الصفحة الرئيسية المسرح مسرح الألم الضاحك: تحولات الكوميديا السوداء في تونس من التورية إلى المواجهة

مسرح الألم الضاحك: تحولات الكوميديا السوداء في تونس من التورية إلى المواجهة

261 زائر 5 دقائق اقرأ

من قهقهة “الماريشال” المدوية، ووصولًا إلى صمت مسرحية “تسونامي” المريب، قطع المسرح التونسي أشواطًا مهمة في البحث عن الذات وسط ركام الأزمات، حيث لم يعد الضحك على الخشبة مجرد ترفيه عابر أو “فودفيل” يداعب العواطف البسيطة، بل أصبح يغوص في أعماق الجرح التونسي. إنها “ضحكة الوجع” التي لم تعد تكتفي بنقد العادات والتقاليد، بل إنها تواجه التاريخ المسكوت عنه والسياسة وحتى الوجود الإنساني بمرارة غير مسبوقة، فكيف استطاعت الكوميديا السوداء أن تغير من آليات إضحاكها، مزيحة الرمزية عن عرشها لتتربع على سدة المشهد المسرحي التونسي المعاصر؟ وكيف تحولت التورية الخجولة خلف الستار إلى مواجهة صدامية مباشرة مع الواقع؟

البدايات الأولى للكوميديا المسرحية في تونس

منذ نشأته في فجر الاستقلال، شهد المسرح الكوميدي ثورة في تونس بدمج الكوميديا الشعبية بالمسرح الجاد، وقد قاد علي بن عياد هذا التحول المسرحي، فكانت الحصيلة إنتاجات خالدة، أبرزها مسرحية “الماريشال”، أداها خيرة من الممثلين باللهجة التونسية العامية، مقتبسة من مسرح موليير.

ثم تنامى إرث الكوميديا المسرحية في فترة السبعينات، خاصة بعد تأسيس فرقة مسرح الجنوب بقفصة سنة 1972 على يد ثلة من المسرحيين، أبرزهم محمد رجاء فرحات وفاضل الجزيري ورؤوف كوكة، وقد تميزت بأعمال كوميدية خالدة إلى اليوم تقوم على النقد اللاذع للمجتمع، واتسمت بالجرأة خاصة في معالجة عديد المسائل الحساسة، كبيروقراطية الإدارة والمحسوبية، وخطّت بذلك النواة الأولى للكوميديا السوداء.

من النقد الاجتماعي إلى التورية السياسية

تطورت الكوميديا المسرحية في الثمانينات بظهور المسرح الفردي “الوان مان شو”، وقد تزعمه كل من الممثل القدير لمين النهدي ونور الدين بن عياد، معتمدين على النقد الاجتماعي الساخر غير المباشر من جهة، واعتماد آليات إضحاك تقليدية تقوم على نقد واقع التونسي من خلال المراوحة بين ثنائيات اجتماعية، كوضعية الفقير والغني، والجاهل والمتعلم، ورجل الريف والمدينة، عبر التهكم على اللهجات وبعض العادات، مقابل تطرق محتشم ونقد رمزي للواقع السياسي آنذاك.

ولئن برز مسرح العرائس في فترة التسعينات بأعمال فنية رائعة، كالقلابس، ونقدها للواقع الاجتماعي، إلا أن آليات الكوميديا لم تتطور، بل حافظت على عدم مجابهتها للقضايا الراهنة في تلك الفترة، تجنبًا للصدام مع الواقع، وهذا يعود للوضع السياسي الذي كانت تعيشه البلاد من رقابة.

ثورة 2011 وتحطم جدار الصمت

بعد تحطم جدار الصمت في ثورة 2011، سطع نجم جيل جديد من المسرحيين الكوميديين الشبان، فقد شهد المسرح الكوميدي من خلالهم تحررًا كبيرًا وانفتاحًا على كامل أطياف المجتمع، وقد تصدر “الوان مان شو” واجهة مسرح الكوميديا السوداء، وهي نوع من الكوميديا يبحث عن الفكاهة في أماكن غير متوقعة.

