60 تتشرّف المجلة الثقافية نيابوليس بنشر قراءة في رواية “عند غروبها أشرقت” للأديبة الروائية جميلة بلطي عطوي قدمها الناقد والشاعر عمر الشهباتي والتي شارك بها في الدورة الخامسة لمنبر الشعر والأدب بنابل تحت شعار: “تمثّلات المرأة في الرواية مفتاح لقراءة المجتمع” وذلك يوم الأحد 30 نوفمبر 2025 بالمنتجع الريفي الإيكولوجي دار كبّورة نابل نص الدراسة: أولا: القراءة من حيث العتبات الشكلية الخارجية للرواية أ) عتبة الغلاف الأمامية: الصورة نعاود هنا طرح السؤال، ككل مرة نقف فيها قبالة منجز أدبي أو شعري أو مسرحي أو سينمائي: هل يمكن للشكليات المظهرية، والخطوط الصورية، والرسوم الأفقية، والألوان اللافتة، أن تأخذ بأيدينا إلى عبور الممرات، وتساعدنا على فتح الأبواب المولجة للمعنى، المبلغة لمقصود المؤلف، وتشرب المطلق الأعم للأدب؟ أما تعدد المتدخلين في العمل الإبداعي من مؤلفين، ومصممين، ورسامين، ومختصين في الخط، في السيميائيات والتعبيريات، فقد بات لزاما علينا اعتبار المنجز الإبداعي ممثلا لوحدة معنوية متجانسة، وذات غائية موحدة. فإن كان المؤلف قد صاغ النهج العام والهيكل الرئيس لهذا المنجز، فما كان للمتدخلين الآخرين، وما ينبغي لهم، السير في غير مساره أو عكس إرادته، لأن العمل له يحمل اسمه وسمعته، بل شرفه ومجده. لذلك، ومادامت المؤلفة الأديبة جميلة بلطي عطوي قد أشارت في إحدى عتبات الشكل للرواية المفردة، في صفحة الشكر عدد 07، حيث جاء فيها: “شكرا بلا ضفاف للصديقة الفنانة التشكيلية والشاعرة لطيفة محمد الجلاصي على تطوعها لرسم الغلاف”. فالصداقة تقتضي التوافق بمقياس: “الطير على أشكالها تقع“أو“ما تصاحبوا إلا لما توافقوا“. إذن فالصداقة تقتضي التوافق، بل التواشج في التوجهات والمواجد. وإذا أضفنا لها التطوع من الفنانة التشكيلية والشاعرة، صرنا إلى عتبة معبرة على الهدف من المنجز، وإن بالريشة عوضا عن القلم، والألوان عوضا عن الحبر الأسود. وبهذا نكون قد تجاوزنا إشكال تعدد المساهمين في منجز واحد، إلى إرادة مشتركة تؤول إلى المصنِّف دون غيره مسؤولية المؤلف شكلا ومضامينا. في صورة الغلاف فضاء فجري بلون إشراقي، يتفتح لونه البرتقالي كلما اتسعت دوائره. به طيور تكبر أحجامها، وتزداد أعدادها أيضا كلما اقتربت من ضفاف اللوحة. وأما في عمق اللوحة وصدرها دائرة سوداء تحيط بها الحمرة، اصفرت كلما اتجهنا إلى الأطراف، يغطي قلبها وأغلبها وجه بملامح نسوية تظهر جليا عليها آثار الدهر، وعوامل الزمان المنقوشة بتجاعيد على جبين، انصفن عنه شعر فروة الرأس المبيض المسالم، وعينان ذواتا نظرة ثابتة كأنهما للحكمة أقرب منهما للجمال، ووجنتان عليهما بقية جمال كان يساهمان في استدارة الوجه البدري، وفم متراجعة شفتاه باستناد ذقنه إلى ظهر كفين اتخذا بتشابك أصابعهما سريرا يحمل رأسا متأملا وقورا. هذا الرسم يشي بالأمل في شروقه، والانطلاق في عصافيره، وبالحكمة في الوجه الهادئ الخبير. وهو فعلا يمثل عتبة تسهل الولوج إلى علم “تونس”، المرأة الهادئة الخبيرة الوقور الصابرة الوطنية بالسليقة والعفوية. وأيضا يسهل علينا دخول عالم: “وضعيات (نسويّة) المرأة في رواية عند غروبها أشرقت الجزء الأول”. ب) عتبة العنوان: “عند غروبها أشرقت“ هذا العنوان الذي يفتتح بأداة تعبر عن ظرف الزمان والمكان في نفس الآن. فنقول: “وجدت ليلى عند النبع”، وهنا للدلالة على المكان. ونقول: “عند الصباح لن تسكت شهرزاد” أو “عند الصباح