203 توطئة: لقد مرّتِ الكتابةُ القصصيّةُ والرّوائيّةُ في تونس بجملةٍ من المراحل الهامّة التي حدت بها لتبلغ مبلغَ التّأصيلِ الفنّيّ، وثوابتِ الخصوصيّةِ الأجناسيّةِ فيها. وأوّلُ هذه المراحل هي “مرحلةُ التحسّس” من سنة 1905 إلى سنة 1930، وهي مرحلةٌ أعلنت عن بوادر هضم هذا الفنّ الجديد وتقبّله ذوقيًّا وفنّيًّا. وهي مرحلةٌ لاحقةٌ لظهور المطبعة سنة 1860، وازدهار الكتابة الأدبيّة، وصدور بعض الجرائد مثل جريدة “الرّائد التّونسي” مثلًا، التي بادرت منذ سنة 1862 بنشر نموذجٍ من رواية “دونكيشوت” لـ”سرفنتاس”، ورواية “حكاية” للكاتب الإيطالي “بوكاتشيو”. إلى جانب ما كان قد أحدثه الرّوّاد والمصلحون الأوائل من تغييراتٍ جذريّةٍ على السّاحة التّونسية من تطوّرٍ ثقافيٍّ وانفتاحٍ فكريٍّ ومعرفيٍّ، أسّس له المصلح التونسي “خير الدين باشا”، إذ شيّد المدارس الحديثة وشجّع على التّرجمة والثقافة وسائر المعارف الحديثة، فانتعشت الكتابة الأدبيّة ترجمةً وتأليفًا، ولاسيّما الكتابات النثرية والقصصيّة منها. وفي سنة 1905 ظهرت أوّلُ قصّةٍ تونسيّةٍ للكاتب والمؤرّخ “حسن حسني عبد الوهاب”، وقد حملت عنوان “السّهرة الأخيرة في غرناطة” في لغةٍ فرنسية. أمّا عن أوّل قصّةٍ كُتبت ونُشرت بالعربية فهي “الهيفاء وسراج الليل” لـ”صالح السّويسي”، المنشورة بمجلّة “خير الدين” في العددين السادس والسابع لسنة 1906، في جزئها الثاني. هذا إلى جانب بعض الكتابات القصصيّة الأخرى من قبيل قصّة “فكاهة في مجلس القضاء” لـ”محمد مناشو”، المنشورة في “مرشد الأمّة” لسنة 1910 في جزئها الثّاني، وقصّة “السّاحرة التّونسية” لـ”الصّادق الرّزقي”، ورواية “داليماس” لـ”سلمان الجارودي”، وروايتا “بسالة تركية” و”وطنيّة الأتراك” لـ”محمد الحبيب”. وهي قصصٌ ورواياتٌ تميّزت بالطابع الاجتماعي والسياسي. أمّا المرحلة الثانية فهي “مرحلة التّوجيه القصصي”، كما عبّر عن ذلك الباحث “رضوان الكوني”، وهي تمتدّ زمنيًّا بين سنتي 1930 و1960. وقد أسّس لها وساهم في دعمها الكاتب والأديب المناضل “زين العابدين السنوسي”، وخاصة منذ سنة 1932. فقد دعا إلى اكتشاف عالم القصّة، وإلى “ممارسة هذا الفن الإبداعي الجميل”، والانفتاح عليه انفتاحًا مؤثّرًا ومخصبًا، وهذا ما أشار إليه وأكّده جلّ الباحثين في تاريخ الرّواية التونسيّة، ولا سيّما محمد صالح الجابري ورضوان الكوني وغيرهما. فبرز جيلٌ كاملٌ من الكتّاب بين فترة الثلاثينات والخمسينات، و”مارسوا أدب القصّة” حتى اكتملت ملامح هذا الفنّ الجديد على أيديهم بخصائصه الأجناسيّة المكتملة والمتميّزة. فتنوّعت اتجاهاتهم الأدبيّة والفنيّة بتنوّع مشاربهم الذّوقيّة، وربّما بدافع تطلّعاتهم الجماليّة والقيميّة أو انتماءاتهم الإيديولوجيّة. فمنهم من سلك في كتاباته الروائيّة والقصصيّة مذهبًا اجتماعيًّا أخلاقيًّا، من أمثال “محمد المرزوقي” في مجموعته القصصيّة “أحاديث السمر”، وبعض أعمال “علي الدوعاجي” في مجموعته “سهرت منه الليالي”، و”البشير خريف” في أعماله الروائيّة الشّهيرة مثل “الدقلة في عراجينها” و”برق الليل”، وإن كان فيها ما فيها من إسقاطٍ على الواقع التّاريخي. هذا إلى جانب آخرين من أمثال “محمد