108 في غرناطة، حيث تتنفس الجدران الحجرية عبق التاريخ، ويمتد النهر كما لو أنه ينساب من قلب الزمن نفسه، يعلو نور رمضان على قصر الحمراء، فتتراقص القباب والفناءات مع أشعة الفجر، وتصبح الحدائق المعلقة والنافورات مرآةً للسماء، تعكس كل دعاء وكل همسة سرية. أتجوّل بين الأزقة الضيقة، حيث تهمس الجدران بأسماء من رحلوا، وتمرّ عيناي على حقول الرمان الممتدة في الضواحي، تتلألأ ثمارها كقلوب المدينة، حمراء، صافية، نابضة بالحياة، كأن كل حبة تحمل أمنية صامتة، وكل غصن يهمس للحالمين عن الحنين والخصوبة والخلود. في رمضان، تصبح غرناطة مدينة الروح قبل الجسد، كل نافذة تفتح على ضوء الشموع، وكل فناء يستضيف صمت القلب، حيث يكتشف الإنسان أن الصلاة ليست مجرد حركات،بل رحلات صغيرة داخل الذات، تستعيد الصفاء وتغذي الحنين.أرى الأطفال يلعبون في الظلال، وكأنهم يطيرون بأجنحة من نور،والكبار يمشون ببطء، يطيلون النظر في السماء،في محاولة لإيجاد معنى بين الماضي والحاضر، بين الحلم والواقع.وغدًا، حين يسكن الهدوء أروقة غرناطة،ستظل الذكرى مشتعلة في القلوب،كشمعة لا تنطفئ،تعلّمنا أن الفضاء ليس المكان وحده،وأن الوقت ليس اللحظة وحدها،وأن الحياة، في رمضان كما في كل يوم،هبةٌ لن تتكرر إلا حين نعيها بالكامل. الكاتب صابر الحميدي