الأربعاء, يونيو 3, 2026
الرئيسية » فتحي النصراوي / تونس: دراسة بعنوان “أدبُ التُّخومِ وفَواجعُ النّهاياتِ”

فتحي النصراوي / تونس: دراسة بعنوان “أدبُ التُّخومِ وفَواجعُ النّهاياتِ”

في روايةِ: "حدثَ أبو هريرة قال…" لمحمود المسعدي

839 زائر 15 دقائق اقرأ

إنَّ التفكيرَ في المصيرِ مسألةٌ قديمةٌ مستجدّةٌ ارتبطتْ بالوجودِ الإنسانيِّ منذُ أقدمِ العصورِ، كما أنَّ الوعيَ بفكرةِ الفناءِ هو الحافِرُ الأولُ لتأليهِ عناصرِ الطبيعةِ والكونِ. وهي الباعثُ الأولُ لابتداعِ الفنِّ والخلقِ البشريِّ عموماً، وسائرِ معارفِه، ولاختلاقِ فكرةِ التديّنِ والاعتقادِ في القوى السحريةِ أو الغيبيةِ، أو فكرةِ الإلهِ الصانعِ أو القادرِ، أو المخيفِ في جميعِ الثقافاتِ.

فالتجربةُ البشريةُ مع الطبيعةِ وعناصرِ الوجودِ هي التي دفعتهُ لابتكارِ الرموزِ وسائرِ وسائلِ التعبيرِ كالكتابةِ

والرّسومِ والصّورِ التّي تعبّرُ عن نظامٍ مشفّرٍ من الرّموزِ، هذا النّظامُ الذّي تطوّرَ عبرَ العصورِ بحسبِ تطوّرِ مناوِيلِ المعرفةِ البشريّةِ ومراتبِها وأنساقِها، ومن ذلكَ منوالُ الأدبِ.

فقد ظلَّ الإنسانُ منذُ وجودِه على وجهِ البسيطةِ مدفوعاً بنزعةِ الاختبارِ والتجريبِ والمضيِّ في خضمِّ التجاربِ حتى التخومِ، موكولاً بتجريبِ الحياةِ وعشقِها على محكِّ الوعيِ بالعدمِ، وكذلكَ الشأنُ مع الأدبِ الإنسانيِّ القديمِ أو الحديثِ والمعاصرِ. فهو مشبعٌ ومفخّخٌ بشواهدَ ودلائلَ على تمثّلِ فكرةِ الموتِ وحتميّةِ المصيرِ البشريِّ، ونزعةِ الفناءِ في الخلقِ، كما هو الحالُ في العصرِ اليونانيِّ والبابليِّ مثلاً، وعندَ سائرِ الأممِ الهندوسيةِ، والساميةِ أو الآريةِ… إلخ على حدِّ السواءِ.

ولقد تعتّقت فلسفةُ اليونانِ والإغريقِ القدامى على سبيلِ المثالِ وسائرُ آدابِهم وفنونِهم بهذه التأملاتِ العميقةِ للوجودِ، فاعتبرَ سقراطُ مثلاً «أبَ الفلاسفةِ جميعاً ودونَ منازعٍ» أنَّ الحكمةَ هي «فنُّ التدرّبِ على الموتِ»، وليس الموتُ ههنا إلا تحرراً من ثقلِ المادةِ وقتلاً للحواسِّ بقصدِ التفرّغِ للحكمةِ.

وقد انسحبَ هذا التصورُ الماورائيُّ للمعرفةِ أو الميتافيزيقيُّ للفكرِ على التصورِ الأبيقوريِّ وعلى الفلسفةِ الأفلاطونيةِ «في الجمهوريةِ الفاضلةِ» وعلى رديفتِها المحدثةِ على يدِ «أفلوطين» ومن لفَّ لفَّه.

كما انعكستْ هذه التصوراتُ على الأدبِ الإنسانيِّ القديمِ، ولاسيما في الملاحمِ الأدبيةِ المأساويةِ «لسوفوكليس»، و«أسخيلوس»، و«أرسطوفانيس»… وغيرِهم. وكذلك على الأدبِ البابليِّ والآشوريِّ القديمِ مثل «ملحمةِ قلقامش» وغيرها من الملاحمِ الإنسانيةِ التليدةِ التي بقيت شاهدةً على موتِ الكائنِ حتى وإن كان متحدِّراً من نسلِ الآلهةِ.

ولقد تشربت الثقافةُ العربيةُ الإسلاميةُ بعضاً من تلك التصوراتِ، فانعكستْ على الفلسفةِ الإشراقيةِ، وعلى تأملاتِ بعضِ الجماعاتِ العلميةِ منذ القرنِ الثاني للهجرةِ، وعلى إشراقاتِ بعضِ أهلِ التصوفِ، وتأملاتِ أهلِ الجدلِ وعلمِ الكلامِ. فلم يخلُ أيُّ أدبٍ إنسانيٍّ قط من فكرةِ الصراعِ بين الحياةِ والعدمِ، وذلك لأنَّ الأدبَ وُجدَ أصلاً لمقارعةِ الفناءِ، أي لمقاومةِ فكرةِ موتِ الكائنِ.

