الأحد, أغسطس 9, 2026
الرئيسية » أنين العشق في مرآة التراث الشعبي: دراسة نقدية أدبية في نصّ الشاعرة التونسية حنان الشلي، بقلم الأديب الأردني د. حسن علي الفقعاوي

أنين العشق في مرآة التراث الشعبي: دراسة نقدية أدبية في نصّ الشاعرة التونسية حنان الشلي، بقلم الأديب الأردني د. حسن علي الفقعاوي

455 زائر 3 دقائق اقرأ

يُعدّ هذا النص للشاعرة والروائية حنان الشلي نموذجاً دالّاً على الشعر الوجداني الشعبي الذي يستمدّ قوته التعبيرية من البيئة التراثية ومن الذاكرة الجمعية، حيث تتداخل لغة العاطفة مع الحكمة الشعبية، ويتحوّل الحنين إلى فضاء سردي يختزن تجربة إنسانية عميقة قوامها الفقد والخذلان والاغتراب.

منذ المطلع:

“شبّت في ضلوعي النيران
والبخوت عيّت وما كانت تبيني”

تؤسس الشاعرة فضاءها الدرامي على ثنائية النار والحظ. فالنيران هنا ليست وصفاً حسياً، بل استعارة تراثية قديمة ترمز إلى لوعة العشق وأوجاع الفراق. وقد عرفت القصيدة العربية منذ الجاهلية صورة النار الكامنة في الصدر، فكان العشق ناراً لا تخبو، واحتراقاً داخلياً يستهلك الروح قبل الجسد. أما “البخوت” أو الحظوظ، فتظهر بوصفها قوة قدرية معاكسة لرغبات الذات، وهو تصور متجذر في الوعي الشعبي العربي الذي كثيراً ما يردّ خيبات الحب إلى تقلّبات الزمن وسوء المقادير.

وتبلغ الصورة الشعرية ذروتها في قولها:

“والّي هوّن عليه لفراڤ ما بان
بحور الكون ما تطفي حنيني”

هنا تنتقل الشاعرة من الواقعي إلى الكوني. فالفراق لم يعد حدثاً شخصياً محدوداً، بل صار جرحاً يتجاوز حدود المكان والزمن. إن المبالغة الفنية في استدعاء “بحور الكون” تمنح النص بعداً ملحمياً، وتجعل الحنين قوة تتحدى العناصر الطبيعية كلها. وقد رأى عبد القاهر الجرجاني أن قيمة الصورة البلاغية تكمن في قدرتها على نقل المعنى من حدوده المألوفة إلى أفق أكثر تأثيراً وإيحاءً، وهو ما يتحقق في هذه الصورة التي تجعل الحنين أكبر من البحر وأعمق من الماء.

وعلى المستوى النفسي، يتحول النص إلى مونولوج داخلي حزين يتجلى في التساؤل الشعبي المكثف:

“شالسّواة؟”

وهو سؤال بسيط ظاهرياً، لكنه يحمل ثقلاً درامياً كبيراً؛ إذ يكشف لحظة العجز الإنساني أمام أزمة لا يجد لها حلاً. فالاستفهام هنا ليس طلباً للجواب، وإنما هو صرخة وجودية تعبّر عن ضياع الذات أمام الفقد.

ويتجسد البعد العاطفي بوضوح في قولها:

“أكلّمه ما يردّ الجواب
والدّمع غرّڤ لهداب”

فالدمع هنا يؤدي وظيفة سردية ونفسية معاً. إنه لغة بديلة حين يفشل الحوار، وصوت داخلي حين يصمت الحبيب. ويذكّرنا هذا التوظيف بما أشار إليه ابن رشيق القيرواني في العمدة حين رأى أن الشعر الصادق هو ما خرج من معاناة حقيقية لا من صناعة لفظية مجردة.

ومن أبرز الجوانب الفنية في النص اعتماده على الحكمة الشعبية المضمرة. فالشاعرة لا تكتفي بسرد تجربة الفراق، بل تكشف عن أسبابها الاجتماعية:

“بسبّة النفوس الدنيّة
صرنا نمرّ مرور الأغراب”

وهنا يتحول النص من تجربة ذاتية إلى نقد اجتماعي. فالنفوس الدنيئة ليست أشخاصاً بعينهم، بل رمز لكل القوى التي تفسد العلاقات الإنسانية النقية. وهذه الرؤية تنتمي إلى التراث الشعبي الذي كثيراً ما يعزو انهيار العلاقات إلى الحسد والنميمة وسوء النيات.