نرتحل”، وهنا للدلالة على زمان السكوت من عدمه أو الرحيل دون غيره. ونقول: وجدت الخبز عند الخباز، وهنا ليس للدلالة على الزمان والمكان فقط، بل للدلالة على الخصوصية والملكية، أي كلما تطلب الخبز عليك بالخباز فتجده. ونقول في اللغة المتعالية: “عند الله يجتمع الخصوم”، وهنا للدلالة على اللامكان واللازمان، ولكن للحديث عما فوق المكان والزمان والشرطية. ولكن العنوان في الرواية يحدد زمانين وحالتين. فأما الزمانان فهما عند الغروب، وهو اصطلاحا عندما يختفي قرص الشمس عن الناظر، وعند الشروق، وهو اصطلاحا أول ما تتراءى الشمس. وأما الحالتان فالغروب نهاية، والشروق بداية. ولكن العنوان يجمع المتناقضين من زمانين، ومن حالتين، في حالة واحدة وزمان واحد ومكان واحد، كبة واحدة، ليفضي الغروب للشروق، والنهاية للبداية. ألم يقل أمير الشعراء أحمد شوقي في رائعته “يا جارة الوادي”: يا جارة الوادي طربت وعادني *** ما يشبه الأحلام من ذكراكلا أمس من عمر الزمان ولا غد *** جمع الزمان فكان يوم لقاك وهنا تتظافر العتبتان لتكونان سلما للارتقاء للفهم.. للمعني.. للتمثل. فتتشكل الصورة الذهنية المرادة: هذا الوجه المنقوش المخدد بأفاعيل الزمن، وهذه العجينة التي عركتها أصابع الأيام في جفان الحياة لتطهوها في أتون تقلبات الدهر، هذه الذاة الآيلة للغروب إنما هي آيلة للشروق عند غروبها. وتقول “تونس” صفحة 229 الفقرة الاولى: “لكأنني أشعر أن الزمان عاد بي أشواطا… أنا فعلا سعيدة لأنني سأسترد حقي… لن يجرؤ أحد على حرماني من نهل السعادة”. وأيضا الفقرة الاخيرة في الرواية صفحة 237 من جزء الأول، حيث تقول: “بقيت تتابع المشهد في سعادة غامرة ولسان حالها يردد: لقد عاد الربيع يا تونس لقد عاد. هذا ربيعك تنجزينه كما تشتهين ولن يقدر أحد على حرمانك مجددا. اليوم لا رقيب ولا حسيب. لا ظلم ولا ظالمين أنت سيدة نفسك تفعلين ما يروقك وتختارين الأصلح كما كنت دائما. إن الزمان يصالحك يا تونس وها العمر يفتح في وجهك نوافذ الفرح. ابتهجي يا تونس وافخري بإنجازك الذي سيكون فاتحة خير عليك وعلى سكان الدار”. ثانيا: القراءة في العتبات الشكلية الداخلية للرواية ومعلوم أن هذه العتبات تعمل كبوابات توجيهية تؤثر في فهم القارئ للنص، من خلال تقديم إشارات ومعلومات تساعده على فهم جوهر الرواية ومعنى الأحداث، على الأقل أوليا، وتهيئ له فضاء تمهيديا للولوج للنص، ومنها: أ) عتبة الإهداء: جاء في الإهداء ما يلي: “إلى كل الذين خاضوا غمار الزمن وركبوا براق العمر نحو مرافئ الضياء.إلى الأمهات حصنا وملاذا عند منعرجات الحياة.” من خلال هذا الإهداء يتضح جليا غاية الأديبة جميلة بلطي عطوي من رواية “عند غروبها أشرقت”. إذن هي تخلق حصنا وملاذا آمنا للأمهات اللواتي خضن غمار الزمن، وتعترضهن الحياة بمنعرجات شديدة يحتاج عابرها إلى براق كي يمن منزلقاتها ومفاجأتها. ب) عتبة التصدير: وأما التصدير فقد كان متساوقا تماما للمسار الذي يدفع نحوه مسار الرواية، الحفاظ دائما على التماسك والفتوة والعنفوان، وأخيرا الطفولة والحماسة ولو عند الشيخوخة، حيث تسوق مقالة لأحد المولعين بالبرا سيكولوجيا والتصوف الفلسفي والمعادي للحرب، الروائي والشاعر الإنجليزي الأمريكي ألدوس هكسلي Aldous Huxley ولد 26 يوليو 1894 – توفي 22 نوفمبر 1963، وهو كاتب إنجليزي اشتهر بكتابة الروايات والقصص القصيرة وسيناريوهات الأفلام. قضى حياته منذ 1937 في مدينة لوس أنجلوس. له اهتمامات