لقد تطرقَ بعضُ الفلاسفةِ المسلمينَ إلى ترجمةِ العديدِ من المفاهيمِ الفلسفيةِ اليونانيةِ لغايةِ توظيفِها، وهضمِها ثقافياً ومعرفياً، وتطويعِ جلِّها لثقافةِ العربِ وحضارةِ الإسلامِ، وإن تعذّر فهمُ بعضِها، وحسنُ ترجمتِها في بعضِ الأحيانِ (انظر مختصرَ ترجمةِ الفلاسفةِ المسلمينَ للمفاهيمِ اليونانيةِ القديمةِ في الأدبِ…) في كتابِ «الشعرِ والشعريةِ» لمحمدِ لطفي اليوسفي… مثل مفهومِ الملحمةِ، والمأساةِ، ومفهومِ التخييلِ، والتمثيلِ، والتطهيرِ، والمحاكاةِ… إلخ…

لذلك بقيتْ كثيرٌ من تلك المفاهيمِ غائمةً وغيرَ واضحةٍ في التصورِ العربيِّ الإسلاميِّ، ولاسيما في فتراتِ الركودِ والنقضِ مع التراثِ حسبَ اعتبارِ الأستاذِ «محمد القاضي» في «إبرامه ونقضه»، وتصورِ الدكتورِ «محمد لطفي اليوسفي» في «فتنة المتخيل» و«الشعرِ والشعريةِ»، إلى أن جاء عصرُ الحداثةِ فوقعت الاستفادةُ من اجتهاداتِ المستشرقينَ والمفكرينَ الغربيينَ في تمثلِ تلك المفاهيمِ أو إعادةِ فهمِها.

وقد اتفقَ عندَ جلِّهم أنَّ الأدبَ الإنسانيَّ الأخلدَ، والكتابةَ الفنيةَ الفذّةَ، والأوفى هي التي تكونُ ترسّماً للمآسي الإنسانيةِ وفواجعِها الوجوديةِ.

ومن أبرزِ الأعمالِ الأدبيةِ العربيةِ المعاصرةِ التي سلكتْ هذا الخيارَ الجماليَّ والفكريَّ نجدُ بعضَ قصائدِ الشابي «في قصيدةِ يا موتِ» مثلاً، وروايةَ «اليومِ الأخيرِ لميخائيل نعيمة»، وجدارياتِ محمودِ درويش كجداريتِه الأخيرةِ «حوار مع الموتِ».الأدب مأساة أو لا يكون

لقد ارتبطت جلّ الآداب الإنسانية قديمًا وحديثًا بفكرة المأساة، وتجربة الإنسان الفرد طاقةً على الفعل والإرادة، وبفكرة الصراع. ولئن اختلفت أشكال الصراع ومظاهره وأطرافه بين مختلف الثقافات والأمم والآداب الإنسانية، فقد توفّرت قواسم مشتركة في بعض الثيمات thèmes، والرموز symboles، والنماذج الأولية Archetypal themes في جلّ هذه الآداب وأنماطها المكتوبة أو الشفوية، الرسمية النّخبويّة منها أو الشعبية الفلكلورية.

ولئن كان البطل في الأدب اليوناني الملحمي القديم مثلًا كائنًا سحريًا خارقًا يحمل مواصفات بين بين، يجمع فيها بين الألوهية والآدمية، فيصارع قوى عينية أو شبه غيبية ليكون الصراع عموديًا بين الآلهة والإنسان، وينتهي بفاجعة أو بانتصار مؤزّر من الآلهة ومن السماء،

فإن الأبطال في الأدب الحديث والمعاصر – إلا أقلّهم – غالبًا ما يكونون من فئة بشرية فانية فيها ما فيها من مركّبات النقص، والضعف، والعقد، والإرادات المقيّدة. وهم عادةً ما يخوضون صراعًا أفقيًا مع قوى معقولة وموضوعية، حسية كانت أو مجرّدة، فتُكلّل النهايات بانتصارات مقبولة ومعقولة من جنس أبطالها، أو تعقب غالبًا بهزائم وانكسارات مدوّية وساحقة، لتكون هذه الأعمال الأدبية، وخاصة في جنس الرواية والمسرحية، مشفوعة بنهايات مربكة أو غالقة، أو بفواجع إنسانية عظيمة آية في الإذهال والغرابة والتعقيد.

وذلك الشأن في أدب المسعدي كاتبًا روائيًا ومسرحيًا في كتاب “السدّ”، وبالأخص في روايته الرمزية (حدث أبو هريرة: قال…) على سبيل المثال لا الحصر.

أدب المسعدي تجربة إنسانية وجودية تروم التخوم والأقاصي

إنّ المسعدي، إذ تشرّب ما تشرّب من ثقافة إنسانية واسعة، غربية كانت أو شرقية، بلونيها الوافد الحديث أو الشرقي الأصيل، فقد تشكّل لديه وعي بضرورة التجريب والاختبار للإرادة الحرة لدى الكائن الفاعل والمريد. وإن كان هذا الفرد المستطيع الذي راهن عليه لا يخلو من نقصان وضعف وانكسارات كبرى وعقد ومكبوتات موروثة أو مكتسبة، وموانع أو عراقيل داخلية وأخرى خارجة عن نطاقه، ومنها عامل الاستعمار ونتائجه من غزو ثقافي واحتواء واغتراب وأسْلاب وعبودية… إلخ، وسائر توابعه الوخيمة في فترة وُسمت بأنها حرجة، وهي فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، أي تاريخ كتابة هذه الرواية سنة 1939.

