الصفحة الرئيسية قصّة قصيرة فاطمة الزهراء بناني/تونس: قصة قصيرة بعنوان “تغيير وجهة”

فاطمة الزهراء بناني/تونس: قصة قصيرة بعنوان “تغيير وجهة”

359 مشاهدات 4 دقائق اقرأ

حين اشتدّت عدوى الكورونا، كان هاجسُنا الوحيدُ هو جدّتي التي تسكن الحيَّ العتيق، وترفض الانتقال معنا إلى بيتنا في وسط البلدة. وقد أرق موقفها هذا والدي… فاقترح علينا السكن معها في منزلها للعناية بها، وقضاء هذه الفترة العصيبة عندها.

وكان أبي هو الوحيد الذي يخرج مراتٍ قليلة لقضاء شؤوننا جملةً حتى يتجنب الخروج للشارع إلا عند الضرورات.

أمّا أنا وأخي وأمي فقد لزمنا المنزل، لا نغادره أبدا. وما يمنعنا هو حرصنا على صحة جدّتي حليمة التي لا يطيب العيش بدونها. فهي الأصل ونحن الفروع.

لنا من ملاذٍ إلا صحن الدار… نجلس فيه إذا كان اليوم مشمسا، ونتنفس فيه هواءً نقيًّا، ونستمع عبره إلى أصوات سيارات الإسعاف… فترتعش أوصالنا، وتمتد أيدينا إلى السماء، وألسنتنا لا تنقطع عن الدعاء إلى الله أن يرفع عنا هذا الوباء القاتل…

وذات مساء، كنت جالسةً بمفردي أتصفح كتابا، وإذا بظلٍّ يرتسم على أرضية وسط الدار مديدا…

رفعت رأسي بسرعة، فإذا هو شاب طويل القامة، جميل المحيّا، لوّح لي بيده وكأنه يعتذر على إزعاجي…

كدت أصرخ أن لا مجال للاعتذار، لكن صوتي انحبس في حلقي خوفا من أهلي بالداخل.

انتظرت أن يمرّ من جديد، لكن ذلك لم يكن. حاولت أن أتعرف على شرفة منزلهم، ولكنني عجزت، وكيف أعرفها وأنا أراه لأول مرة… وكاد الليل يسدل ستائره على وسط الدار، ولم أحظ بما أرغب… فدخلت غرفة الجلوس، وعيناي على النافذة لا تفارقانها، وقلبي يزداد خفقانه، يكاد يشي بما في داخلي.

وحلّ الليل، وهاجمني نفاد صبري، وأصبحت وجلة، كأنما أجلس على أتونٍ من النار… تزيده تساؤلاتي تأججا: “من يكون هذا الشاب الوسيم الذي غادر وأخذ معه قلبي وعقلي، وأصبحت غير قادرة على لملمة شتاتي؟
هل منزله قبالة هذه الشرفة؟
هل سيعود ثانية؟
هل انشدّ إليّ مثلما انشدت إليه؟”

لو كان كذلك لعاد مرة أخرى أو أطلّ من مكان سكنه…

لكن انتظار انبلاج الصبح، رغم قسوة الترقب، ظل يبعث في بعضٍ من الأمل… وأرسلت خيالي المتضامن مع قلبي ليفتح لي أذرع الأحلام على مصراعيها، فانطلقت أبني منها آمالا عريضة. فانتابني إحساس جميل أنه عاد، وفي يده باقة ورد حمراء، ونزل الدرج ومدها لي، وهو يهمس: “كم أنت جميلة هذا المساء وككل مساء!”

تورّد خدّاي، ومددت يدي آخذ الباقة في شيء من الدلال والخجل والفرحة، ولا أعلم هل أنا في حلم أو علم… إذ اختلط الواقع بالخيال.

وما كدت ألمس كفه حتى غادر بسرعة، وأشار إلى باب بالسطح، دخله وهو يلوّح لي بيده، وكأنما نظراته تقول: “انتظريني، سأعود مرات ومرات.”

