6 منذ فجر التاريخ شكل الدين أحد أهم منابع الإلهام الفني في مختلف الحضارات والديانات، حيث سعى الإنسان عبر الفنون إلى التعبير عن المقدس وترجمة معاني الجمال والسمو الروحي في أشكال إبداعية متعددة. فالمعابد والكنائس والمساجد، كما الموسيقى والترانيم والشعر والرموز البصرية، لم تكن مجرد تعبيرات جمالية عابرة، بل كانت لغة رمزية عميقة تعكس علاقة الإنسان بالمعنى والروح والجمال. وهكذا أسهمت الديانات المختلفة، كل وفق رؤيتها للعالم والوجود، في تشكيل تراث فني وحضاري ثري ظل شاهدا على تفاعل الروحي بالجمالي في مسيرة الإنسانية. وفي الحضارة العربية الإسلامية احتلت الجماليات منزلة خاصة ضمن الرؤية الفكرية والحضارية، حيث تجلى مفهوم الجمال في مختلف مظاهر الإبداع، من العمارة التي أبدعت في تشييد المساجد والقصور، إلى فنون الزخرفة والخط العربي، وصولا إلى الشعر والموسيقى ومجالس الأدب. غير أن هذا الحضور لم يخل من الجدل، فقد شكلت الفنون والجماليات موضوع اختلاف بين العلماء والفقهاء، فتباينت المواقف بين التحليل والتحريم والمكروه، وفتحت هذه المسائل بابا واسعا للاجتهاد والتأويل والفتاوى. ومع ذلك ظلت الفنون حاضرة بقوة في الحياة الثقافية والاجتماعية، وهو ما تعكسه العديد من كتب التراث التي وثقت لثراء المجالس الفكرية والأدبية في تلك العصور. ومن أبرز هذه المؤلفات كتاب “الأغاني ” لأبي الفرج الأصفهاني، الذي يعد من النصوص الأدبية والفكرية العميقة التي تناولت قضايا الفكر والجمال والحياة الثقافية في إطار حوارات ومسامرات ثرية. وقد كان هذا الكتاب موضوع بحث أكاديمي نال حوله الأستاذ الصحبي العلوي درجة الدكتوراه، في قراءة علمية أعادت إضاءة أحد النصوص التراثية التي تعكس حيوية الفكر والجمال في الحضارة العربية الإسلامية. وقد شكلت هذه المحاور موضوع لقاء حواري فكري احتضنته المكتبة الجهوية بجندوبة تحت إشراف المديرة مفيدة الغزواني، في إطار تظاهرة رمضان في مكتبتي نقرأ لنرتقي، بحضور جمع من الأساتذة والمثقفين والمهتمين بالشأن الفكري والثقافي. وكان هذا الموعد الثقافي مناسبة لفتح باب النقاش حول علاقة الدين بالفنون واستحضار مكانة الجماليات في التراث العربي الإسلامي، في أجواء فكرية ثرية أكدت الدور الذي تضطلع به المكتبات العمومية في تنشيط الحياة الثقافية وإحياء الحوار المعرفي. الصحافية عبير الغزواني