الثلاثاء, سبتمبر 22, 2026
الرئيسية » فوزية دوام – المغرب: حين يصبح الفراغ بابًا للإدمان

فوزية دوام – المغرب: حين يصبح الفراغ بابًا للإدمان

232 زائر 5 دقائق اقرأ

كالعادة، سوف أخرج قليلًا عن النطاق، وأبدأ بمفارقة مهمة أعتقد أنه يجب على كل واحد منا أن يعيد النظر فيها، ألا وهي: هل نحن نستهلك أم نُستهلك؟

قد تجدون أنفسكم تتساءلون الآن: ما هذا الشيء الذي نستهلكه، لكنه في المقابل يستهلكنا؟ ومن هو ذلك الفاعل الذي يرتكب هذه الجريمة في حق وقتنا وتركيزنا، دون أن نشعر به أثناء ارتكابها؟

سوف أحرق المراحل وأقول لكم إنني أتحدث عن مواقع التواصل الاجتماعي؛ ذلك العالم الافتراضي الذي نستهلك فيه مقاطع الفيديو والصور بمختلف أنواعها وألوانها، وننتقل فيه من محتوى إلى آخر دون أن نشعر بمرور الوقت.

نستهلك الألعاب والدردشات والمقاطع القصيرة، وفي المقابل تستهلك هي طاقتنا ووقتنا وتركيزنا وانتباهنا. والأغرب من ذلك أننا لا نشعر بما يحدث لنا أثناء هذه العملية، لأننا نعتقد أننا نحن من نتحكم في متى ندخل ومتى نخرج.

لكن، هل نحن فعلًا من نتحكم؟

قبل أن أجيب عن هذا السؤال، أريد أن أرجع قليلًا إلى الوراء، وأن أسلّط الضوء على بداية هذه الجريمة. وأحسن مثال يمكنني أن أطرحه هو ما يحدث عندما تكونون منشغلين بشيء معين، كالرياضة أو الدراسة أو العمل؛ ففي الغالب لا تجدون أنفسكم تفكرون في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا تشعرون بالحاجة إلى فتحها، لأن وقتكم مرتبط بشيء تقومون به.

أما عندما تكونون في حالة فراغ، فإنكم تبدأون في البحث عن أي شيء يمكن أن يملأ ذلك الوقت. وبالطبع، تصبح مواقع التواصل الاجتماعي أسهل وسيلة لذلك؛ تدخلون لدقائق فقط بهدف تمضية الوقت، ثم تجدون أنفسكم، بعد مدة، لا تعرفون كيف تحولت تلك الدقائق إلى ساعات، حتى ينتهي بكم الأمر إلى علاقة أكثر تعقيدًا مع الهاتف: الإدمان.

وهذا هو حال الكثير من أبناء جيلنا اليوم؛ فما بدأ بفكرة بسيطة، «ليس لدي ما أفعله»، أصبح مشكلة لا يعرف الكثيرون كيف يتعاملون معها.

أصبح الهاتف رفيقًا حاضرًا في كل وقت، بل تحوّل بالنسبة للبعض إلى منقذ يلجؤون إليه كلما شعروا بالملل أو الوحدة أو الحزن. لكن المفارقة أنه قد يكون هو نفسه المُغرِق الذي لم ننتبه إلى أننا سلّمناه وقتنا وانتباهنا.

فمواقع التواصل الاجتماعي لم تُبنَ بطريقة عشوائية؛ بل تعتمد على أنظمة وخوارزميات تتعلم من سلوك المستخدم، وتراقب بشكل مستمر نوع المحتوى الذي يتوقف عنده، وما يعجبه، وما يبحث عنه، وما يتفاعل معه، ثم تستخدم هذه المعلومات لتقديم محتوى أكثر توافقًا مع اهتماماته.

وبالتالي، أنتم لا ترون فقط ما ينشره الآخرون، بل ترون بشكل متزايد ما تعتقد الخوارزمية أنكم ستتوقفون عنده.

ولا تحتاجون إلى برهان كبير لإثبات ذلك؛ يكفي أن تلاحظوا كم مرة وجدتم مواقع التواصل الاجتماعي تعرض لكم أشياء قريبة من اهتماماتكم، أو موضوعات كنتم تبحثون عنها، أو محتويات تتناسب مع ما تفاعلتم معه سابقًا.

