الصفحة الرئيسية قصيدة النثر زاهر الأسعد/فلسطين: يكتب “برد الزجاج يصير معنى”

زاهر الأسعد/فلسطين: يكتب “برد الزجاج يصير معنى”

7 مشاهدات 1 دقائق اقرأ

كأن الرؤية لا تحتاج إلى عين
نغلق الجفن فنرى البعيد
نحدق طويلًا فنخطئ القريب

أنا عابر بين صورة وأخرى
أحمل غيابًا يتكاثر
أعبر المدينة كظل يختبر وجوهها
وأتذكر أنني لا أملك سوى بصمة تتبدد

أصمت فتتكلم جهات الضوء
كأن الصمت لغة أخرى للوجود

أفتح نافذة لأتنفس
ألمس برد الزجاج
كأن الرؤية تبدأ من الجلد أولًا
المدينة تمر في حدقتي ثم تغيب

الأرصفة تحفظ أسماء الخطوات أكثر من أصحابها
وجوه تلمع حين لا ننظر إليها
قلوب تتعارف من مسافة
وتتعثر حين تقترب بلا سؤال

امرأة تنتظر بلا موعد
تحمل ورقة صفراء لا تقرؤها
عيناها نافذتان على شارع يبتلع الوجوه
ويعيدها بأسماء جديدة
تشد معطفها، البرد يحرس سرًا لا يُقال

طفل يطارد ظله بين الأرصفة
كأنه يطارد وعدًا
يقفز فوق خطوط الضوء
ضحكته تفتت صمت المارة
تعلم المدينة أن تصغي
إلى نبض صغير لا يكل

رجل يترنح ويضحك حين يسقط
ينهض من التراب
الأرض وسادة مؤقتة
يمسح ركبته بيد هادئة
يترك خلفه بصمة من نور
كأن السقوط طريق آخر للقيام

المطر يشرح درس الإصغاء
التراب يعيد رسم حدود القلب
الحجارة بعد البلل تتنفس
الحقيقة تظهر حين يعود الكلام إلى الأرض

الصدى ذاكرة تمشي بلا جسد
يدل الطريق لمن فقد عينه
ليصغي إلى الغياب

أرتشف الغموض فأجعله سؤالًا
في قلب الحضور ظل يتعلم أن يكون نورًا
في قلب النور عين تتعلم أن ترى
برد الزجاج يصير معنى
يفتح بابًا…
لا أحد يعرف إن كان بابًا أصلًا
أم فراغًا يبحث عن ظل

الشاعر زاهر الأسعد

  • شاعر وكاتب فلسطيني
    وُلد في درعا عام 1983، لاجئٌ فلسطيني يقيم في سوريا، ويحمل في قلبه وطنًا غائبًا لا يفارقه، تمامًا كما لا يفارق الماء سيرة النهر. يعيش في المزيريب حيث تتداخل الذاكرة مع تفاصيل الحياة اليومية، فيكبر الحنين معه، ويكبر المعنى. يعمل في الشركة السورية للاتصالات، يمدّ الخيوط بين الناس، لكنه يجد اتصاله الأعمق في الشعر؛ فهناك يتنفس، وهناك يبحث عن المعنى الذي لا تمنحه الخرائط ولا تمنحه المهن. في الكتابة يفتح أبوابًا للضوء، ويصنع مسارًا خاصًا بين الصرامة العملية وحرية القصيدة. هاوٍ للشعر، محب للنصوص الوجدانية والفلسفية، يقلب الكلمات كما لو كانت أطيافًا تتشكل بين يديه، ويجعل من يومه طقسًا روحيًا يوازن فيه بين واقعٍ يفرض قوانينه، وخيالٍ يشرّع نوافذه بلا حدود. يحمل شغفًا لا ينطفئ، ويكتب ليظل حاضرًا في وجه الغياب، وليبقى الضوءُ ممكنًا مهما طال الليل.

اقرأ أيضا

أترك تعليقا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.