98 لستُ أذكر متى أصبحتُ فارغًا. أذكر فقط أن أول من غادرني لم يُغلق الباب، تركه مواربًا، ومنذ ذلك اليوم وأنا أجمع الغياب كما يجمع البحر أمواجه المتكسرة. مرَّ عليَّ عاشق، وترك على خشبي رعشة يدٍ أحجمت عن العناق في اللحظة الأخيرة… وجلس عليَّ شاعر، ونسي بيتًا كاملًا بين مسمارين، فصرتُ أردده للغبار كلما دخلت الشمس من النافذة. وأتتني امرأة تخفي دمعها خلف ابتسامة مهذبة، وتبكي أيامها المهدورة. وحين نهضت، بقي الحزن جالسًا، ورحلت هي. أنا الوحيد الذي يعرف أوزان الأرواح، فالأجساد متشابهة، أما الخيبات، فلكل واحدة منها وزنها الخاص. كم من إنسان جلس منتصبًا، وكان من داخله ينهار كبناية مهجورة. وكم من آخر ضحك حتى ارتعشت قوائمي، بينما كان الموت يرتب له مقعدًا في الجهة الأخرى من الحياة. أنا لا أشكو الفراغ. الفراغ هو أن يمر بك الجميع دون أن يترك أثرًا يشبهه. أعتقد أن البشر يشبهون الكراسي أكثر مما يعترفون؛ يقضون أعمارهم في حمل الآخرين، ثم يكتشفون، متأخرين، أنهم لم يجدوا من يجلس دقيقة واحدة إلى جوار وحدتهم. ليلًا، حين ينام المنزل، أسمع الخشب يصلي للشجرة التي كانتها روحي يومًا، وأسمع المسامير تعتذر للجروح التي أسكتتها. فأحلم بذلك الإنسان الذي سيجلس عليَّ يومًا ليصالح قلبه. عندها فقط… سأتوقف عن كتابة هذه المذكّرات. مجيدة محمديشاعرة وكاتبة – تونس