بالبارا سيكولوجيا والتصوف الفلسفي، معاد للحروب ومهتم بالقضايا الإنسانية. في آخر أيام حياته اعتبر في بعض الدوائر الأكاديمية قائدا للفكر الإنساني الحديث ومثقفا بارعا، حيث قال: “سر العبقرية أن تحتفظ بروح الطفولة إلى سن الشيخوخة. ما يعني ألا تفقد حماسك أبدا.” (ألدوس هكسلي فنان إنجليزي 1894 – 1963) ج) عتبة التوطئة: جاءت توطئة الرواية من قبل الأديبة جميلة بلطي عطوي في صفحة ونصف الصفحة، حيث كأني بالمؤلفة تصر على معاني معينة تدفع بالقارئ نحو تحديات يجب وضعها في الحسبان، ومن أهمها أن: التحدي الأول: تجاوز الإشكال الأجناسي في الأدب والفنون: حيث أن “التشويق والتكثيف والإدهاش” ليس حكرا على القصة القصيرة فحسب، بل إن الرواية لها من ذلك نصيب رغم ما تبدو عليها أحيانا من الإسهاب والإطالة اللتين تعدان من المرتكزات الأساسية لها. حيث إن المؤلفة تحرص على أن تمشي على “خط رفيع” بينهما، هدفها الوصول إلى “ما يمكن أن يكون من التفاعل بين الأجناس الأدبية والفنون التي يكمل ويدعم بعضها بعضا بغاية الرقي إلى منتج أسمى” “يثري منافذ التخييل”، وخلع الثياب الضيقة عن القصة القصيرة “إلى لباس أوسع وعوالم أرحب فيركبها معبرا إلى ضفة مغايرة”، ومثالها في ذلك تجربتها هذه الخاصة “التي بدأت مشروعا لقصة قصيرة فإذا بها تتمرد بطريق التجريب والاكتشاف”. التحدي الثاني: الخلق بالقلم لمجالات بكر: تقول الكاتبة بالحرف: “وها أنا أدوس الأرض الجديدة التي أكتشف سبلها ومنعرجاتها وأدعو المتلقي أن يرافقني ويكتشفها معي سعيا منا إلى ضفة جديدة تفتح للروح والعقل في سبل الارتقاء إلى الأدب بما هو غذاء العقل والروح”. هنا تقودنا الأديبة جميلة بلطي عطوي إلى أعلى تحدياتها المتمثل في بلوغ الضفة الأخرى إلى ما وراء القلاع، على حد التعبيرة الشابية عندما يقول: خُلقت طليقا كطيف النسيموحرا كنور الضحى في سماه ولا تخش مما وراء التلاعفما ثم إلا الضحى في صباه وإلا حمام المروج الأنيقيغرد منطلقا في غناه إلى النور فالنور عذب جميلإلى النور فالنور ظل الإله إذن فالتحدي هنا مزدوج وثنائي الأهداف، فالهدف الأول إقامة المصالحة بين أجناس الأدب والفنون، والهدف الثاني الاستقرار على ضفة.. صيغة.. قارة جديدة للمعنى يعتمدها العقل والروح معا من أجل ارتقاء السبيل. د) عتبة ترتيب الرواية إلى فصول: 1) توزع الفصول على المساحة الورقية للرواية: تتراوح الفصول الـ25 من حيث الطول وشغل الصفحات بين الست (06) صفحات في الفصل الخامس (05)، والخمسة عشر (15) صفحة في الفصل الثالث (03). الصفحات: 6 – 7 – 8 – 9 – 10 – 11 – 12 – 15 – 228الفصول: 1 – 5 – 5 – 5 – 2 – 5 – 1 – 1 – 25 ومن السمات الغالبة على طول الفصول وقصرها رغم التقارب في عدد الصفحات، نجد التراوح بين الست والخمسة عشر صفحة دون السير على خط طولي تصاعدي أو تنازلي حسب تطور الأحداث. وأيضا نجد استقرارا في الفصول التسعة الأخيرة بين 09 و11 صفحة، وهو ما يشي بالتوازن الشكلي على الأقل بين الفصول التي تختلف من حيث جسامة الأحداث وحساسيتها وطول مسافاتها الزمنية وتأثيرها في البنية القصصية للرواية. 