هذه الفترة التي شكّلت منعرجًا خطيرًا لبروز أشكال جديدة للصراع بين القوى الوطنية والقوى الاستعمارية (تونس في الثلاثينات وأزمتها)، وهذا ما يتجلّى بصورة أوضح – وإن كان ذلك على سبيل الترميز لا الإفصاح – في كتابته لهذه الرواية لونًا من ألوان الرواية الجديدة حسب اعتبار النقّاد، وهي تمتح من المدرسة الرمزية للأدب الإنساني الحديث رافدًا من روافدها.

رواية “أبو هريرة قال…”: إطلالة على رعب الفناء وهاجس التجريب

إن رواية المسعدي “حدث أبو هريرة قال…” كما تحدّث عنها صاحبها: “مسلك إلى الكيان الإنساني يروم فيه حجًا إلى موطنه المفقود… وحنينًا إلى الذات الجوهر الفرد، وتوليدًا للعشرة من معدن الوحشة، وإشهادًا على أن تاج الكيان مركّب من العشق والفناء…”

وهي على حدّ اعتبارنا “كتابة في الألم والتدرّب على الفواجع الإنسانية الكبرى”، استنادًا إلى قول المسعدي الذي يقول فيه: “إنّما هي آلام الإنسان يترامى صداها من قرن إلى قرن”.

وهي أيضًا رواية تقاوم العدم والطمأنينة الزائفة، بحثًا عن المعنى والحقيقة الجوهرية، وإن كان ذلك ضربًا من المحال والعبث على حدّ اعتبار الكاتب نفسه: “الآن، وقد انتهيت وطرحت بهذه الصحائف الضعيفة الناحلة إليك، أنظر فلا أرى غير الفناء”. وإن كان الفعل “انتهيت” لا يعبّر عن معنى الإنهاء والإتمام، وربما قد تقصّد المسعدي هذا الفعل قصدًا واضحًا للدلالة على ارتباط فعل الكتابة بمعنى النهاية أو الموت.

لذلك فإن رواية “حدّث أبو هريرة قال…” هي فنّ روائي من أفانين التجارب الإنسانية الكبرى، بمعيار ما يمثله عالمها من شخوص وأطر وسجلات ومضامين ومقاصد، وروافد من جرأة على المغامرة والتجريب والتفكير، ولاسيما أنها رواية ذات أبعاد رمزية عميقة كما سبق وذكرنا.

هي تجربة بطل إنسان “أبو هريرة”، وهو يحاول مجدًا وخلودًا ويقينًا، وتجربة بطل فنان يجوّد أدبًا وكلامًا حاذقًا ومبينًا، كما عبّر عن ذلك “توفيق بكّار” في مقدمة “السدّ”: “بطل يرصّف حجارة فوق حجارة، ومبدع فنان يرصّف عبارة فوق عبارة”.

فأنت إذ تقرأ الرواية أفقيًا أو عموديًا، ظاهرًا وباطنًا، يتشكّل لديك وعي عميق بأنها تجربة الإنسان الفرد مريدًا – ما استطاع إلى ذلك سبيلًا – وما هو بالمستطيع قطعًا إلا على محكّ المحاولة وشرف المحاولة، وإن ظلّ فعله منقوصًا ومصيره مؤجّلًا إلى حين ومحفوفًا بالنهايات المحتّمة.

هي رواية، إذ تعبّر عن تجربة ذات فرد “أبو هريرة” ذي الأبعاد التراثية والإنسانية العامة، تعبّر بمعيّة ذلك عن تجربة المسعدي الفنان والإنسان معًا، وعن مقاصده وتأمّلاته وتطلّعاته وسائر شواغله اللآنية والتطوّرية، أو رؤيته الذاتية والإنسانية العامة، واستبطان لمقدرة الأنا وهشاشتها في ضوء الوعي بالآخر، وكهانته السحرية، ومقدرته العالية.أبو هريرة وتجربة الجماعة: – أو حاجة الفرد إلى العدد –

لقد اختار البطل قرار الرحيل بعد أن عرف طعم الملل، وخواء تجربة الحسّ، فأقدم على الجماعة بالفعل والإرادة، وإن كانت إرادة الفعل لديه ليست بحجم جنون “غيلان”، وتصميمه في سدّه المنشود، وعزمه المشهود. فقد ظلت إرادته مقيّدة بهوى الجموع إلى حدّ ما، كما ظلّ هوّ كائنا غريبا غربة الأنبياء، وإن كان قد وجد في الجماعة أوّل الأمر أنس اللقاء، ونوعا من المتعة والرضاء.

فقد اختار له باعثه المسعدي فضاء آخر، وهو “أحياء العرب”، لذلك يواصل بطل الرواية تجربته الوجودية، ويشتاق للآخرين شوقه لملأ كيانه، مدفوعا بنزعة الانتماء والتعاون والقرابة الإنسانية، من منطلق أنّ الآخر ليس جحيما على الإطلاق، على خلاف ما انتهى إليه “رسو”. فها هو يشتاق إلى العدد، وإن كان شوقا أفقيّا أوّل الأمر، وليس كشوق أهل التّصوّف وتشوّفهم لنور الحقيقة الذي يُقذف قذفا على نحو عموديّ من السماء إلى أرض الحيرة والشقاء.

