93 الليل كان ينسحب بهدوء، تاركًا مكانه للفجر الذي يختبئ خلف ستائر الغيم.كنتُ أقف عند نافذتي، أراقب الضوء الذي يتسلل إلى الغرفة، وأشعر بأن شيئًا ما على وشك الحدوث.في اللحظة التي بدأ فيها المطر يتساقط، شعرتُ بأنها هنا، قبل أن أراها، قبل أن أسمعها، قبل أن أعرف كيف أصفها.شيء في الهواء، شيء في الرائحة، يعلن عن حضورها، حضور لا يُرى بالعين، لكنه يلمس الروح.أعرف امرأةً لا تتكرر، تعيش على الظل، تأتي مع الفجر على شكل غيمة تهطل على شباكي بالمطر.تلدني كل يوم في عينيها كحبٍ جديد،تكتبني على مناديل الريح، على زهر الياسمين، في أزقة الحارات الضيقة،ترسمني على الحيطان القديمة، وتجعلني قناديل الدروب المسافرة،تحملني على زفراتها، تشهقني في رئتيها كما لو أنّ وجودي كله محتوى فيها.مع كل فجر، أستيقظ لأجدها قد وضعت عطرها على نافذتي وغادرت، وكأنها لم تكن هنا، وكأن العالم لم يلحظها.أحيانًا أتساءل: هل أفتقدها لأنها رحلت، أم لأنها دائمًا كانت غيمة، لا يمكن الإمساك بها؟هي امرأةٌ لا تتكرر،ولكنها تعلّمني أن الحياة يمكن أن تُولد في عيون شخص واحد، في زفراته، في ضحكاته، في صمته، وفي كل التفاصيل الصغيرة التي نختار أن نرى فيها الحب.وكل يومٍ، حين تهطل الغيمة على نافذتي، أعلم أنني أعيش معها مرة أخرى، حتى وإن لم تكن موجودة بجسدي، فهي موجودة في كل شيء… حتى في صمتي. الكاتبة هدى حجاجي أحمد