175 ليس كل انتصارٍ في كرة القدم انتصارًا رياضيًا فحسب؛ فبعض الانتصارات يحمل في داخله درسًا في الإدارة، ورسالةً في القيادة، وإشارةً إلى خللٍ يتجاوز حدود الملاعب. وما فعله الكابتن حسام حسن يندرج في هذا النوع من الدروس؛ لأنه أعاد إلى الواجهة سؤالًا طالما تجاهلناه: كم من أصحاب الكفاءة يعيشون بيننا دون أن يلتفت إليهم أحد؟ لقد تعودنا، في كثيرٍ من مؤسساتنا، أن نبحث عن الأسماء قبل أن نبحث عن القدرات، وأن نمنح الفرصة لمن اعتدنا رؤيته، لا لمن يستحقها فعلًا. ومع مرور الزمن تتحول هذه العادة إلى ثقافة، ثم تتحول الثقافة إلى نظامٍ غير مكتوب، فيصبح من الصعب على أي موهبةٍ جديدة أن تجد مكانها، مهما بلغت كفاءتها. وهكذا يتكرر المشهد نفسه، وتدور الفرص في دائرةٍ مغلقة، بينما تقف الطاقات الحقيقية خارجها تنتظر من يفتح الباب. جاء حسام حسن ليكسر هذه القاعدة، فلم ينشغل بما يقوله الناس عن الأسماء، بل بما يستطيع اللاعب أن يقدمه داخل الملعب. كانت الرسالة واضحة؛ الثقة لا تُمنح على أساس التاريخ، وإنما على أساس القدرة، والفرصة ليست مكافأةً على الماضي، بل استثمارٌ في الحاضر وبناءٌ للمستقبل. ولو تأملنا هذا الدرس بعيدًا عن كرة القدم، لاكتشفنا أننا في أمسّ الحاجة إليه في كل قطاع. ففي الثقافة، كم من كاتبٍ يملك مشروعًا فكريًا حقيقيًا، لكنه يعيش في الظل لأن الأضواء لا تتحرك إلا نحو الأسماء المتداولة؟ وكم من أديبٍ يكتب بصمت، بينما تتكرر المنابر ذاتها والضيوف أنفسهم؟ وكم من باحثٍ يمتلك فكرةً قادرةً على إحداث تحول، لكنها تبقى حبيسة الأدراج لأن أحدًا لم يمنحه فرصة العرض والاستماع؟ وفي الجامعات، كم من أستاذٍ متميز لا يعرفه إلا طلابه، بينما تتصدر المشهد أسماءٌ اعتادت الظهور؟ وفي الإدارة، كم من موظفٍ يمتلك رؤيةً وقدرةً على التطوير، لكنه يبقى في الصفوف الخلفية لأن معيار الاختيار لا يقوم دائمًا على الكفاءة؟ وفي الاقتصاد والصناعة والزراعة والإعلام والفنون، تتكرر الصورة نفسها؛ مواهب تنتظر، وقدراتٌ معطلة، وعقولٌ تعمل في صمت، بينما تتقدم الواجهة أسماءٌ أصبحت جزءًا من المشهد بحكم العادة أكثر من كونها الأكثر عطاءً. إن أخطر ما يصيب أي مجتمعٍ ليس نقص المواهب، وإنما سوء اكتشافها. فالموهبة موجودة دائمًا، لكن المشكلة تكمن في آليات البحث عنها، وفي شجاعة من يتخذ قرار منحها الفرصة. ولذلك فإن المؤسسات الناجحة ليست تلك التي تمتلك أفضل الموارد فقط، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على اكتشاف الإنسان المناسب ووضعه في المكان المناسب. وليس من المبالغة القول إن كثيرًا من الأزمات التي نعانيها ليست نتيجة قلة الإمكانات، بل نتيجة بقاء الكفاءات الحقيقية خارج دوائر القرار. فحين تتكرر الوجوه نفسها لعقود، تتراجع الأفكار، ويتحول التجديد إلى شعار، بينما يبقى الواقع أسيرًا للأنماط القديمة. أما حين تُفتح الأبواب أمام وجوهٍ جديدة تمتلك الكفاءة، فإن المؤسسة كلها تستعيد حيويتها، لأن الأفكار الجديدة تأتي غالبًا من العقول التي لم تُستهلك بعد. ولذلك فإن تجربة حسام حسن ينبغي ألا تُقرأ بوصفها نجاحًا لمدربٍ أو لمنتخب، وإنما بوصفها دعوةً إلى مراجعة ثقافة الاختيار في حياتنا كلها. فالمجتمعات التي تتقدم هي المجتمعات التي تبحث عن أفضل العقول، لا عن أكثرها شهرة، وتستثمر في الكفاءة قبل أن تستثمر في الصورة، وتؤمن بأن الفرصة العادلة هي الطريق الأقصر إلى النجاح. ربما يوجد بيننا اليوم آلاف المنسيين؛ في المدارس، وفي الجامعات، وفي المؤسسات، وفي مراكز البحث، وفي الصحافة، وفي الأدب، وفي الفنون، وفي المصانع، وفي الحقول. لا ينقصهم العلم، ولا الخبرة، ولا الإخلاص، وإنما تنقصهم فقط عينٌ ترى، وعقلٌ يقدّر، وقرارٌ يمنحهم الفرصة. ولعل أعظم ما يمكن أن نخرج به من هذا الدرس هو أن الأوطان لا تُبنى بالنجوم وحدهم، وإنما تُبنى أيضًا بأولئك الذين لم تتح لهم فرصة النجومية بعد. فكل موهبةٍ تُهمل هي خسارةٌ للوطن، وكل كفاءةٍ تُقصى هي فرصةٌ ضائعةٌ للتقدم، وكل بابٍ يُغلق في وجه مستحق يفتح بابًا آخر للتراجع. إن ما قدمه حسام حسن ليس مجرد فوزٍ في مباراة، بل تذكيرٌ بأن الثروة الحقيقية لأي وطن ليست في موارده الطبيعية، ولا في إمكاناته المادية، وإنما في الإنسان. والإنسان لا يصبح قوةً منتجةً إلا إذا وجد من يؤمن به، ويمنحه الفرصة، ويحكم عليه بما يقدمه، لا بما يقال عنه. وهذا هو الدرس الذي يستحق أن يبقى بعد أن تنتهي المباراة، وأن نتذكره كلما أردنا أن نبني مؤسسة، أو ننهض بقطاع، أو نصنع مستقبلًا؛ فربما كان أفضل من يقود الغد واحدًا من أولئك الذين ما زالوا يقفون اليوم في الصفوف الخلفية، ينتظرون فقط فرصةً عادلةً ليبرهنوا أنهم كانوا يستحقونها منذ البداية. خالد الحديديكاتب وباحث / مصر