قد يبدو الأمر اعتباطيًا في البداية، لكنه ليس كذلك؛ فمن خلال بحثكم وتفاعلكم ومشاهدتكم، تبدأ المنصة في معرفة نوع المحتوى الذي يجذبكم، ثم تقترح عليكم محتوى مشابهًا أو مرتبطًا به، حتى تبقوا لأطول مدة ممكنة داخل تلك الدوامة التي لا تنتهي.

وهنا يمكننا أن نستنتج أننا لم نعد نتحكم كما نظن؛ فقد أصبحنا نستعمل هذه المواقع حتى عندما لا يكون لدينا أي غرض حقيقي منها، وفي بعض الأحيان نحمل الهاتف ونحن منشغلون أصلًا بشيء آخر، وهنا يكمن الإشكال الحقيقي؛ فقد أصبحت تلك المواقع تسرق منا لحظات من حياتنا وتجعلنا، دون أن نشعر، مسجونين داخلها.

تخيلوا مثلًا أنكم في مناسبة، والكل يلعب ويضحك ويستمتع باللحظة. تمسكون هواتفكم؛ قد يكون هدفكم في البداية مجرد التقاط صورة تحفظون بها كذكرى، لكن في لحظة واحدة يمكن أن تنتقلوا من التقاط الصورة إلى تصفح المقاطع، ثم من مقطع إلى آخر، حتى تجدوا أنفسكم بعيدين عن اللحظة التي كنتم تريدون الاحتفاظ بها أصلًا.

وهنا تصبح المفارقة مؤلمة: ما فائدة الذكرى إذا لم نكن موجودين أصلًا لنعيشها؟

وبعد كل هذا، نصل إلى الدوبامين؛ ذلك الناقل العصبي الذي لطالما عرفناه باسم «هرمون السعادة»، إلا أنه في الحقيقة لا يرتبط بالسعادة وحدها، بل يؤدي أدوارًا مهمة في الدماغ، من بينها التحفيز والدافع، والتعلّم، والمكافأة، إضافة إلى دوره في الانتباه والتركيز.

وقد يتبادر إلى أذهانكم الآن سؤال مهم: ما علاقة هذا الناقل العصبي بمواقع التواصل الاجتماعي، وبالأخص بالإدمان؟

جيد، دعوني أوضح لكم الأمر.

الدوبامين لا يعمل بطريقة عشوائية؛ فهو جزء من نظام المكافأة في الدماغ، وينشط عندما نتوقع مكافأة أو نحصل على شيء يمنحنا شعورًا بالرضا، وهذا ما يجعلنا نرغب في تكرار السلوك مرة أخرى.

وهنا تكمن العلاقة مع مواقع التواصل الاجتماعي؛ فهي تمنحنا محفزات متتالية وبسرعة كبيرة: مقطع جديد، صورة جديدة، إعجاب، تعليق، إشعار، أو حتى مجرد انتظار ما سيظهر لنا في المقطع التالي.

وكل مرة ننتقل فيها إلى شيء جديد، يبقى عقلنا في حالة ترقّب للمكافأة التالية، فنستمر في التصفح دون أن نشعر بمرور الوقت.

المشكلة إذن ليست في وجود الدوبامين، فهو جزء طبيعي وأساسي من عمل الدماغ، وإنما في أننا أصبحنا نعرّض أنفسنا لتحفيز سريع ومتكرر، دون الحاجة إلى بذل جهد كبير للحصول على شيء جديد.

لكن عندما نعتاد هذا النمط، قد تصبح الأشياء التي تحتاج إلى وقت وصبر أقل إغراءً بالنسبة إلينا؛ فالدراسة، والقراءة، وتعلّم مهارة جديدة، أو حتى مشاهدة محتوى مفيد يحتاج إلى تركيز طويل، قد يصبح فجأة أمرًا ثقيلًا.