2) محاميل الفصول غير متتابعة الأحداث: إذا كان التقارب بين الفصول من حيث الانتشار الضوئي والبصري المعتمد على عدد الصفحات ليس به تمايز كبير، فإن التوالي في الموضوعات والتتالي في الأحداث لم يكن على شاكلة خط مستقيم، بل كان مستقيما أحيانا، متعرجا أخرى، بل ومتكسرا ثالثا، وهو ما أضفى نوعا من التشويق والانتظارية للأحداث في شكل من التباعد لربط المتلقي إلى جميع أطوار الرواية بنفس الانتباه والاهتمام والشغف. هـ) أدوات السرد والشخصيات والقضايا المطروحة في رواية “عند غروبها أشرقت الجزء الأول“: أدوات السرد في الرواية: بداية يمكن الإشارة ولو سريعة إلى الظرف الزماني والمكاني للأحداث التي تدور فيها الرواية. فالزمان فيما يبدو إبان فصل الشتاء (ص67) مع وباء الكورونا، حيث وقعت الإشارة إلى ذلك في (الفصل 23 ص207)، حيث دعا حارس المطار أحد شخصيات الرواية (سمير) إلى لبس الكمامة خوفا من الوباء، وأيضا قرب عيد الأضحى وهو الموعد الذي حدد لافتتاح نادي تعليم الكبار بدار رعاية المسنين. وأما المكان فهو في تونس العاصمة (ص66) قرب المطار الذي لا يستغرق الوصول إليه إلا بعض الدقائق، وأيضا ليس بعيدا عن مدينة سيدي بوسعيد، حيث أن إحدى الشخصيات (رؤى) كانت تذهب مشيا على الأقدام إلى هناك. لقد تعددت الأساليب التي تستعملها المؤلفة، وتنوعت في خدمة الغاية النهائية التي تؤدي إلى الأهداف المرسومة للرواية، وهي إظهار القضايا والمآزق، وللتعبير عن الخوف مرة، وعن الرجاء أخرى، وعن الاطمئنان ثالثة، وعن الندم رابعة. وهكذا نجد المؤلفة قد اعتمدت: أ) أسلوب الحوار الداخلي الباطني: استغلت الأديبة أسلوب الحوار الداخلي الباطني لدى كثير من الشخصيات الرئيسية، والحوار الذاتي في شكل تفكير بصوت عال. وهو أسلوب يمتاز بسيطرة الهواجس والأماني، ويستعمل عادة في الرواية عند التفرد بالذات لإحدى الشخصيات، أو محاولة الاستذكار، والرجوع بالزمن الذاتي أحيانا أو المشترك إلى الوراء، لاستحضار بعض الذكريات أو أساليب الحياة أو استعادة بعض المشاهد المؤثرة في حياة الشخصية وسيرورة تطور بنائها وصيرورة ما آلت إليه. كما نجد أسلوب التهديد والوعيد ضمن هذا الأسلوب، وخاصة في شكل التفكير بصوت عال، حيث تلجأ إليه بعض الشخصيات كحل للتعبير عن المأزق على المستوى الشخصي أو التصعيد الدرامي على المستوى السردي. ب) أسلوب استدعاء الأحلام: في مواقع عديدة نجد المؤلفة تعتمد الأحلام، حيث تقول (ص65): “نعم الحلم سر الواقع وحلمي الليلة نافذة نحو البعث الذي أرجوه… خيرا اللهم اجعله خيرا” والحلم أيضا يمكنه حمل التنبيهات بينها وبين زوجها المتوفى لإظهار الرضى من عدمه كما في الصفحة (56)، ونجدها أيضا تعتمد الأحلام في تبليغ بعض المضامين والرسائل مثل حلمها في الصفحة (64-65)، وحلم كاترين بالأفعى في الغرفة الضيقة (ص77-78)، أو حلم الصادق بالمحرقة والحق والأمانة وأكل الميراث عن أخواته (ص222-223)، وأيضا حلم تونس حيث حضر زوجها المتوفى لإظهار رضاه عنها وفيما قررت التوجه نحوه من الخدمة العامة. ت) أسلوب الحوار الثنائي والثلاثي: التجأت المؤلفة إلى الحوارات الثنائية والثلاثية وأكثر من ذلك حسب ما تقتضيه الحالة، حيث نجد الحوارات الهادئة التعليمية التناصحية، وهو أسلوب تشتهر به الشخصية الأكثر رئيسية في الرواية. وأيضا نجد بعض الحوارات المتشنجة عالية النبرة، خاصة بين الشخصيات القريبة من الشخصية الأكثر رئيسية، للتعبير عن تأزم العلاقات البينية سمير/كاترين، وبعض العلاقات داخل مركز دار المسنين. كما نجد في بعض الأحيان تنظيم جلسات حوارية بين شخصيات لتدارس إشكاليات واقتراح حلول لها، وكأنها جلسات تشاورية داخل الأسرة (ص219)، وتفاوضية موضوعها أزمات شخصيات الرواية، وأداتها الحوار القائم على الإخبار والتحليل واقتراح الحلول، وهدفها