6 في موسم الحج، كان يروق لوالدي – رحمه الله – الترنم بقصيدة ذائعة لعبد الرحيم البرعي، وكان يشفعها – دوما – بحكايته الخرافية التي ننصت إليها بشغف كبير، وما مللنا منها. سأرويها، ولكن لي وقفات مع (عبد الرحيم البرعي): الوقفة الأولى أولها قبل عقد من الزمن، مع أستاذ من السودان يعمل محاضرًا في التربية الإسلامية، حيث سمعته يترنم بأنشودة (أغيب وذو اللطائف لا يغيب). استمتعت بأدائه وصوته، وبعدها اختلفنا في أصل الشاعر وبلده، حيث زعم هو أن الشاعر سوداني، وأنا أُصرّ على أنه يماني. وبعد بحث وتقصٍّ، استطعتُ أن أؤكد له رجحان قولي وسداد رأيي بأن (عبد الرحيم البرعي) يماني، فأقرّ الأستاذ السوداني بذلك، وأخبرني أن ثمة شاعرًا سودانيًا متصوفًا تسمّى باسم البرعي من فرط إعجابه به، لكن الغريب في الأمر أن شهرة البرعي في السودان الشقيق أكثر من شهرته في اليمن وبقية الأقطار العربية. الوقفة الثانية الوقفة الثانية كانت مع المنشد العدني الرائع (عبد الرحمن عبد الكريم)، وكنت أدرّسه النقد في كلية الآداب، وكان له موقف سلبي من البرعي، ربما لنزعته السلفية. فأعطيته ديوان البرعي وبعض التراجم له ليكون بحث تخرجه، لكنه عاد إليّ منكرًا شطحات (البرعي) بعد أن قرأ ديوانه. (اقرأ بروحك لا بعقلك)، هذا ما قلته له، وبعد مدة ليست بالطويلة تعجبت منه، إذ تغير موقفه وجعل ينشد – في كل محاضرة لي – من شعر البرعي، وأنجز بحث تخرج مميزًا. ولسيدي عبد الرحيم قصيدة عزيزة على قلبي، تلك التي ترنم بها والدي، وبصدد الحديث عن مناسبتها، فمن فرط إعجابي بها كنت أجعلها مقررة على طلابي في كل عام وفي جميع المراحل، وأطلب منهم إنشادها بأداء جماعي وفردي، وأنا على يقين أنهم يتذكرونها إلى اليوم. الوقفة الثالثة وهذه الوقفة الثالثة، ولن أطيل عليكم، وإلى حكايته. مناسبة القصيدة البرعي شاعر ومتصوف رباني عاش قبل حوالي ستمئة وثمانية وثلاثين عامًا في (بُرَع) في محافظة الحديدة (حاليًا)، في قرية النيابتين، وتقول الخرافة: إن قبره يتحرك من مكانه بمقدار شبر أو ذراع صوب مدينة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – شوقًا وحبًا؛ لأنه حُرم من وصال حبيبه وزيارته. وزادت المخيلة الجمعية أن وضعت حديثًا لا أصل له ونسبته للرسول صلى الله عليه وسلم، يقول فيه: (لا تقوم الساعة إلا وقبر البرعي عند قبري)!!! وأصل الحكاية – كما سمعناها من عامة الناس – أن البرعي كلما عزم على الحج يصاب بالمرض، أو أنه يحج ولكنه يمرض وهو في طريقه إلى المدينة، ويعود مهمومًا حزينًا في كل مرة إلى (بُرَع). ولكن في آخر مرة يعقد النية على الزيارة مهما كلفه ذلك، ويداهمه المرض في الطريق كالعادة، لكنه يمضي غير مبالٍ بآلام المرض، حتى إنه حبا على يديه وركبتيه حبوًا، وزحف على بطنه زحفًا حتى تقطّع بطنه وخرجت أمعاؤه. وقيل إن هذه القصيدة هي آخر ما قاله، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، وتذكر الأسطورة أن أناسًا زاروا قبره بعد سنين ورأوا أنه قد تحرك بالفعل!!! أما سبب تداول الناس لتلك القصيدة وازدهارها عند العامة قبل الخاصة، فهو أنهم قد أضافوا للأسطورة بُعدًا دينيًا، قائلين: «إن من يحفظ القصيدة عن ظهر قلب ويرددها فكأنما حج البيت وزار قبر الرسول عليه الصلاة والسلام»، أو أنهم بالفعل يجدون أنفسهم في مكة والمدينة. ربما أدركتم كثيرًا من الآباء يحفظونها ويترنمون بها، وخاصة عند اقتراب موسم الحج، مثلي، لكن – سبحان الله! – عندما كادت تندثر بُعثت من جديد. القصيدة يا راحلين إلى منى بقياديهيّجتمو يوم الرحيل فؤادي سرتم وسار دليلكم يا وحشتيالشوق أقلقني وصوت الحادي وحرمتمو جفني المنام ببعدكميا ساكني المنحنى والوادي ويلوح لي ما بين زمزم والصفاعند المقام سمعت صوت منادي ويقول لي يا نائمًا جد السرىعرفات تجلو كل قلب صادي من نال من عرفات نظرة ساعةنال السرور ونال كل مرادي تالله ما أحلا المبيت على منىفي ليل عيد أبرك الأعيادي ضحوا ضحاياهم وسالت دماؤهاوأنا المتيم قد نحرت فؤادي لبسوا ثياب البيض شارات اللقاوأنا الملوع قد لبست سوادي يا رب أنت وصلتهم صلني بهمفبحقهم يا رب فك قيادي فإذا وصلتم سالمين فبلغوامني السلام أهِيل ذاك الوادي قولوا لهم عبد الرحيم متيمومفارق الأحباب والأولاد صلى عليك الله يا علم الهدىما سار ركب أو ترنم حادي مجيب الرحمن الوصابيباحث – اليمن