100 تضامنًا مع روحه الشّرقيّة الجوّالة، ومع حضارة تلك الجبال المتقاطعة على نهر “الكولورادو” العظيم، أوقف “العربي” سيّارته على بعد ميلين ونصف الميل من سدّ “هوفر”، ومضى مترجّلًا على الضّفة الشرقيّة للنّهر، غير آبه إلى أين يمضي… كان يمشي وقد ضيّع إحساسه بالمشي، وما كان ليعرف أيّ وجهة من الوجهات يريد، لولا أن حدّثته نفسه بأن يجلس على ضفّة إحدى البرك الكبيرة هناك، حيث كانت تعجّ بالطيور المائيّة الجميلة المختلفة. فطاب له متابعتها ومشاهدتها وهي تقتات. ونزولًا عند رغبته تلك، جلس بالفعل على ضفّة صخريّة منخفضة نسبيّا، وأخذ ينظر ويبتهل. وكان التيار لا يزال يدوّي في أذنيه من حين لآخر، فيزبد خاطره بمزيج من الرّهبة والنّشوة والتّجلي، والارتياح، رغم قناعته الشخصيّة بأنه رجل لا يريح ولا يستريح. نظر في الماء فرأى صورة وجهه المنعكسة في النّهر، فراح بشيء من التعجّب والضّيق، يسأل نفسه: “أيكُون هذا الوجه وجهي؟… أشعر أنّ ملامحي غريبة عنّي، وأن لا صلة تربطني بما ظلّ إلى الحين يخصّني… تثاقف الأنف لمدة عشرين عامًا مع روائح غريبة عنّي، فهل لا زال الأنف أنفي؟..” تثاقف الفم لمدة عشرين عامًا مع أطعمة غريبة، البهارات والمذاقات، فهل لا يزال الذّوق ذوقي؟ ولمثلها من السّنوات، تثاقفت عيني مع وجوه غريبة أيضًا، وأعين غريبة حائرة، وشوارع وأرصفة غريبة عنّي، فهل ما زالت العين عيني؟ كما تثاقفت أذني مع أصوات وابتهالات غريبة أيضًا، وشتائم، ومدائح لطالما حاولت أن آلفها، لكنّها ظلت رغم قربها غريبة عنّي. قل هي الظنون إذ تفعل فعلها، فتبقيك صفر الذاكرة، حتى من أخصّ خاصّيات ذاتك. أنت تشعر الآن بغربة تتملّك قلبك، تسحقه… تبعثره… تدهسه، وقد كنت إلى حدود حينك هذا لا تذكر أنّ لك قلبًا تحسّه… أنت تشعر الآن بالغربة تضاجعك… تفترسك شيئًا فشيئًا. وتحسّ إحساسًا لا مرية فيه بأنّ النّار تأتي على جوانحك، وأنّ القلق يمدّد من قوّة التيار عند الوادي، وينهشك كما ينهش أشواط من السّكون في نفسك الثّكلى… وأنّ… وأنّ…. عشرون عامًا مضت، والوقت يسرقني… عشرون عامًا مضت، ولا أذكر يومًا أنّي خرجت من دارة اللاّمبالاة والعبث…” فجأة ينقطع حديثه مع نفسه، ويرفع رأسه إلى أعلى، وكأنّ صوتًا علويًّا قد ناداه… يمدّ يديه إلى مستوى صدره، يتحسّس الخُمسة “وهي تتدلّى في سلسلة تحت القميص”. يسحب السلسلة رويدًا… رويدًا. يمسك “الخُمسة” بلهفة آسرة، وأصابعه ترتعش وتهتزّ كشراع ممزّق في عرض البحر، ثمّ يقبّلها طويلا… طويلا… وترتسم صورة أمّه وهي تودّعه منذ عشرين عامًا، بصوتها العذب الجميل، وهو يفتح فتحًا مبينًا في فؤاده لحظة الوداع… يتذكّر دعاءها، ولحظة بكائها على كتفيه. يتذكّر إخوته الخمس، يتذكّر الحومة العربي، ودكّان أبيه لصنع “السجّاد”، يتذكّر المسجد الذي كان يؤمّه صحبة والده كلّ يوم جمعة. يتذكّر روائح البخور، يتذكّر الصّلوات الخمس… يتذكّر قواعد الإسلام الخمس… الخ…. ثم يستدرك هنيهة، يتنهّد، ويبكي بكاءً كالنزيف، عندما يتذكّر أنّه لن يعيد إلى الحياة جميع من فقد: أمّه… أباه… إخوته… في ذلك الحادث المروّع، الذي حكم عليه بأن يضلّ وحيدًا مثل طائر هجرته فراخه مع الزّقزقة… شريدا… كسيرا… وغريبًا مثل شجرة أُحرِق ما حولها. فيظلّ يبكي بكاءً مريرًا… يبكي ويشهق كثيرًا… كثيرًا. وحين يهمّ بالوقوف يستشعر في نفسه الرّاحة، وإحساسًا عميقًا بالصدق مع الذات، صاحبته قناعة شخصيّة بأنه قد بدأ يشهد الآن أعظم تحوّل داخلي، غير أنّه ما استطاع أن يحدّد لهذه المشاعر والأحزان والهواجس أيّ معنى. هناك قد قامت ثورة للياسمين… ثمّ قيل أنّها ثورة “بوقرعون” أحمر قانٍ… وقيل ثورة من أجل “الهمهاما”، بل قل من أجل جميع ما يمكن أكله… ثورة الزيادة في الأجور والمطلبيّة التي لا تنتهي… والحرّية التي لم يفرّقها أغلب من هناك عن “أمّك حورية”… إلخ… فهل تعود هناك؟.. أم..؟ هكذا أخذ يحدّث نفسه حديثًا شابه في هجسه حديث الأزل… وكبُر عليه أن يضحك، فلم يستطع حتّى التبسّم، ولكنّه غمغم محدّثًا نفسه: “على الأقلّ قد صار للواحد منّا أن يكون هناك مفردًا بصيغة الجمع… وأن يكون حرًّا على الأقلّ، وعلى الأكثر حزبياّ ناجحًا فوق مشيئة السّواد الأعظم… أعود؟.. ولكن من أجل من سأعود؟..” أعود… هوّ ذاك… لا.. لا أعود.. نعم أعود… لا.. نعم… لا أعــــــــــــــــــــــــود. سأعود من أجل من سيأتي… سأبقى جمعًا بصيغة الفرد……… لا أعود… بل سأعود من أجل أن أقيم جمهوريّة: …. اليتامى. التلميذة: ميساء عبد اللاّوي – معهد الآثار بسبيطلة الأديب فتحي النصراوي