تعليمي تدريبي على تجريب الحوار والوصول إلى الحلول الممكنة. ث) أسلوب استعمال الأمثال الشعبية: حيث استعملت المؤلفة الأمثال الشعبية في مواقع كثيرة، وأوردت بعض نصوص الأغاني (ص88)، واستشهدت ببعض الفنانين في الرسم (ص140)، كما أنها استعملت أسلوب الحكي المسهب المستفيض. ج) أسلوب الاسترجاع أو “الفلاش باك“: كما استعملت أسلوب الاسترجاع أو “الفلاش باك” في محاولة ربط الأحداث وإظهار الأصول الناتج عنها بعض الإشكالات المعاشة من قبل الشخصيات، وتكاد لا تخلو شخصية في الرواية من هذا الأسلوب باعتبار اعتمال الماضي في حاضرهم. 2) الشخصيات: بغض النظر عن أهمية الشخصيات في الرواية، قمنا بإحصاء الشخصيات الواردة فيها حسب ورودها من خلال السرد الروائي، فوجدنا أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام، منها الغيبي، والحيوان، والإنسان. أ) الغيبي: فهو “الشيطان” الذي “يتصيد مواقيت ضعف الإنسان ليمرح على أشلاء وجعه” (ص57). وفي (ص196): “حينها وجد الشيطان فرصته الملائمة فهمس ووسوس: وقعت ولا حد سمى عليك، ضاعت منك الدرب يا مغفل. من الآن فصاعدا لا زوجة ولا أبناء، بكل بساطة وبلاهة ضعت ثم ضعت”. وفي العلاقة بين الصادق وسمير في (ص220) قول المؤلفة: “وجد الشيطان الدرب معبدة…” فالشيطان هذا الذي تواردت وسوساته لشخصيات كثيرة في الرواية، إنما يحضر للوسوسة وتعقيد الأمور وإحباط النفوس. وقد ورد ذكره في كثير من المواقع مع عديد من الشخصيات، تحتاجه المؤلفة لتشير إلى الجانب الشرير أحيانا في الشخصيات. ب) الحيواني: أما الحيوان فيتمثل في الأفعى السوداء (ص78)، التي رأتها كاترين في كابوس من الأحلام، حيث رأت أنها في غرفة كالزنزانة مظلمة ضيقة، وتلمست شيئا لزجا رطبا، فلما تأملت إذا بها حية سوداء استطاعت القضاء عليها رفسا بقدميها. ج) الإنسان أو الشخصيات التي تؤثث الرواية: وبإحصاء الشخصيات الواردة أسماؤها أو صفاتها أو حكاياتها في الرواية، فقد كانوا مع الأفعى والشيطان 44 شخصية آدمية بالمواصفات العامة التالية: ينقسمون بالتساوي إناثا وذكورا: 22 شخصية لكل نوع. لم يقع ذكر أسماء الشخصيات الإناث إلا 06، وهن تونس، نجاة، كاترين، رؤى، خديجة، سوسن. كما أن الذكور لم يذكر منهم بأسمائهم إلا لـ 06 شخصيات، وهم سمير، وليد، أنس، عبد الحميد، الصادق، صالح. في كل من النوعين وردت 20 شخصية بصفاتها دون ذكر الاسم. جل الذين وقع ذكرهم أو تمت الإشارة إليهم لديهم دور يتراوح عمقه وحجمه حسب الضرورة السردية في الرواية. د) أنواع الشخصيات في الرواية: يتداول الأحداث شخصيات رئيسية وأخرى ثانوية، منها الشخصيات النامية والثابتة. كما يمكن الإشارة إلى أنه إلى حدود الصفحة الأربعين (40) لم يقع الكشف عن أسماء الشخصيات إلا شخصية “سمير” الابن البكر للشخصية الأكثر رئيسية، و”نجاة” جارتها، وكل الشخصيات الباقية تذكر بصفاتها (الأم، الجارة، المعينة، الأبناء، الكنة، الأطباء، المديرة، الزوجة، الأحفاد…). وننتظر هذا المدى من الرواية ليقع الإفصاح عن اسم “تونس” الشخصية الأكثر رئيسية في الرواية للتعرف عليها، ومن لحظة هذه الصفحة يبدأ الوضوح في السرد والفاعلية في الأحداث. تونس الشخصية الأكثر رئيسية في الرواية هي “تونس”، وهي سبعينية العمر، “عاشت يتيمة” (ص22) بعد وفاة أبويها في حادث، وتربت في منزل عمها الذي أراد أن يستولي على ميراثها، وزوجته منعتها من الدراسة. وهي “ترضى بالقليل” (ص26)، و”بارعة في الصناعات