إذ يرى فرويد، في كتابه “النكتة وعلاقتها باللاوعي”، أن الضحك، حتى في أكثر أشكاله سوداوية، يعتبر آلية نفسية لتحرير التوتر الناتج عن موضوعات مؤلمة أو مكبوتة، وبناءً على هذا الطرح يمكن تقديم الكوميديا السوداء على أنها شكل من أشكال التعبير الكوميدي الذي يتيح تفريغ القلق المرتبط بموضوعات مأساوية عبر تحويلها إلى مادة ساخرة، بما يسمح للمتلقي بمواجهة ما هو صادم أو محظور نفسيًا بطريقة غير مباشرة.

ويتمثل دورها في إيجاد الجانب المشرق للمواضيع الصعبة، كالحرب والمرض والظلم، بقالب فكاهي صادم يثير الضحك من جهة ويوجع الوعي من جهة أخرى.

تحولات آليات الإضحاك

لاحظنا من خلال أعمال مسرحية فردية تحولًا في آليات الإضحاك فيها من الرمزية إلى الصدام، أي من الاستعارة والتورية إلى المواجهة المباشرة، فقد قدم طرحًا مغايرًا للسابق بطرق وآليات أكثر عمقًا، موظفين الفلسفة الاجتماعية والتاريخ في نصوصهم وحتى من خلال علوم الرياضيات والفيزياء، وخلق جو نقدي ساخر يعري المجتمع والواقع.

فالمسرحي ياسين الصالحي، من خلال مسرحيته “ياسين الصالحي ما يضحكنيش”، كسر القواعد التقليدية للفكاهة وارتقى بها نحو مراتب متقدمة في معالجة القضايا الراهنة، وفي مسرحية “مورسطان”، كعمل جماعي، استخدمت الكوميديا السوداء لمعالجة عيوب المجتمع ونفاق النخب بالاعتماد على أسلوب سريالي يتجاوز خط الضحك السطحي والتهريج.

الكوميديا السوداء كأداة مواجهة

كسر الجيل المسرحي الجديد التابوهات “المحرَّمات” الاجتماعية والسياسية، فتحولت إلى أداة مواجهة فكرية وسياسية مباشرة تعيد مساءلة الواقع بجرأة غير مسبوقة، منتقلًا من الفودفيل إلى النقد الفلسفي.

وقد لمسناه في عديد الأعمال، كمسرحية “دونالد” للممثل عصام عياري، والتي مثلت التناقضات بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي بأسلوب فكري ومنطقي عميق، كما استخدم التراث الإنساني والأساطير الشعبية القديمة في الإضحاك، من خلال أعمال فنية، كمسرحية “وصايا والديك” للمخرج وليد الدغسني، و”تسونامي” لفاضل الجعايبي، والتي أُسقطت فيها الميثولوجيا لنقد الاستبداد وتفكك الوعي المجتمعي، مما أضفى عمقًا فلسفيًا على آليات الإضحاك.

كما وظفت تقنيات الذكاء الاصطناعي للكوميديا السوداء كوسيلة إضحاك محدثة، عبر محاكاة للشخصيات بطريقة هزلية ساخرة، وهذا تجلى في مسرحية “الوان مان شو” “بابا نوال” لصابر الوسلاتي.

تحولات التلقي والجمهور

تمكن الجيل الرابع في المسرح الكوميدي من الانتقال بوظيفة الإضحاك من المعالجة التقليدية إلى إثارة عدم الارتياح لدى المشاهد، فالضحك لا يجعله مرتاحًا، بل يجعله في مواجهة صادمة مع الحقيقة المريرة وارتباك دائم، خاصة في القضايا التي تتعلق بالذات، مما يجعل الألم والدموع يوازيان الضحك في نفس اللحظة، وهو ما يعرف بفكاهة المشنقة.

وقد أصبحت الكوميديا السوداء التيار السائد والمهيمن في المسرح التونسي الحديث، حيث لم يعد هناك فصل حاد بين الضحك والجد، بل أصبحت السخرية هي الوسيلة الأساسية لتمرير الخطاب السياسي والاجتماعي في أغلب هذه الإنتاجات.

إذ مثلت نسبة الأعمال الكوميدية في المهرجان الوطني للمسرح التونسي، حسب إحصائيات إدارة المهرجان، قرابة %40 من الأعمال المختارة، وقدرت بـ14 عملًا مسرحيًا، و%30 من إجمالي العروض في أيام قرطاج المسرحية لسنة 2025، وتعد نسبًا هامة بالمقارنة مع السنوات الفارطة، مع تصاعد ملحوظ للكوميديا السوداء التي صارت تحظى بعروض افتتاحية وإعادة برمجة، وهو ما يعكس إقبالًا جماهيريًا متزايدًا رغم طبيعتها النخبوية نسبيًا.

