الصفحة الرئيسية خواطر رؤى الأطرش / تونس: تقدّم نصا بعنوان “سكون”

رؤى الأطرش / تونس: تقدّم نصا بعنوان “سكون”

89 مشاهدات 1 دقائق اقرأ

بعد الانتهاء من العمل وبعيدًا عن ضجيج الحياة التي أمقتها بداخلي، قررت الارتماء في أحضان الطبيعة، علَّ شعاعًا خريفيًا يوقظ في نفسي رغبة في الاستمرار. كنت أمضي دون التفات إلى الوراء، وكأني أحاول التخلص من نسخة لازمتني كثيرًا، سعيت عدة مرات لقتلها في سكون جعلني أتخيّل أنني هاربة من لوحة معلقة على جدار قديم في بيت لا تزوره إلا الأشباح. أتسلل عبر الزمان بنصف وجه، لأن النصف الثاني دُفن في التراب. كنت أركض لأطارد الطيور، وما ذلك إلا محاولة لتحرير تلك المرأة العالقة في ملامحي والقابعة في وجداني. سأطلق اليوم لها العنان لتغني، لترقص، لتزهر، ولكن يجرني القدر دائمًا دون رحمة إلى أماكن ظننت أنني طلقتها.

وجدت نفسي على بعد خطوات من المقبرة، حيث تنام أوجاعي كلها. تراجعت خطوتين إلى الوراء، وكنت على يقين بأن النصف الثاني مني سيدفن حال دخولي. فجأة شعرت بأن هناك يدًا تسحبني إلى الأمام، وتجرني في صمتٍ رهيب، تفجر بركان الأسى، فلقد استنفرت حواسي وتجمد الدم في عروقي. وفي إشارة خاطفة، استيقظت ذكريات توهمت أنني دفنتها، ولكن كيف تُدفن الحياة في رحم نبض؟

أشعلت سيجارة، وجلست بين قبرين: قبر ابن عمتي الذي توفي منذ أشهر، وقبر عمي الذي تركني منذ أيام، بين جرحين غائرين طمرت دموعًا رفضتها الأرض. تحدثت إليهما وكأن صوتيهما ما زال يصغي إلي، ومن رماد سيجارتي كتبت حروفًا غير مفهومة في منتصف المسافة الفاصلة بينهما، ربما كانت خيبتي أو لهفتي لرؤيتهما.

بدت أمامي صورة امرأة فلسطينية. أي قوة تمتلكها تلك المرأة لتندب حظها بين نعوش أبنائها الخمسة؟ تذكرت أن فلسطين تسكن فينا كما تسكن الذاكرة في الجرح، وأن موتنا الفردي ليس سوى صدى لموتها المتكرر في كل خبر وصورة. هناك، حيث يُولد الصمود من رحم الفقد، فهمت أن النصف المدفون مني كان يحمل اسمها. وعندما عدت أفتش في ذاكرتي لشرح هذا الشعور، أدركت قول الكاتب إرفين يالوم عندما قال: إنّ “العيش في القلوب التي نتركها وراءنا لا يعني أنك ميت”.

تسللت روحي، وتركت جسدي هامدًا بين الجثث، عبرت خريطة المكان والزمان لتعود إلى حياة مملة، ألوانها عابسة، ولكنها ما زالت تخفق في ضمير الوجود.


الكاتبة رؤى الأطرش

اقرأ أيضا

أترك تعليقا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.