فهو يشتاق إلى “العدد” في ردّ فعل على ضيق محبس النفس الفرد، ويتجلّى ذلك في كلّ من “حديث العدد” و”حديث الطين” و”حديث الكلب”، وأغلب الظن أنّه كلب أهل الرقيم الذي أيقظ أهله، ونبّه إلى وجودهم الوهميّ، أو هو “براقش” التي جنت على أهلها، كما جنى “غيلان” و”أبو هريرة” على جماعتيهما. وقد تكون الحاجة إلى الجماعة لعلّة فيه (أبو هريرة) ألزمته الفراش، لتخامره رؤيا أسرة رأى فيها “صرح هامان وفرعون” قائما للعيان، لتبدأ غواية الخلق ونحت الكيان، حتّى تملّكته رغبة في تخطّي العجز والضعف ومقارعة النقصان، أملا في الخلود وبلوغ مراتب معرفية أوسع وأرفع، هي بين الحسّ والعرفان، أو هي فوق ذلك جميعا.

هذا مع وجود فوارق كبيرة بينه وبين “غيلان” في مسرحية “السدّ”، في درجة قوّة تلك الرغبة، ووسائل تنفيذها، وطبيعة علاقته مع الآخرين، وفي أشكال الصراع مع القوى المثبّطة لفعله وإنجازه، أو في طبيعة تلك القوى.

فقد ظلّ “أبو هريرة” لدى الجماعة قائدا غريبا مركّب الشخصية، وإن كان قد أضاف إليهم أنسا فوق أنسهم، ومتعة أوفر من متعة شملهم، ولكنّه لم يكن بمقدار تفوّق “غيلان” وسلطته على بناة السدّ وصنّاعه. ذلك سيفارق “أبو هريرة” جماعته فراقا جميلا، ولم يفارق غيلان رفاقه إلى آخر رمق في جهده ونضاله، كما شاركهم الفجيعة والخسران، وتقاسم معهم الأمل والعمل، وتحطّم البنيان مرارا وتكرارا حتى فارقوه، ليتعزّى هوّ عن رحيل الجماعة بجماعة أخرى (ميارى – ميمونة – البغل).

لقد ظلّت حاجة “أبي هريرة” للعدد تعبيرا عن نقص إرادته الفردية، وعن تخوّفه من الفناء وذهاب الأثر، وليس «كغيلان» في صنعه لأقداره، وذلك لأنّ وجود الكائن لا يُحدّد إلاّ بوجود الآخر، كقول “سارتر”: “أن أوجد هوّ أن أوجد مع الآخرين”.

وقد بقيت رغبته في الفعل وصنع الكيان (بناء الصرح) محض تخيّل، ولم تتحوّل إرادته تلك إلى إرادة فعلية للإنجاز، بل بقيت فكرة بناء ذلك الصرح وهما وكفى، ولم يستطع أن يحوّلها من حالة الوجود بالقوّة إلى حالة الوجود بالفعل.

وهذا هو جوهر الاختلاف بينه وبين “غيلان” في إرادته الحرّة، لأنّ الإنسان بلا عمل أو عزيمة ما هو إلاّ ذكرى إنسان.

وكيف له أن يبني صرحا ليس على ملكه، بل على ملك الجبابرة الخارقين؟ وكيف له أن يخلّد بعدهم عملا، وقد زال ملكهم، رغم ما صنعوا، ولم يبق لهم من أثر إلاّ في الكتب الدينية والرّقم القديمة؟ لأنّهم قد أضحوا في غياهب النسيان.

لذلك يئس “أبو هريرة”، لا خذلانا من الجماعة له، بل ضعفا منه، وإقرارا مبطّنا بعبثيّة الفعل البشريّ، لأنّ كلّ الأفعال البشريّة أوهام، قد نسينا أنّها كذلك، وأنّ القناعة الراسخة بدوام الخلق وخلود الفعل هي أمّ الهزائم الكبرى وفواجع الإنسان.

لقد قرّر “أبو هريرة” الرحيل مجدّدا، وقد كفر بالجسد وبالجماعة، رغم هاجس مؤجّل بمعاودة التجربة فيها، ورغم إحساسه الباطنيّ بأنّه امرؤ لا يريح ولا يستريح. وقد حان له حين ضنين ليكفّر فيه عن آثامه في حقّ الروح، ويعلن توبته إليها، أو أوبته إلى الجوهر الفرد عبر تجربة التصوّف.أبو هريرة وتجربة التصوّف

يتدثّـر “أبو هريرة” بعباءة الصّوف، ويتوكـّأ على عصا قد فنيت من البحث، والرّحيل. وما هي بعصا الأنبياء، وليست له فيها من مآرب أخرى غير نبض الرّحيل. ومن ذلك قول “المسعدي” نفسه: “فضرب في الأرض زمنا ثم ردّته علينا بعض قوافل الغرب كثير الغبار فاني العصا”: بمعنى قد خفتت هيبته، وانحسرت سلطته، وخبت كهانته السّحرية، مطمئنا اطمئنان “البقرات” في لوحة “الشحّاذ”، ومستكينا كسكينة البغل المربوط إلى لعنته في مسرحيّة “السدّ”، في تهافته إلى مصيره المحتوم.

يغيب “أبو هريرة” طويلا ليظهر غريب الأطوار على هيأة الدراويش، وقد أطلّ على الجماعة، يقتاده الشّوق إلى الرّوح، إلى دير قصيّ في أعالي الجبال “نيتشويّ” الهوى، زعما بأنّ الحكمة هي الحياة الحرّة في أعالي الجبال، لكنّه بسجيّة التّائبين الخاضعين توجّهه عاطفة إنسانية جارفة لارتياد قرابة روحيّة ممكنة في ذلك الدّير، بعد أن خامرته رغبة الانقطاع عن الناس (الجماعة) تأمّلا في الملكوت، وتعلّقا ربّما بزمن البدايات وحكمة الأزل.

