُخفي ارتجافة القلب خلف ابتسامةٍ أنيقة.في كلِّ فجرٍ،أرتّبُ روحي كما تُرتَّبُ الغرف بعد العاصفة،أجمعُ فتاتَ الضوء من بين الركام،وأصنعُ منه نافذةً صغيرة تطلّ على الأمل.الريحُ تعرفني،هي التي كانت تكتب اسمي على وجهِ الغيم،وتهمسُ لي بأسرار البحر حين كان الماءُ طفلاً يلهو بالرمل.قالت لي يومًا:“اكتبي كي لا تُمحى ذاكرتُكِ من ذاكرة الكون،وازرعي كلماتكِ في فمِ الصمت،لعلّها تنبتُ أغنيةً يوماً.”فكتبت.كتبتُ عن الحبّ حين كان يُشبه نبيذَ الورد،وعن الفقدِ حين صار عطرًا يسكنُ أنفاسي،وعن المدن التي عبرتني كما يعبرُ الغريبُ قلبَ أنثى تُخفي اشتياقها.أنا ابنةُ الوجع،لكنّني أيضًا ابنةُ النور.في داخلي طفلةٌ لا تزال تُصدّق أنّ الغيمَ يُحبّ العصافير،وأنّ للحروفِ جناحين،تطيران بي كلّما ضاقَ بي العالم.أكتبُ لأنّ الصمتَ ثقيل،ولأنّ الحروفَ هي الوطن الوحيد الذي لا يخذلني.أكتبُ كي أرى،وكي أقول للريح:“ها أنا ما زلتُ هنا،أغزلُ من رمادِ الأمسِ ضوءَ الغد،وأُعيدُ ترتيبَ قلبي كلّما بعثرَه الغياب.” الشاعرة ياسمين عبد السلام هرموش