ويتمثل جمهور الكوميديا السوداء في تونس أساسًا من فئة شبابية تتراوح أعمارها بين 18 و35 سنة، حيث تنتمي في الغالب إلى الطبقة الوسطى المتعلمة والمتمركزة في المدن الكبرى، وتمتلك هذه الفئة الأدوات الثقافية لتلقي السخرية المركبة واستيعاب أبعادها النقدية، في حين يظل حضورها محدودًا نسبيًا لدى الفئات الأكبر سنًا والطبقات الشعبية بسبب طابعها الصادم والنخبوي.

التحديات والإشكاليات

لم يقتصر دور الجيل الجديد للكوميديا السوداء في تونس على تطوير آليات الإضحاك فقط، بل أحدث تغييرًا في سيكولوجية التلقي عند الجماهير، حيث يجد المتفرج نفسه مدفوعًا للضحك على قضايا تمس ذاته أو معتقداته أو حتى أوجاعه اليومية، مما يخلق حالة من الارتباك بين الرغبة في الضحك والشعور بالذنب أو الصدمة، فهي تعتبر كوميديا المرآة، والتي لا تكتفي بنقد السلطة والمجتمع، بل تجبر المشاهد على مواجهة تناقضاته وقبحه الداخلي، ليتحول الضحك من وسيلة للتسلية وتفريغ الكبت إلى أداة مكاشفة ومواجهة مع الوجودية القاسية.

ورغم الصعود الباهر للكوميديا السوداء والتطور الذي شهدته آليات الإضحاك، متزامنة مع التحولات الاجتماعية والسياسية للبلاد، إلا أنها بقيت أمام تحديات عديدة، لعل أبرزها ضعف الإنتاج، خاصة مع غياب التمويل العمومي، إضافة إلى سيطرة المسرح الفردي وتحوله إلى رهان شبه كلي من خلال “الوان مان شو”، مما أدى إلى تراجع الإنتاجات الجماعية، والتي بدورها تتطلب إمكانيات مادية وتقنية ضخمة.

إضافة إلى ضعف التوزيع الداخلي، حيث تتركز أغلب العروض النوعية في العاصمة والمهرجانات الكبرى، مثل أيام قرطاج المسرحية، مما يحرم جمهور الجهات الداخلية من مواكبة هذا التطور في آليات الإضحاك، كما ساهمت هذه الفجوة الجغرافية في جعل الكوميديا السوداء تبدو كفن نخبوي خاص بسكان المدن الكبرى، مما يضعف من قدرتها على أن تكون أداة مواجهة اجتماعية شاملة لكل أطياف المجتمع التونسي.

كما توجه بعض المسرحيين، من خلال بعض الأعمال المسرحية، لاستخدام مفاهيم علمية وفلسفية معقدة، وقد خلقت حاجزًا بين العرض والجمهور العريض، مما يحد من انتشار الرسالة النقدية، حيث تحول النخبوية المفرطة في الأعمال دون وصول “ضحكة الوجع” إلى من هم ربما الأكثر حاجة إليها للتعبير عن معاناتهم اليومية.

خاتمة

أمام هذا التحول الجذري في آليات الإضحاك، يجد المسرح التونسي نفسه اليوم في مواجهة استحقاقات جديدة تتجاوز حدود الجرأة الفنية، لتصطدم بالواقع المؤسساتي الهش والجغرافي غير المتوازن.

فبينما نجح الجيل الرابع في تحويل الكوميديا السوداء إلى أداة نقدية نافذة، يظل الرهان الحقيقي مرتبطًا بمدى قدرة الدولة والقطاع الخاص على توفير بدائل تمويلية تحمي هذا الصنف الفريد من الكوميديا البنّاءة والهادفة، وكسر المركزية الثقافية، وتعميم عروض “ضحكة الوجع” في الأقاليم الداخلية، والذي لم يعد مجرد مطلب تنموي، بل هو ضرورة فنية لضمان عدم تحول هذا الإبداع إلى فن نخبوي معزول عن حاضنته الشعبية.

الكاتب محمد بن كريّم

  • مدون تونسي
    مدون كتب مجموعة من المقالات والنصوص الأدبية، ويهتم بالتاريخ والنقد المسرحي، كما أنه عضو في نادي مسار للرواية.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.