الصفحة الرئيسية قصيدة النثر زاهر الأسعد / فلسطين: يقدّم نصّا بعنوان “خطوة في الفراغ”

زاهر الأسعد / فلسطين: يقدّم نصّا بعنوان “خطوة في الفراغ”

316 مشاهدات 1 دقائق اقرأ

عند أول خيط من الفجر
حين تفتح النافذة وجهها على وجهك
طائرٌ يمر باسمك ثم يختفي
تستيقظُ رائحةُ اسمك من صمت الليل
تصعد مع النورِ كنداء يوقظ القلب
لا تأتي كلحظة عابرة
ولا كحلم سريع
بل كشرارةٍ أولى
في طريق يستدعيك

تجلس أمام مراياك
تلمس الغربة خيطًا يربطك بصوتك القديم
ذلك الصوت يهمس كنسمة على حافة نافذة
يبحث عن أذن تفك عقدته وتعيده إلى الكلام
المرآة لا تعكسك وحدك
بل شرخٌ يفتح نافذة على وجود آخر
الزجاج يتنفس ريحًا غريبة
ويترك في داخلك صدىً كصوت بعيد لا يزول

تتهيأ لتخرج من البيت
لا يكون الطريق مجرد مسافة إلى حاجة عابرة
بل امتداد لذاتك أثرًا يضيء داخلك
حجرٌ يهمس باسمك
والسعي إلى أبسط الحاجات يكشف عن معنى أبعد
فالحركة ليست خروجًا من جدران البيت
بل دخول إلى فضاء يذكرك بأنك حاضر
وأن كل خطوة ارتداد إلى نفسك من زاوية أخرى
حتى لو بدا الطريق هدأة أو شرخ في الهواء
كأن الريح تحملك إلى ما لم تتوقعه
وكأن الزمن يفتح لك نافذة أخرى
وصوت طيور يهمس كأنه يردّ عليك

ليس لأنك بلا شقوق
بل لأن الجرحُ قنديل يضيء هشاشتك
والارتجاف نارٌ صغيرة يعلن أنك حي
والهشاشة نافذة على معنى أعمق
كأن الشرخ نفسه انبعاث جديد
وكأن الماءَ يتسرّب من داخلك ليعيدك إلى أصل أبعد
وكأن الحجر الذي تعثرت به يذكرك أن الطريق لا يكتمل إلا بالعثرة
ورائحة تراب رطبة تلتصق بذاكرتك كختم

ها أنت
انعكاس النور يردك إلى بدايتك الأولى
فتفهم أن الطرق لم تكن ضياعًا
بل انتظار يفتح أبواب الاستدعاء
وأن الانقطاع لم يكن فراغًا
بل مساحة أخرى للاستحضار
ومن هذا الاستحضار الذي يكشف وجهه في الظل يتفتّح المعنى بذرة في صدرك
ينبت حين تجرؤ على الإصغاء بصمت كامل
ويبقى ظل يبتسم لك من حيث لا تتوقع
فتعرف أن العودة ليست نهاية ولا بداية
بل لحظة تتكرر لتدعوك إلى ذاتك مرة أخرى
ثم تهمس الأرض تحت قدمك باسمك
رمادٌ يبتسم في الهواء
خطوةٌ في الفراغ

الشاعر زاهر الأسعد

  • شاعر وكاتب فلسطيني
    وُلد في درعا عام 1983، لاجئٌ فلسطيني يقيم في سوريا، ويحمل في قلبه وطنًا غائبًا لا يفارقه، تمامًا كما لا يفارق الماء سيرة النهر. يعيش في المزيريب حيث تتداخل الذاكرة مع تفاصيل الحياة اليومية، فيكبر الحنين معه، ويكبر المعنى. يعمل في الشركة السورية للاتصالات، يمدّ الخيوط بين الناس، لكنه يجد اتصاله الأعمق في الشعر؛ فهناك يتنفس، وهناك يبحث عن المعنى الذي لا تمنحه الخرائط ولا تمنحه المهن. في الكتابة يفتح أبوابًا للضوء، ويصنع مسارًا خاصًا بين الصرامة العملية وحرية القصيدة. هاوٍ للشعر، محب للنصوص الوجدانية والفلسفية، يقلب الكلمات كما لو كانت أطيافًا تتشكل بين يديه، ويجعل من يومه طقسًا روحيًا يوازن فيه بين واقعٍ يفرض قوانينه، وخيالٍ يشرّع نوافذه بلا حدود. يحمل شغفًا لا ينطفئ، ويكتب ليظل حاضرًا في وجه الغياب، وليبقى الضوءُ ممكنًا مهما طال الليل.

اقرأ أيضا

أترك تعليقا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.