التقليدية” (ص192)، وأرملة “تعاني أمراض المفاصل” (ص24)، و”لها عكاز” (ص20) لـ “ساق مريضة” (ص53). تسكن شقة في عمارة، وجراية ورثتها عن زوجها المتوفي “شهيدا للمصلحة العامة” (ص35)، و”رعت حماها وحماتها بعد موت زوجها” (ص31)، الذي “كان زوجها كل حياتها”. وبعد “تبدل الأم بطول العمر من القوة إلى الضعف” (ص26)، “لا تريد أن تكون عبئا على أحد، ولا أن تكون سبب شقاء أبنائها بعد أن قضت كل عمرها في العمل من أجل إنجاحهم وإسعادهم” (ص31). ولم “تبع منزل العائلة إلا بعد رحيلهما خشية أن يتأذيا” (ص32)، ولإرسال أبنائها الثلاثة ولدين وبنت للخارج ليعش جميعهم في الغربة. و”أمنت تونس نجاح أبنائها وأبناء أقربائها” (ص147). “تعرضت إلى صدمة حادة كادت تؤدي بحياتها… ستخرج من العناية المركزة… حاولوا أن تعيدوا إليها الثقة بكم، بالناس. ساعدوها على أن تتصالح مع نفسها” (ص25). يمثل هذا الصعود الدرامي لمآلات شخصية تونس في هذا الحد انزياحا حاسما، واتخاذ قرارات جديدة تتعلق بخطة حياة جديدة، وإدخال تعديلات جوهرية على ما دأبت عليه من أسلوب حياة. 2) نجاة الجارة الودود المتعاونة هي جارة الساس لتونس في العمارة، وهي أكثر الحضور حركية وحكمة، ومعدلة للمواقف، ومقربة للآراء، وصديقة ودود لتونس في كل أحوالها، ولم تتخل عن تونس دائما، والأم الثانية لسمير “حلالة المشاكل”. وضعها الاجتماعي كانت متزوجة، ولم يرد في الرواية شأن حول رابطها الاجتماعي: أرملة أم مطلقة، كل ما في الأمر أن زوجها منعها من العمل. لم تتعلم كثيرا في المدرسة (ص27)، وتتكلم بعض الفرنسية (ص27). مركزية الخالة نجاة في الرواية، حيث لها شبكة من العلاقات مع كل الشخصيات الفاعلة تقريبا: مع تونس، مع سمير، مع كاترين، مع الطبيب، مع مديرة دار المسنين، مع رؤى صاحبة الأفكار والمقترحات لحل الطوارئ. 3) سمير الشخصية الأكثر تذبذبا بكر أمه، يتيم منذ المرحلة الابتدائية، عاطفي، مندفع وانفعالي، غير حازم، حيث يظهر هذا من خلال مواقفه وردات فعله مع زوجته وأمه، فهو سماع لهما، لا يخالفهما، ويرضخ لكل قول منهما طاعة واحتراما، ولكن لديه ردة فعل متنطعة. حيث قال لزوجته ردا عليها بعد خلاف عائلي حول السكن مع أمه (ص27): “الله الله تريد مني أن أطرد أمي من بيتي، أن أتخلى عنها… اذهبي إلى الجحيم… خذي ابنيك وسافري… لا يهمني… لن أترك أمي والله لن أتركها…” ومع دار المسنين أول الأمر حيث تعالج أمه (ص36): “سأخالف قوانينكم واسجنوني بعد ذلك إن شئتم… لن أترك أمي تموت بسبب الروتين… أيهما أهم الحفاظ على القوانين أو إنقاذ إنسان يموت؟” سافر إلى فرنسا لإتمام تعليم الهندسة، واستقر بها، وتزوج فرنسية عن حب “كاترين”، وأنجب منها ولدين “وليد” و”أنس”. تعرف عليها في مقهى بينما كان يعمل به نادلا فتعلقت به. يحلم بالثراء والجاه، له هوى وطني ورثه عن أبيه وتربية أمه، فأسس شركة لهدف خدمة وطنه، وظل يحلم بالعودة. عودته وزوجته وأبناؤه كانت البداية الفعلية لأحداث الرواية، والمحرك الرئيس للتوترات الناجمة عنها. ويمكن اعتباره نقطة الالتقاء لعناصر عديدة في الرواية وأحداثها. 