30 الإنسان اليمني مهيأ لأن يكون شاعرًا أو مجنونًا أو بين بين؛ تزيد ظروف هذه الأيام التعيسة من احتمالية أن يُرى روائيًا مغمورًا…! وليس بالغريب أن يكثر فينا الآن مدّعو النبوة والمهدوية، فخيال الإنسان اليمني ملتهب، يعيش الأوهام منذ طفولته، والفكر الأسطوري، وذهان القات وهذيانه! تربط الدراسات الحديثة بين تطور قشرة الدماغ للإنسان والإبداع، بين الخيال والفن، السحر والشعر، الإيمان بالغيبيات والخرافات، فالأصل واحد، إنما البدايات تكون دومًا جنوبية! تسربت بعض حكايات الجن الجنوبية إلى السرديات الإسلامية المبكرة ووثقت، مخصبة بمخيلة يمانية، بمرويات كعب الأحبار وابن شُريه والأنصاري، ويمكن مقارنتها بأساطير وخرافات الحضارات الأخرى من كل الجوانب. الرقية الشرعية وغير الشرعية بالمعوذات والملفوظات، الحروز والتمائم، اتخذت مضادات منذ وقت مبكر لمكافحة همزات الجن والشياطين، وحضورها الحقيقي أو المتوهم، وشغبها المزعج المؤثر؛ بل المميت، لكن تظل ثمة مغامرات اتصالية وعلاقات خفية معترف بها مع هذه الكائنات المخيفة، تتمظهر في التوابع والهواجس، وحلائل الشعر. تجلت هذه العلاقة في ترانيم معينة تعرف بحفلات «الزار» ذات الإيقاعات الطقسية السحرية، والملفوظات والتمتمات غير المفهومة التي ليس لها معنى إلا في قواميس الكهان والمشعوذين الدجالين، ومخاوي الجن… نلمحها في مزامير رقصة الليوة الشعبية ونسمعها، و«يا مّه شلنجي بغينا المكلا، ويا جنية روحي لي…»، مشاهدين فعلها الحركي وأثرها في المريدين عيانًا. وقوفًا على أغنية «يا جنية روحي لي، ما معاش بيدك هبيلي…» بالتفصيل فيما بعد، واستيهاماتها، وهي أغنية تهامية طقسية قبل أن تشعبن، مجهولة المصدر، ينجح الفنان المخضرم (عبود خواجة) في تمثل طقسها، مغامرًا برصيده النضالي والفني، دون أن تمسه عين (الجنية) المناطقية، ولا أظن أن لعظام أجداد الفنان (خواجة) وأنوارهم الهاشمية علاقة بالأمر، وإلا فإن العظام طعام إخوتنا الجن. كنا إذا سقط علينا شيء يؤكل، تأنف نفوسنا أن نأخذه، ولو كان شيئًا مشتهى، لا لأنه صار ملوثًا!!… بل لخرافة حيث يكون القول: «لحسته الجنية»، ويحصل «الفعل» كوسيلة تربوية ثقافية للتوقف عن أكل هذا المأكول الساقط بعد تلوثه… هكذا تلهب أمهاتنا وثقافتنا خيالاتنا منذ الطفولة، وتشعل المخيلة بالخوارق والصور الملتبسة، وتراسل الحواس. أبو ذيله و(صياد) وأم الصبيان لا تأخذكم. سيقودنا هذا الفعل وما سبق إلى الحفر في الرواسب الثقافية وحضور الجن الرمزي «المادي» والتاريخي، بل وحتى السياسي والوظيفي في اليمن؛ إذ تحكي السرديات العربية ما يثبت علاقة عريقة لليمانيين بمعشر الجن ومعاشرتهم لها. جاء في كتاب الإكليل لأبي الحسن الهمداني، أن لكل تبع يماني من التبابعة أربعة من الجن، وهي تسكن جبالًا حوالي صنعاء! وكانت العرب ترى بأن قصر غمدان العجائبي أقامته الجن وهندسته وأعلت طوابقه، مع باقي قصور اليمن ومعابدها البديعة، وهذا دليل مادي ملموس -كما يعتقدون- على أن الجن كانت تخدم ملوك اليمن، حتى قالوا إنهم كانوا يأتونهم بفواكه بلاد السند والهند. وفي سورة سبأ: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ … يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾. يتبع في قادم الأيام بحول الله مجيب الرحمن الوصابيباحث – اليمن