فإذا ببطل المسعدي في هذه الرّواية كائن كونيّ يحمل في ذاته ما شاءت له الصّدف أن يحمله من تعشّق للغيب وامتلاء بنشوة الرّوح. ولم تزل في نفسه من بواعث الرّغبة والنّزوات ما يؤجّج في داخله حيرة وشكّا جارفا عجز عن مقاومته في آخر تجربة التّصوّف، ولم يستطع منه فكاكا. فاحتدم الصّراع في كيانه بين (الروح # الجسد) (الكفر # الإيمان) (الحب # الكراهية) (اليأس # الأمل) (الخلود # الفناء) (الغريزة # العقل) و(الحضارة # التوحّش)، ونازعته قوى عاتيات تتجاذبه بين (الأنا # الآخر) و(الشّرق # الغرب) و(الشك # اليقين).

وسرعان ما استسلم “أبو هريرة” مجددا لآدميته، فتعشّق الرّاهبة ليطارحها الحبّ حتى كفر.

ولعلّ هذه التّجربة هي رغبة من الكاتب لاحتواء الآخر الغريب (الدّخيل) عبر عاطفة الحبّ الإنساني، ليخفّف من وطأة الصّراع بين الغرب الغالب والسّاحر بفتنته وقوّته من ناحية، وهذا الشّرق المنكسر المغلوب على أمره أو المفتون بتفوّق جلّاده من ناحية أخرى. فهي مواجهة تشبه إلى حدّ بعيد تجربة البطل في رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” “للطيب صالح”، مع اختلاف في طرح المسألة وخلوّ رؤية “المسعدي” من نزعة التشفّي والانتقام.

لقد خاض “أبو هريرة” “تجربة الرّوح” بطمّ طميمه، وهو على قناعة بأنّه ذات ريبيّة مفرغة من إدراكها للحقيقة، وأنّه لا وجود ليقين راسخ ما عدا حتميّة الفاجعة والاندثار.

ولم يزل يدرك أنّه لن يقهر الموت مهما جرّب، ولن يستطيع التّنكّر لآدميّته مهما تنكّر لجسده أو للجماعة أو لنزعته الرّوحية.

وها هو يدرك بعد عسر كبير أنّ المعرفة “الحدسيّة” أو القلبيّة، وإن كانت من أعلى درجات المراتب المعرفية، ليست بمأمول استطاعته، لأنّه أيضا جسد راغب مسكون بنزعة عالية الوطيس إلى عشق الجمال والحياة، وذاك قدر الكائن دائما مهما حاول أن يتألّه، فما له من مقدرة غير الرّضوخ لحقيقة النقصان وحتميّة الفناء.

لقد ظلّ المسعدي يدفع بطله بعقيدة لا تلين إلى التّجريب والرّحيل، وأظنّه قد جعل من “أبي هريرة” قناعا يستر به رغائب ذاته وهواجس نفسه وقلاقل فكره، فأوكل إليه عوضا عن نفسه شرف المحاولة ونشوة المغامرة، حتّى ألقى به في أكثر التّجارب خطرا على طمأنينة الكائن. وما به من رغبة إلا صنع الإنسان الفاعل المريد والمستطيع بنفسه.

لذلك نراه يزجّ به محدّدا في تجربة مع العقل المحض، ينشد فيها الحكمة بعد أن مُني بطله بتجارب فاشلة في الحسّ والأنس، وتطهّر النّفس.أبو هريرة وتجربة الحكمة: أو رهان الاعتدال بين برد اليقين وحرارة السؤال.

يرحل “أبو هريرة” إلى شواطئ الأزل، ليلقى “أبا رغال” لقاء الحائر المرتاب بمنبع اليقظة وحرارة السؤال، فيتخذ من البحر ملاذًا، وليس كمثله ملاذ للتطهّر والصفاء والتجلّي، وصخب البدايات. وذلك في أحاديث بعينها، وهي (حديث الحكمة/ حديث الجمود/ وحديث البعث الآخر).

فإذا به يحجّ إلى عقله حجّ التائب عن غفلته، ولا ينقطع عنه الشكّ حتى في أوكد لحظات يقينه. فتزداد قناعته في أنّه لن يدرك الكمال الإنساني مهما جرّب أو حاول، وأنّ الفاجعة آتية لا ريب فيها مهما انتشى بالحياة مفردًا أو في كنف الجماعة، وأنّ “الأنا وهم” مهما فعل.

لذلك قرّر أن يباغت الموت ويسير إليه بقدميه، أي أن يفجأ العدم قبل أن يفجأه، وأن تكون فكرة الانتحار والإقدام عليه، بعبارة “نيتشه”: “تدرّبًا على الشجاعة” وحكمة لا يلوذ الأفذاذ إلا بمثلها. لأن الحكمة: “هي الحياة الحرّة في أعالي الجبال”، تُطلب فلا تُدرك إلا بالمراس الشديد والعزم الأكيد، تمامًا “كالمرأة المتمنّعة التي لا تعشق إلا الرجل المقاتل الصلب”.

وهذا ربّما ما أمّله “أبو هريرة” بقوله على لسان الراوي في آخر الرواية:

“فهذي سماء *** بأوج العلاء

لروحي تنادي *** وهذا خليلي

يضيء سناه *** ضياء السماء

ينير سبيلي:”

أو قوله: “هذا ما كنت أطلب”، لكن إرادته خذلته، لتجري الرياح بما لا تشتهيه مراكب الحياة ونواميس الوجود.