كما تبرز في النص ثيمة الاغتراب التي تُعدّ من أقدم موضوعات الأدب العربي. فالتحول من الأحبة إلى الغرباء يشكل صدمة وجدانية عميقة، لأن الغربة هنا ليست مكانية، بل عاطفية وروحية. وقد وصف إدوارد سعيد الاغتراب بأنه شعور بانفصال الإنسان عن المجال الذي كان يمنحه الألفة والانتماء، وهو ما يتجسد بوضوح في هذا النص.

أما من الناحية التراثية، فإن النص يحافظ على خصائص الشعر الشعبي الأصيل من خلال:

  • الاعتماد على اللهجة المحلية بوصفها وعاءً للوجدان.
  • توظيف الأمثال والحكمة الضمنية.
  • البناء الغنائي القائم على الشكوى والبوح.
  • استحضار مفردات البيئة الشعبية مثل: البخوت، ثنية، هداب، رزية.
  • الإيقاع الداخلي الناتج عن التكرار والتنغيم الشفهي.

وهذه العناصر تمنح النص صدقه الفني وتجعله قريباً من المتلقي، لأن اللغة هنا ليست مجرد أداة تعبير، بل جزء من الهوية الثقافية للنص.

وفي المقطع الختامي:

“يا ليت ما حسبته مالأحباب
ولا خليته لڤلبي رزية”

تبلغ المأساة ذروتها؛ إذ تتحول المحبة إلى “رزية”، أي إلى مصيبة مقيمة في القلب. ويأتي أسلوب التمني ليؤكد استحالة العودة إلى الماضي، فالذات تدرك أن الندم لا يغير ما حدث، لكنه يبقى شاهداً على عمق الجرح.

وخلاصة القول، فإن نص حنان الشلي يمثل لوحة وجدانية تنتمي إلى التراث الشعري الشعبي العربي، وتجمع بين حرارة العاطفة وصدق التجربة وجمال الصورة. وقد نجحت الشاعرة في تحويل تجربة الفراق الفردية إلى خطاب إنساني عام يلامس قضايا الحب والخذلان والاغتراب، مستندة إلى لغة شعبية شفافة تحمل في طياتها حكمة الأجداد ووجع الإنسان في كل زمان. إنه نص يثبت أن الشعر الشعبي، حين يصدر عن تجربة صادقة، قادر على أن يبلغ من التأثير والجمال ما تبلغه أرفع النصوص الأدبية الفصيحة.

بقلم الأديب الناقد
الدكتور حسن علي الفقعاوي
الأردن

نص الشاعرة والروائية حنان الشلي

شبّت في ضلوعي النيران،
والبخوت عيّت وما كانت تبيني،

والّي هوّن عليه لفراڤ ما بان،
بحور الكون ما تطفي حنيني.

شالسّواة؟

والحبيب مِرتاب،
أكلّمه ما يردّ الجواب،

والدّمع غرّڤ لهداب،
وغيابه زوّد هالعذاب.

بسبّة النُّفوس الدِّنيّة،
صرنا نِمُرّ مرور الأغراب،

تهنا وما عاد نعرف لِنا ثِنيّة،
كيف… بعد هالعشڤ والرّاس الي شاب،
يتبع خطاوي الناس الرِّديّة.

مشى ورحل والجرح ما طاب،
وراحت أيّامنا الهنِيّة،

يا ليت ما حسبته مالأحباب،
ولا خلّيته لڤلبي رِزيّة.

الروائية والشاعرة حنان الشلي

  • أديب وناقد أردني
    الدكتور حسن علي الفقعاوي هو أكاديمي وأديب وناقد أردني، حاصل على درجة الدكتوراه، ويُعرف بنشاطه في مجالات التعليم والتأطير الثقافي والعمل الفكري. يشارك في مبادرات أكاديمية ومجتمعية تهتم بنشر ثقافة السلام والتنمية، وهو عضو في الاتحاد الدولي لمنظمات السلام العالمي، كما له حضور في المجال الأدبي والنقدي من خلال مساهماته الفكرية وكتاباته التي تعكس اهتمامه بالقضايا التربوية والثقافية وتعزيز الحوار المعرفي.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.