226 آفة الإنسان ليست جهله، بل نفاقه حين يتزيّا بثوب الحكمة، وتنطّعه بغير هدى.أن يقول ما لا يفعل، وأن يرفع صوته بالفضيلة بينما يمارس الرذيلة في الخفاء، هو أخطر أشكال الخراب؛ لأنه لا يدمّر القيم فقط، بل يفرغها من معناها ويحوّلها إلى شعارات جوفاء. نراه كطائرٍ يرفرف جناحيه في قفصٍ من زجاج؛ يظن نفسه حرًّا لأن القفص شفاف، ولأن التصفيق يرافق حركته، لكنه لا يدرك أن الزجاج، مهما بدا نقيًّا، يظلّ حاجزًا. هذا الطائر لا يطير، بل يستهلك طاقته في الدوران داخل الوهم. كذلك الإنسان المنافق: كثير الحركة، كثير الكلام، قليل الأثر. التنطّع بغير هدى هو الوجه الآخر للنفاق؛ ادّعاء امتلاك الحقيقة كاملة، وتحويل الرأي إلى سيف، والاختلاف إلى خيانة. المتنطّع لا يبحث عن فهم، بل عن تفوّق، ولا يسأل ليتعلّم، بل ليُدين. وحين يجتمع النفاق والتنطّع، تولد كائنات تصرخ باسم القيم وتغتالها في الوقت نفسه. الأخطر أن هذا السلوك صار مُكافَأً اجتماعيًا؛ فكلما كان الخطاب أعلى، كان التصفيق أكثر، وكلما غاب الفعل، زادت المنابر. هكذا يتحوّل الزيف إلى نموذج، ويُتَّهَم الصادق بالسذاجة، ويُلاحَق المختلف لأنه كسر إجماع القفص. لن ينجو الإنسان ما دام يكتفي برفرفةٍ داخل حدودٍ آمنة، وما دام يفضّل صورة الطيران على مخاطره. الحرية ليست في شفافية القفص، بل في كسره. والصدق ليس شعارًا يُرفع، بل ثمنًا يُدفع. أما النفاق، فمهما طال تحليقه، سيظلّ عاجزًا عن لمس السماء. الكاتبة المصرية هدى حجاجي أحمد