أبو هريرة وفاجعة المصير

لقد بشّرت الرواية، على امتداد فصولها وأحاديثها الاثنين والعشرين (22)، بنهاية “أبي هريرة”، حتى وقفنا على آخر تجربة من تجاربه، وهو يتقلّب بين الحياة والعدم، حتى باغتتنا النهاية في آخرها، لتفتح أذهاننا على فاجعة مربكة، هي آية في الإذهال والقلق، وزعزعة ليقين ثابت لدينا في مخيالنا العربي والشرقي باستحالة هزيمة الأبطال.

وربّما كان لموت البطل، أو احتمال موته في آخر الرواية، وقعٌ كوقع الصدمة على القارئ والمتلقّي أيًّا يكن؛ وقع ينذر بأنّ وجود الكائن عمومًا هو محض شكّ أو مجرّد احتمال. لكن يبقى هذا المصير دلالة رمزية على الحياة الفعلية التي تتواصل بعد موت الأجساد، إبرامًا مع عقيدة البعث والنشور في التصوّر الديني، أو ربّما انبعاثًا جديدًا لإنسان مجرّب دفع به العقل والحكمة حدّ التطهّر من أدران الحياة الجامدة والنظرة “الصنمية” و”الشوفينية”، عودًا على بدء وبلا انتهاء إلى صميم الذات.

لأنّ الله يحيي الكائن ثم ينيبه إليه، ثم إليه النشور. وهكذا تدور الدوائر على الجميع.

تنتهي الرواية نهاية غير متوقّعة بقول الراوي: “رحم الله أبا هريرة، لقد كان أعظم من الحياة”، وذاك شأن النهايات الفذّة التي تجعل من الأدب أبلغ أثرًا، وأمتع فنًا، وأكثر إثارة لرياضة العقل وشهوة السؤال.

ألم يقل “إيخنباوم” متحدثًا عن طبيعة النهاية في القصة: “بأنّ النهاية المدويّة كالقنبلة الموقوتة التي تضع كل شيء في خطر”؟

فكلّ قناعاتنا… مسلّماتنا… معارفنا الزائفة… مخاوفنا… لذائذنا… غرائزنا المتوحّشة… وكلّ وجودنا في مهبّ السؤال والمراجعة. لأن أمّ الفواجع الفعلية ليست في موت الكائن جسديًا، بل في موت روح السؤال لديه، وفي موانعه القاتلة للتفكير، وعطالة عقله.

فالعقل رأس الانبعاث الفعلي، ولا قوام لأمّة تقمع العقل أو تهمّش دوره أو تقيّد فهمه وحرّيته.

ومهما يكن من أمر، فإنّ الموازنة بين الحسّ، والروح، والعقل هي جوهر الشخصية السويّة الفاعلة، الأصيلة والحديثة في آن. ولا خسران إلا للغافلين عن هذه المعادلة التي تبقى من الصعوبة بمكان، لكنها الأساس لكل تقدّم وتحضّر ورقيّ، على حد اعتبار الشاعر التونسي “آدم فتحي”:

فالعقل أعقل عندنا مما نحب *** فجنّنينا يا حياة ونادي

يقوى القويّ بضعف من ضعفوا *** كما يقسو الوساد برقّة الوسّاد

ويضيع قصد القول من فم قصده *** إن ضاع فيه تعدّد القصّاد

البطل في “حدث أبو هريرة قال..”: بطل التّجارب الكبرى والقلق والرحيل

مثلما هيّ تجربة الكائن في الوجود أربعة محطات كبرى لا حياد عنها: ولادة، فيفاعة، فنضج وكهولة، ثم شيخوخة وزوال. ومثلما العناصر الأربعة المكونة للوجود، والموجودات، كان “أبو هريرة” متنقّلًا بين حالات شتّى، وكانت تجاربه محاكاة لحالات الإنسان (الكائن) في الوجود ونوازعه المتناقضات “تشوّق فتذوّق وتعلّق، فرحيل وتعتّق، ثم ملالة وتفرّق”. فلقد مرّ البطل في الرّواية بأربعة تجارب كبرى، وظلّ على امتداد صفحاتها بطلًا مغامرًا، ومجرّبًا يحمل في ذاته ملامح هوية عربية إسلامية وإرثًا من القيم، والعواطف، والميولات، وملامح ذهنية ونفسية لا اختلاف في أنّها ملامح شرقية وربّما تونسيّة صميمة وكونيّة مطلقة في آن واحد. ليبقى إلى آخر رمق “بطلًا متعبًا حدّ التخمة، وحتى التّخوم”. ينوب “المسعدي” أو هو قناع له يتجرّأ به على المغامرة والتفكير.

يظلّ “أبو هريرة” شخصية تراثية تُبعث بعثًا في العصر الحديث، وما هو من عشيرة أهل الكهف إلا لمامًا ليكون رمزًا للإنسان أو المثقف العربي الممزّق بين إرادتين ومناويل في التفكير، والتصوّر، والرّغائب.

لذلك يخوض ألوانًا وألوانًا من الصّراع لا تُعرف النهاية فيه إلا بنهايته هوّ. فنراه يجرّب تجربة الحسّ، فالجماعة، فالتصوّف، فالحكمة، من رحيل إلى رحيل، يقوده جوع جارف إلى المعنى – ولا شبع هناك في الأفق – إلا على سبيل التزيّد والحرمان المضاعف والنقصان المبين، يزجّ به خالقه المسعدي من “بعث أوّل” إلى “بعث آخر” ليجرّب “العشق، والتغزّل، ثم العشرة، والتحمّل، فالإيمان، والتبتّل، ثم الاعتدال، والتعقّل”.