4) كاترين الزوجة الأجنبية الواقعة تحت الأفكار المسبقة زوجة فرنسية لسمير، وأم ولديه، تزوجا عن حب، وهي من تعلقت به وكان نادلا في مقهى. تزوجته تحديا لأمها التي تحمل أفكارا سلبية حول الرجل الشرقي. واقعة تحت تأثير أمها، وإحدى صديقاتها المغربيات، في الحكم على الرجل الشرقي والحماة والحياة الاجتماعية الشرقية عموما، ما سيشكل سببا لمنعرجات في حياتها مع زوجها سمير. حازمة وعنيدة وذات موقف وقرار، تحرص على أبنائها وتخاف عليهما بمبالغة أحيانا، وهو ما شكل بعض الاهتزاز في علاقاتها الاجتماعية في الرواية. اشترطت الاستقلالية والسكن بمسكن مستقل عند العودة. كانت أول الزواج نشيطة تقلد الشرقيات من أجل سمير وحبا فيه. 5) رؤى الفتاة المتخرجة من الجامعة المتوقفة حياتها على العمل هي خريجة جامعية لم تحصل على عمل لانطلاق حياتها المهنية، التي من ورائها الاقتصادية فالأسرية فالاجتماعية. هي أيضا لبقة خدوم، تساعد في إيجاد حلول، وتدخل ضمن ترتيبات لرأب الخلافات، وهي أيضا وجدت حضورها من حيث إنها تتقن الفرنسية، لتكون وسيط ترجمة بين كاترين والمجتمع المحيط، أساسا تونس. 6) مديرة دار المسنين ذكرت هنا بصفتها لا باسمها، ووجودها خدم الرواية من نواح عدة، خاصة من حيث إيجاد التوازن والحلول المبتكرة لتونس. أول ما عرضته الرواية في شخصية مديرة دار المسنين هو استهتارها بالوقت والتوقيت الإداري للعمل، حيث تصل إليه متأخرة وتخرج منه مبكرة “لا تأتي باكرا” (ص34). وهي أيضا “انفعالية وحازمة إذا أرادت” (ص40). هذه الشخصية الأولية التي ظهرت بها، ولكن حادث موت أحد النزلاء المسنين بالدار، وتدخل المساعدة الاجتماعية في تحميلها المسؤولية، جعلها تؤوب إلى رشدها وتعاود الانضباط والجدية. وقد أثر حادث وفاة المسن في سلوكها العام المهني والإنساني، ما سيسهل التعامل معها فيما بعد مع تونس، ويصلان إلى مبادرات مثمرة. 7) سوسن مشرفة في دار المسنين هي مغرورة متكبرة ومتسرعة، غير مستقرة من الناحية النفسية، وهي إذاعة الدار، وينفر منها الجميع، حيث إنها كثيرة التشكي والنكد والسخط. بتتالي أحداث الرواية يتبدى للقارئ أسباب ودعامات هذه الشخصية المضطربة الناقمة المتكبرة. وضعها الاجتماعي الهش، والتجربة العاطفية الفاشلة، والعلاقة الزوجية الصادمة، حيث ربطتها علاقة حب قوية مع شاب رفض أهلها الارتباط به، فزادت للقصة عقدة، إذ هربت معه بالرغم من أهلها، والدها أساسا. بمرور الوقت ينقلب زوجها عليها ويعنفها حتى تسقط جنينها، وتستأصل الرحم، وتعاني من العقم. تصبح سوسن حالة اجتماعية تحتاج التدخل الاجتماعي والنفسي، والوساطات القانونية، للتخلص من الحالة المرضية للحياة الزوجية التي تعيشها. الشخصيات النامية والثابتة جدول إحصائي للشخصيات الواردة في رواية “عند غروبها أشرقت“: الشخصيات – النساء الأم تونس الجارة نجاة مديرة الدار طبيبة الدار الأخصائية الاجتماعية (المواجهة) كاترين أم زوجة سمير (المحرضة) الجارة المغربية (محرضة) رؤى شابة عاطلة عن العمل زوجة العم وابنتاها (منع تونس من التعليم) المرأة (مسروقة اللسان المكتئبة المغتصبة) العجوز (ذات النظارة السميكة) العاملات بدار المسنين المرأة نزيلة الغرفة تونس (خديجة الوثيرة) الزوجة الثانية الشريرة لزوج ابنة خديجة العجوز الضريرة سوسن السكرتيرة لصادق أخوات صادق الإرث المسنة (ذات حساسية من مواد التنظيف) الأخصائية النفسية أم رؤى الشيطان الأفعى السوداء العملة بالدار حضور الاجتماع منهن (6) فقط لهن أسماء: تونس، نجاة، كاترين، رؤى، خديجة، سوسن. البقية (20) بالصفات. الشخصيات – الرجال سمير الابن وأسرته الطبيب الجار طبيب المستشفى الممرض العم (كفيل تونس) زوج تونس المتوفى أبو سمير الشيخ المسن (أبو الذكور) الابن الصغير (وليد) الابن الأكبر (أنس) الحارس (الباهت في تحول المديرة) زوج ابنة خديجة