وسبحت في بحر الأمنيات، فإذا النوم يداعب جفوني، ويهرب بي من سعير الانتظار إلى متعة الأحلام، فأجده قد غزا نومي ووقف متربصا بي ليختطفني ويغير وجهة منامي… فأجده في كل درب ينظر لي نظرة رائعة جميلة… فأستسلم لسيوف لحظه، يغلبني الفرح والسرور، فأتململ وأنهض باحثة عنه في غرفتي… فإذا بوقع أقدامه على السطح أسمعه بقلبي قبل سمعي… فتتسلل نظراتي إليه، فأجده باحثا عن شيء في وسط الدار… فيرتفع خفقان قلبي، وأتيقن أنه ما جاء إلا باحثا عني…

فأفتح النافذة وأبتسم له بين الخوف من تفطن أفراد العائلة، وبين الخشية من أن يغادر دون أن تلتقي عيني بعينيه، ونتبادل كلمات صامتة، لعمري أبلغ من كل الكلام.

تأججت نار الحب في قلبي، ولم أعد قادرة على السيطرة على مشاعري، وكدت أصرخ: “تعال أحبك الآن أكثر… تعالى.”

لوّح بيده من جديد وهو يقترب من النافذة، هامسا: “دعي الليلة هذا الباب مفتوحا، سآتي لأبثك أمرا هاما.”

وأشار للباب المؤدي لكل الغرف، ثم تسلل لدرج السطح… وقد ذبت في جمال همسه، ورقة صوته، وحسن مبسمه… وأشار لباب السطح المجاور، وفتحه بهدوء ودخل مثلما تخيلت تماما…

وتاه بي التفكير لحظات، لكنني سريعا ما جمعت قواي، وأغلقت النافذة بكل هدوء، وأنا أستمع إلى حفيف صوت خفي… جدتي، كعادتها، تطوف بغرفنا وتوقظنا بسبب أو بغير سبب.

خرجت جدتي لصحن الدار، فأسرعت متظاهرة بمساعدتها على الجلوس، وإعداد قهوة لها في المطبخ، ولأتأكد من أن حبيبي غادر السطح خوفا من تفطن جدتي الحريصة له.

ارتكزت على عكازها وهي تجلس، وعيناها تقومان بمسح شامل للمكان، وأنا أتابعها من باب المطبخ، وأراقب القهوة على الموقد…

جلست بجانبها أقاسمها الحوار، فلم يبد عليها أي انزعاج، فطردت الهواجس التي كانت برأسي قبل حين… وارتحت وانشرحت أساريري… وتبادلنا الأحاديث والملح والطرائف… فجدتي حليمة سيدة بشوشة، تتمتع برفقتها، وتضحك لطرائفها المسلية… وقد أنستني أرق الانتظار الذي أرهقني، واختلط وجعه مع الندم الذي انتابني: “كيف أقبل ذلك؟ ومن هو هذا الشاب حتى يتصرف في مشاعري؟ وما هو الأمر الذي سيعلمني به؟”

لكن قلبي الخانع كان يجد لي دوما ألف تبرير وتبرير، وكأنما اتحد مع الشيطان… فتتشطر أفكاري إلى نصفين، بين عقل منضبط، وفؤاد غرّ تعبث به دقاته، فتموج به ذات اليمين وذات الشمال، وأفقد توازني، فتتوه مني الكلمات، فأسرع لتدارك الأمر أمام جدتي الخبيرة بكل سكناتي وحركاتي…

كنت أصارع الانتظار فيغلبني… لا رغبة في قدومه، ولكن خوفا من حلوله وعواقبه التي لا تحمد إذا تفطن أحد…: “سوف أترك الباب موصدا… وسأنسى موضوع هذا الشاب المجهول الذي اقتحم قلبي، وها هو يتجرأ على اقتحام بيتنا، وإقحامي في مشاكل لا أقدر على التسبب فيها… لا، لا، سوف لن أنصاع لمطلبه المجنون…”

لكن نظراته وهمساته وجماله كلها أمور تجعلني في ورطة أكثر… فلا طاقة لي في ضياعه من بين يدي، وقلبي المسكين لا يتحمل فراقه وخسرانه إلى الأبد…

وما إن أنزل الظلام ستائره على الكون حتى حمى وطيس الحرب في داخلي، وبت ككرة تركل بين العقل والقلب… ورغم ما أنا فيه فإنني أحاول أن أداري ما ألم بي، وأطلب من الله معجزة تخرجني مما أنا فيه…