وما هو من أهل العقل، ولا العاطفة، إلا بمقدار كبير من الحيرة، والشك، والتبدّل. وتلك مشيئة المسعدي في أن يجعل منه رسولًا للمغامرة المأساوية والبعث والنشور… ذاتًا قلقة لا تعرف الطمأنينة، ولا تدرك اليقين، كأنّ وجودها محض احتمال، كقول “توفيق بكار” في مقدمة الرّواية: “هو طيف خيال ونحت كلام”، أو قوله متحدثًا عن بطل هذه الرواية: “يعيش في دوامة السؤال لا يدع أمرًا إلا استفهم عنه، ولا تجربة إلا زجّ نفسه فيها، يشك ويفحص ويختبر، متطرّف في كل شيء: في الأفكار والمواقف، يهوى التناهي… تفتنه الحياة ويفجعه الموت”.

فأبو هريرة رمز للذات العربية الحائرة التي تبحث لنفسيها عن مستقرّ، ولا مستقرّ لها، على حد قول أبي العتاهية:

طلبتُ المستقرّ بكلّ أرضٍ ***** فلم أرَ لي بأرضٍ مستقرًّا

ذات عاجزة عن تحديد خيارتها، ومن ذلك قول “توفيق بكار” بهذا الصّدد: “فهو يجذبك إليه بهوادة ويستنطقك عن معناك، فيرغمك مهما كان اعتقادك عن معاودة فهمك لوجودك والتثبت في صحّة علائقك بنفسك، وبالمجتمع، وبالله، وبالكون”. وهو حسب رأي الناقد نموذج المثقف الذي “يسائلك من موقعه الفكري الخاصّ عن الحياة، والموت، والحبّ، والدين، والسياسة”.

فهو قصة الأزل وعبرة الأزمان وشاهدة حيّة عن الحاضر والتاريخ، وكل زمان. يكرّر مأساة الإنسان الفرد في “صراعه بين الألوهيّة والحيوانية”، كما سبق وعبّر عن ذلك المسعدي في بعض مواقفه. لذلك قال “توفيق بكار” عن مغامرة البطل “أنها بحث عن تجدّد معنى الحياة بلا نهاية، يرى فيها مأساة فردية مزعجة وقصة معادة مذ كان الإنسان، وتختم حتمًا بالموت”.

إن قصة أبي هريرة “تبدأ ذات فجر في “بعث أول” وتنتهي ذات غروب بـ “بعث آخر”، وكأنّ مغامرته دورة أسطوانة الحياة ودورة الطبيعة والعناصر جميعًا. يرحل فيها من صحراء الحياة وحرارتها إلى شواطئ الأزل – ومن توقّد النار والرغائب إلى برود الماء واليقين الكاذب، فلا يكلّ ولا يملّ، له من العمر أربعون عامًا، وهي سنّ التّبشير بالنبوءة، وما هو بالنّبي مهما حاول، بل هو إنسان شقيّ تغريه الحياة بالنّغم والرقص والشّعر الرّخيم الشّجيّ. تفتنه الرغبة وتظلّ الحكمة ضالّته كالأمل القصيّ… ذاتًا تتمزّق بين الأصالة والحداثة بما تحمله من ملامح وأبعاد متعدّدة، وتنازعه نوازع شتّى وأشياع عديدة.

أبو هريرة وتجربة الحس

كالطّفل المجرّب في “رواية الشحاذ”، يبدأ “أبو هريرة” تجربته الأولى “تجربة الحسّ”، ويمرّ فيها بأربعة محطّات صغرى، وذلك انطلاقًا من حديث “البعث الأوّل”، مرورًا بحديث “المزح والجدّ”، فحديث “التّعارف في الخمر”، وصولًا إلى حديث “القيامة”. وهي تجربة – وإن دلّت على تشوّق البطل أوّلًا إلى المعرفة الحسيّة ودافعيّة الاختبار فالتّجريب، فالإشباع، ثم الرّحيل والتجدّد – إلا أنّها قد أسهمت بالقدر الكافي في تنامي أوضاعه، وتطوير نسق الصراع، ومتعة التّشويق في القصّ، قدر تنامي نزعته إلى الترقّي في سلّم التّجارب الأخرى حدّ الأقاصي.

وإن كانت هذه الشخصية لا تنشد الكمال والتألّه إلا بمقدار ضئيل، كما هو الشّأن مع “غيلان السدّ”، ولكن حسبها أن تختبر أوّل الأمر المتعة الجسدية ومبدأ اللذة، لتواجه رعب الفناء بعشق جارف للحياة لا ينضب، حتى يعاوده الحنين المطلق مثل “شهريار الحكيم”، وقد ساعدته في ذلك “ريحانة” الحبّ – بما تحمله دلالة الاسم من رموز عميقة وكثيفة – على ممارسة أقصى درجات المتعة، والجنون، والنزق، والحرية، والتعبير عن آدمتيه وحيوية جسده. فعاشرها في أكثر الأماكن دلالة على الموت (الصحراء – المقبرة)، مدفوعًا بنزعة المقاومة، مقاومة قلقة إزاء حتميّة المصير الفاجع. فهي مغامرة شبيهة بملاحم أبطال اليونان في ملاحمهم الشهيرة، لكنّها تبقى، على ما يبدو، مغامرة أقلّ مكابدة وإيلامًا، وأيسر وطأة على البطل الذي بدا أكثر ضعفًا واستسلامًا بحكم منزلته البشريّة الفانيّة.