الكاذب العجوز (عبد الحميد تختلط عليه تونس وزوجة جاره براقصة) المسن (مات لإهمال الدار له) صادق أبو صادق (الإرث) الشرطي الأستاذ صالح (قريب المديرة) المعلم زوج سوسن حارس المطار الرجل أبو العاملة في المطار ابن صاحب المزرعة صديق صغر تونس الشيطان الأفعى السوداء العملة بالدار حضور الاجتماع منهم (6) فقط لهم أسماء: سمير، وليد، أنس، عبد الحميد، صادق، صالح. البقية (20) بالصفات ثالثًا) القضايا المثارة في رواية “عند غروبها أشرقت“يمكن الإشارة إلى ملاحظة عامة تخترق الرواية كلها وهي أن الشخصيات عموما سواء ذُكرت أسماؤها أو لم تُذكر تحمل تناقضات داخلية، والقصة يقع سردها بأساليب مختلفة في شكل حكاية أو في شكل خبر أو على سبيل التوضيح. غير المشترك بين الشخصيات وجود تقاطع مشترك ألا وهو كون كل شخصية بوابة لإشكال اجتماعي أو نفسي أو لإثارة معضلة اجتماعية أو نفسية أ) صراع الثنائيات بين الذوات حول مواضيع مختلفة أهمها: صراع الأجيال حول المفاهيم والتعايش والأخلاق العامة والأهداف من الأسرة والتربية كفالة الأيتام (تونس الفتاة اليتيمة مع عمها وزوجته وبناته) العنف بين الأزواج (سوسن نموذجا) علاقات التنافس والحسد (سمير / صادق) إشكالات العشرة والعلاقات العاطفية بين الأزواج ومسألة الكرامة بين المحبين علاقات التنافس والحسد (سمير / صادق) التنافس النسوي حول سمير الأم تونس/ كاترين الزوجة الأجنبية “بمن يضحي بالأم أم بالزوجة” (ص26) ب) الإشكاليات الاجتماعية العامة داخل الفضاء الاجتماعي: إشكالات التقاعد وعدم وجود مشاغل للمتقاعدين “المتقاعد ميت غير مقبور” صراع اختيارات الزواج بين متطلبات الشروط الأسرية وعواطف الشباب (سوسن نموذجا) الفراغ الذي تعيشه الأسر وخاصة الوالدان إثر استقلالية أبنائهم عنهما بطالة الشباب وأصحاب الشهادات وضياع الأعمار في انتظار العمل (رؤى نموذجا) تحدي الشباب في اختيارات الزواج وما له من عواقب وخيمة (هروب سوسن ضد إرادة أهلها) إشكاليات الزواج المختلط تونسي سمير / أجنبية كاترين مشاكل العقم لدى النساء (سوسن) إنجاب الإناث دون الذكور في المجتمع (ص19) تدخل الأمهات في شؤون الأزواج الإنجابية (موقف أم وجدة الصاق) الوساطات وقضاء الشؤون (الرجل وابنته في المطار) الحوار داخل الأسرة والتربية التشاورية (ص219) الميراث (الصادق / أخواته) “المعمل للصادق ولأختيه الزواج” ج) الإشكاليات الإدارية والسياسية: تجاهل المسؤولين لمهامهم ومسؤولياتهم (افتتاح نادي تعليم الكبار بدار المسنين نموذجا) الالتجاء للقانون في حال معرفة أن القانون في الصالح “نحن معك والقانون معك” رابعًا) الشخصيات والقضايا الفصل الأول الفراغ لدى الكبار والوحشة بعد فراق الأبناء التباهي بإنجاب الذكور دون الإناث (الفصل 19) وأم صادق نموذجا ما معنى الكرامة بين المحبين الميراث (صادق وأخواته) إشكالات التقاعد وأوقات الفراغ (الأستاذ صالح المعلم) اختيار الزوجة والزوج (سوسن) الهروب من الأسرة من أجل الزواج بمن نحب (سوسن) العنف بين الأزواج وفقدان الجنين (سوسن) الإنجاب وعدمه وتأثيره على الزواج العلاقات القانونية بين الأزواج والاحتكام للقانون الحوار داخل الأسرة (ص219) الحسد والسحر (صادق نموذجا) تجاهل المسؤولين لمهامهم تصارع الذوات النسوية (الكنة / الحماة) الزواج المختلط (تونسي/أجنبية) سمير/ كاترين تأثير التربية النموذج (سمير وأمه/كاترين وامها) بطالة أصحاب الشهادات (رؤى نموذجا)الشاعر والناقد عمر الشهباني