وآويت إلى فراشي باكرا، وفي نفسي رغبة جامحة أن أدخل في سبات عميق… لا أستفيق منه أبدا، حتى لا أشهد ما سيحدث…

ولم أدر لما ولا كيف نمت بهذه السرعة، ولكنني سمعت صياح جدتي: “امسكه… امسكه يا عمر! لا تتركه يهرب… لقد كنت أتابع حركاته وسكناته كل فجر عندما أنهض لأداء الصلاة… إنه متعود على سرقة منازل الجيران، ويبدو أنه خرج من السجن مؤخرا… سأطلب الشرطة ليعود لمكانه الطبيعي، ويخلص الناس من شره…”

تجمدت في فراشي، وتمنيت أن تبلعني الأرض خجلا من جدتي التي تابعت كل التفاصيل بدم بارد… وخوفا من أن تروي لوالدي كل ما رأته طيلة اليومين التاليين… وأحسست أنني غبية، غبية حد النخاع… وواريت رأسي المثقل بالهموم والهواجس تحت الغطاء، وقد تلاحقت أنفاسي، وارتفع خفقان هذا القلب اللعين…

دخلت جدتي غرفتي، فتظاهرت بالسعال والوجع والأنين… فقالت: “تعال يا عمر، فابنتك قد أصيبت بالكورونا…”

وانحنت نحوي، وهي ترتكز على العكاز بيديها، هامسة في وجهي ضاحكة: “لعل العدوى قد جاءتك من السطح؟ هذا فصيل متحوّر جديد، ربما يكون داء الكلب؟…”

انتهت.

الكاتبة فاطمة الزهراء بناني

  • كاتبة تونسية
    مديرة مدرسة ابتدائية (محالة على المعاش). كاتبة وشاعرة، من بين كتاباتي المختلفة مجموعات للأطفال. - كتابات بناني وهي مجموعة قصصية إلكترونية مع أمازون 2022.. - سلسلة نوارس مجموعة قصصية أولى مع دار يس للنشر والتوزيع 2019 - سلسلة نوارس أيضا مجموعة قصصية ثانية عرضت مؤخرا في المعرض الدولي التونسي للكتاب 2025. ضمن سلسلة قصة وعبرة رأت قصتي (حين يصبح الذئب عاشبا) النور حديثا، وهي قصة موجهة لليافعين ظاهرها هزل وطرافة على لسان الحيوانات وباطنها عبر ومواعظ وتمسك بالوطن. سلسلة كتابات بناني سيعود نشرها مع دار نشر أردنية لترى النور قريبا بإذن الله.. عملت على تنشيط نوادي ثقافية في المدارس وحصلت مع طلابي على جوائز جهوية ووطنية في المسرح والتعبير الجسماني وكتابة القصة القصيرة. كما اثثت لمحتوى برنامج بيئي في إحدى القنوات الخاصة. كتبت الرواية والمجموعة القصصية. وقد عرض لي عملان في معرض الكتاب في القاهرة 2025 هذا ما جنته علي حواء. وموال من كل درب. تبت في أكثر من 12 مجلة وجريدة للأطفال في العالم العربي. مثل مجلة فرقد السعودية، والرائد المغربية. والمجد الباكستانية. ومجلة العصافير الجزائرية والركن الثقافي الجزائرية أيضا وتوت المصرية وغيمة الإلكترونية ومجلة النفري الصغير العراقية. ومجلة نبتة البيئية حديثة التأسيس. ودراسات في جريدة البينة العراقية حول أدب الطفل.. ولبيت عديد الدعوات الاذاعية والتلفزية في تونس وفي مصر. ولي دعوات خلال مواكبتي معرض القاهرة الدولي 2025 صوت العرب وبعض القنوات الخاصة خلال زيارتي الأخيرة القاهرة ولقد تصالحت مع كتاباتي بعد الإحالة على شرف المهنة. لأرد لها الاعتبار بعد انشغالي عنها بوظيفة التعليم الشاقة.

اقرأ أيضا

أترك تعليقا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.