لذلك لم يتوقّف بطلنا عن مقارعة العدم حتى أدرك زيف إرادته، وعبثيّة محاولاته، وهشاشة منزلته، وقصور رؤيته. لأنّ الإنسان لا يمكن أن يكون جسدًا محضًا، فأراد – وليس عن اختيار ربّما – أن يخوض تجربة أخرى تعوّضه عن هزيمته في الأولى، فلم يجد غير الرحيل وهجس الرحيل سبيلًا لذلك.أبو هريرة: وهاجس الرحيل.

لقد ظلّ “أبو هريرة” مثل بطل “شهريار الحكيم” مدفوعًا بنزعة الرّحيل، ولكنّه ليس رحيلًا في المكان فحسب، بل هو رحيل، وترقٍّ في مراتب المعرفة والاختبار. لأنّه قد بان بالكاشف أن الجنس تجربة زائفة – كتجربة “عمر الحمزاوي” في رواية “الشحاذ”. كما اكتشف أن المعرفة الحسيّة معرفة خادعة وقاصرة، وإن كانت ريحانة لم تخنه بل خانته رغبته فيها. وليس للحسّ أن يطفئ رغبته وتعطّشه المُضني للمعنى في طلب اليقين. كما سبق وعبّر عن ذلك الفيلسوف الفرنسي “بول آلان” “بأنّ الحواسّ تخدعنا، وأنّه ليس من الحكمة في شيء أن نطمئن لمن خدعنا ولو لمرة واحدة”.

وهذا ما نصّ عليه التّصدير في حديث “الوضع” بعد أن قرّر “أبو هريرة” هجران ريحانة والرّحيل عنها في رأي منسوب للتوحيدي مفاده “أنّ الحسّ يورّث الملال والكلال، ويحمل على الضجر والانقطاع”.

لكنّ الخديعة في تجربة “أبي هريرة” – وإن كانت الخيانة أمّ الفواجع جميعًا في تجربة الرّجل مع المرأة – ليست كمرارة انخداع “شهريار” و”قمر” في “شهرزاد” الفاتنة، بل هي خديعة الذات لذاتها في اعتقادها الرّاسخ بأنّ الحياة باقية، وأن النفس خالدة.

لذلك أراد البطل أن يجرّب وفاء الجماعة وإلفها وعشرتها. فكان انصرافه عن ريحانة في حديث “الوضع” مبرّرًا بقلقه، وملله منها، وضيقه بالجسد كضيق “عمر الحمزاوي” “بزينب” وعيش الكلالة والرتابة معها، الذي ماثل أيضًا إلى حدّ بعيد تجربة “شهريار” في “مسرحية شهرزاد”، لذلك ارتحل “أبو هريرة” ارتحالًا لا ندم فيه، لا خائفًا ولا آسفًا. فاختلطت إرادته بإرادة الآخرين في تجربة الجماعة.

الأديب فتحي النصراوي

  • أديب وباحث تونسي
    أديب تونسي وباحث في اللغة والآداب العربية، متحصّل على شهادة الأستاذية في اللغة والآداب العربية من كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة سنة 2004، وشهادة نجاح في الدروس المعمّقة (ماجستير في الحضارة العربية الحديثة) سنة 2006. جمع بين التكوين الأكاديمي المتين والنشاط الثقافي والإبداعي الميداني، ما مكّنه من بناء تجربة أدبية متنوّعة ومتجذّرة. حاز عدّة شهائد تقدير وجوائز في مسابقات شعرية وأدبية وطنية وعربية، من بينها الجائزة الأولى في مهرجان الصداقة الدولي الجامعي، والجائزة الأولى في مسابقة مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، إلى جانب وسام استحقاق من جامعة ناصر الأممية، وشهادة التميّز الشرفية العليا في الأدب والإبداع عن الاتحاد الدولي للكتاب العرب سنة 2021. كما نال العديد من شهائد الشكر والتقدير تقديرًا لمساهماته الثقافية والتربوية في الفضاءات الجامعية والشبابية والمؤسسات الثقافية. نشط في مجال التنشيط الثقافي والتربوي، حيث أعدّ برامج ثقافية موجّهة للأطفال والشباب، وأسهم في تأطير نوادي الأدب والكتابة والإبداع الفني بعدد من المبيتات الجامعية والمعاهد الثانوية ودور الثقافة ودور الشباب، إضافة إلى مشاركته في تأسيس وإدارة جمعيات ثقافية ومدنية، من بينها جمعية عشّاق الطبيعة وجمعية ربيع سبيطلة الدولي، إلى جانب عضويته في الهلال الأحمر التونسي. أصدر وأعدّ مجموعة من الأعمال الأدبية المتنوّعة بين الشعر والمسرح والرواية والبحث التراثي، من أبرزها: ديوان «…وللعصافير كفاحها»، وديوان «نبي ترشيش»، ومسرحية «المتثقفية»، ومسرحية «نضال وحورية الأرض»، ورواية «الصرخة»، إلى جانب كتاب «الحكاية الشعبية في السباسب العليا: أرياف سبيطلة أنموذجًا» في جزأين، الصادر عن دار الفردوس للنشر والتوزيع، ومجموعة «أغانٍ منسيّة» بالعامية. تتسم كتاباته بعمقها الإنساني واهتمامها بالبعد الاجتماعي والتراثي والوطني، جامعًا بين الحسّ الشعري والرؤية الفكرية النقدية.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.