البشروش” و”محمد فرج الشاذلي” و”محمد عروسي المطوي” في أعماله الروائيّة، في رواياتٍ بعينها من قبيل رواية “التّوت المرّ”، ورواية “حليمة”، ورواية “ومن ضحايا”، على سبيل المثال لا الحصر. وهو الكاتب الذي نشدّ إليه رحال البحث في هذا المبحث المتواضع، وخاصة فيما يهمّ كتاباته في فترة الخمسينات، ولاسيّما في فترة الاستعمار وما تلاها بزمنٍ قليل. ومن بين هؤلاء الأدباء من نحا اتّجاهًا ذهنيًّا فكريًّا، من أمثال “علي الدّوعاجي” في بعض أقاصيصه، مثل قصّة “هو وهيّ”، و”محمود المسعدي” في رواية “حديث أبو هريرة قال”، وهذا ما أعلن عن ظهور تيّارٍ ثالثٍ في الكتابة الروائيّة، وهي التّجربة الذهنيّة التي مثّلت تتويجًا لتلك التجارب جميعًا في مسار تاريخ تطوّر الرّواية التّونسيّة. محمد العروسي المطوي بين مرّ الكتابة وتوت النهايات الأصيلة: يُعدّ “محمد العروسي المطوي” كاتبًا قصصيًّا وروائيًّا بارزًا في الفترة الممتدّة بين الخمسينات والستينات، لكونه أحد أبرز الأقلام التي وضعت لنفسها موطئ قدم، وتركت أثرًا بيّنًا في عالم القصّ وفي الرواية التونسية الصميمة على وجه الخصوص. فقد كان له الفضل في تأسيس نادي القصّة بالورديّة سنة 1964، وهو نادٍ يسهر على نشر القصص أسبوعيًّا، حتى بدأت تتشكّل ملامح نضجٍ في الكتابة الأدبيّة، ولاسيّما في الأعمال الروائيّة، وذلك بتطوير أدواتها وتنويع مشاربها والاتجاهات الفنّية فيها أكثر فأكثر، “كالقصّة التجريبيّة، والقصّة السيكولوجيّة، والقصّة الواقعيّة، والقصّة الرّمزية”. وقد أسهمت عديد العوامل السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة والحضاريّة، وحتى التراثيّة منها، في تحديد ملامح تجربة كاتبنا، الذي انخرط بطمّ طميمه في هذا الحراك الثّقافي والأدبي البنّاء، ولاسيّما أنّه قد عاش فترة الاستعمار، ووقف بأمّ عينه على إرهاصات الواقع التونسي والعوامل الداخلية والخارجية التي أسهمت في تشكيل الوعي النضالي والفكري لدى الشرائح المثقّفة والفئات الشعبيّة على حدّ السّواء. هذا إلى جانب “انخراطه في العمل السّياسي والدبلوماسي واشتغاله بالمجال التّربوي والتّطوعي”، أضف إلى ذلك “مشاركاته في العديد من المؤتمرات والملتقيات السياسيّة والأدبيّة في جلّ البلدان العربيّة وبعض البلدان الآسيويّة والأوروبيّة والإفريقيّة” منذ نهاية الخمسينات. كما أسهم تكوينه الأدبي والحقوقي وتخصّصه في البحوث الإسلاميّة والتراثيّة في أن تكون له رؤيةٌ واضحةٌ للواقع، ونظرةٌ ثاقبةٌ لتطلّعات المرحلة التي اتّسمت إلى حدّ بعيد بالتّعقيد والخطورة والتحدّي وتنازع الإرادات والنضال على جميع الأصعدة. هذا إلى جانب إعداده لبعض البرامج الإذاعية الموجّهة، وما لها من دورٍ كبيرٍ في فهم طبائع الناس ومشاغلهم في ذاك الطّور. الأمر الذي انعكس على كتاباته، ولاسيّما كتاباته الروائيّة، فأصبغ عليها طابعًا واقعيًّا صميمًا، مشربًا بروح الحداثة، وقبسًا من التراث والأصالة ألوانًا ألوانًا. فكانت كتابةً تنهل من الواقع والتاريخ على حدّ السّواء، اجتراحًا للعوائق والعوائد البالية، وتخليدًا لمآثر شعبٍ وأفرادٍ ساهموا أيّ مساهمةٍ في تحقيق التّحرّر الوطني ونيل الاستقلال. الأديب فتحي النصراوي