خذوا مثالًا بسيطًا: قد تجدون مقطعًا يحتوي على معلومات يمكن أن تفيدكم في دراستكم أو عملكم، لكنه يستغرق خمس عشرة دقيقة. قد تبدأون في مشاهدته، ثم تشعرون بالملل والرغبة في الخروج منه، ليس لأن المعلومات غير مهمة، وإنما لأنكم اعتدتم على الانتقال السريع من مقطع إلى آخر؛ مقاطع قصيرة لا تتجاوز أحيانًا بضع ثوانٍ وتنتهي بسرعة، قبل أن تمنحكم فرصة حتى للشعور بالملل.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: لم نعد نبحث فقط عن المحتوى، بل أصبحنا نبحث عن السرعة. السرعة في المعلومة، والسرعة في المتعة، والسرعة في الانتقال من شيء إلى آخر.

ومع هذا الاستهلاك المستمر، يصبح الحفاظ على الانتباه والتركيز أكثر صعوبة، ونجد أنفسنا أمام ظاهرة أصبح يُتداول حولها كثيرًا في عصرنا: «تعفّن الدماغ» أو Brain Rot.

وليس المقصود بذلك مرضًا أو تعفّنًا حقيقيًا يصيب الدماغ، وإنما حالة مرتبطة بالإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي السريع والسطحي، خصوصًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد يرتبط هذا النمط بالكثير من الآثار، من بينها التشتت الذهني وصعوبة الحفاظ على التركيز، خاصة عندما يصبح العقل معتادًا على الانتقال المستمر والسريع بين المعلومات والمحفزات، دون التوقف طويلًا عند أي منها.

وكما يقولون: ختامها مسك.

سوف أختم هذا الموضوع بنصيحة يمكنكم جميعًا الأخذ بها إن أعجبتكم، وهي أن العقل لديه قدرة كبيرة على التكيّف؛ فإذا اعتاد نمطًا معينًا، فمن الممكن أن يتعلم نمطًا آخر أيضًا.

لذلك، إذا شعرتم أن الفراغ أصبح يأخذ منكم أكثر مما يعطيكم، فالحل يبدأ منكم أنتم: املؤوا ذلك الفراغ بشيء حقيقي؛ مشروع جديد، عمل، رياضة، رسم، طبخ، تعلّم مهارة جديدة، أو حتى تعلّم لغة تحبونها.

ليس الهدف أن تصبحوا محترفين في كل شيء، ولا أن تمنعوا أنفسكم من الهاتف نهائيًا، وإنما أن تمنحوا حياتكم أشياء أخرى تستحق وقتكم وانتباهكم.

قد يبدو التغيير صعبًا في البداية، وهذا طبيعي؛ لأنكم لا تحاولون فقط تغيير عادة، بل تحاولون إعادة تدريب أنفسكم على الاستمتاع بأشياء تحتاج إلى وقت وصبر.

لا تحاولوا أن تكونوا أفضل من الجميع، ولا تقارنوا بدايتكم بنهاية شخص آخر؛ قولوا لأنفسكم فقط: «اليوم سأفعل شيئًا يجعلني أفضل من الأمس.»

فأنتم لستم في سباق مع أحد، وهذه الحياة ليست سباقًا أصلًا؛ لكل واحد منا وقته، وطريقه، ورزقه، وأحلامه.

فلا تجعلوا الفراغ بابًا يسلب منكم حياتكم، بل اجعلوه مساحة تكتشفون فيها أنفسكم، وتبنون فيها شيئًا يبقى معكم.

فوزية دوام
كاتبة – المغرب

  • كاتبة شابة مغربية
    فوزية دوام شابة مغربية تبلغ من العمر 17 سنة، وتقيم بمدينة سيدي بنور. تتابع دراستها حاليًا في السنة الأولى من شعبة الهندسة المعلوماتية بالمدرسة العليا للتكنولوجيا (EST). تتميّز بشغفٍ كبيرٍ نحو مجال البرمجة والتكنولوجيا، وتسعى إلى تطوير مهاراتها في التحليل، والتفكير المنطقي، والتعامل مع الأدوات الرقمية الحديثة. إلى جانب دراستها التقنية، تمارس الكتابة والمقالة كهوايةٍ تجد فيها ذاتها، حيث تكتب نصوصًا أدبية وثقافية تعبّر عن رؤيتها وأفكارها، وتسعى إلى تطوير هذا الجانب الإبداعي بالتوازي مع تكوينها الأكاديمي.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.