147 تتجلّى حياة الشاعر كتجربة وجودية تتجاوز حدود الزمن والحدث، لتصبح وعيًا متحرّكًا بالذات والعالم. فالشاعر لا يعيش الحياة كما تُعاش عادة، بل كما تُفهم وتُسائل. ومن هنا، لا تكون حياته مجرد مسار شخصي، بل مشروعًا فكريًا وإنسانيًا يسعى إلى اكتشاف المعنى وسط تعقيد الوجود. يعيش الشاعر داخل المعنى أكثر مما يعيش داخل الواقع الظاهر. فالأحداث لا تكتسب قيمتها لديه من شدّتها، بل من قدرتها على إثارة السؤال. ولهذا يتحوّل الألم في حياة الشاعر من تجربة سلبية إلى لحظة وعي، ومن عبء ثقيل إلى أفق للتأمّل. إن إيجابية حياة الشاعر لا تكمن في خلوّها من المعاناة، بل في قدرته على استيعابها وتحويلها إلى فهم. ومن منظور وجودي، يدرك الشاعر أن الحياة لا تقدّم معنى جاهزًا، وأن الإنسان مسؤول عن خلق قيمته الخاصة. فاختيار الشعر ليس صدفة، بل موقف حرّ في مواجهة العبث والصمت. بالكلمة يؤكّد الشاعر وجوده، ويمنح ذاته شكلًا في عالم متغيّر. وهكذا تصبح الكتابة فعل مقاومة هادئة، لا ضدّ الواقع، بل ضدّ الفراغ. كما أن الشاعر لا ينغلق داخل ذاته، رغم عمق تأمّله، بل يجعل من تجربته الفردية مرآة للتجربة الإنسانية العامة. فالكلمة عنده ليست زينة لغوية، بل أداة فلسفية تفسّر الوجود وتعيد تنظيم الفوضى. ومن خلال هذا الفعل تتحوّل حياته إلى مساحة تواصل، وجسر يربط بين الذات والآخر، وبين الفكر والإحساس. وخلاصة القول، إن حياة الشاعر حياة إيجابية لأنها قائمة على الوعي لا على الإنكار، وعلى الخلق لا على الاستسلام. فهو لا يهرب من قسوة الوجود، بل يواجهها بالفهم والمعنى، ويحوّل التجربة الإنسانية إلى أثر فكري وجمالي. وبهذا تصبح حياة الشاعر مشروعًا فلسفيًا مفتوحًا، غايته أن يمنح للحياة معنى، وللإنسان أفقًا أوسع للوجود. وفي سياق هذه الرحلة نجد أن حياة الشاعر ليست مجرد سلسلة من المشاعر أو الأحداث، بل هي بناء متواصل للوعي والذات. فالشاعر يعيش تجربة فريدة من نوعها، حيث يصبح الزمن عنده أكثر عمقًا؛ كل لحظة هي فرصة لاكتشاف جانب جديد من الوجود، وكل تجربة، سواء كانت ألمًا أو فرحًا، تصبح مادة للمعرفة والتأمل. ومن جديد تتجلّى قوته في القدرة على تحويل الصمت إلى كلام، والفراغ إلى معنى، والانكسار إلى بناء داخلي يثري شخصيته ويعمّق رؤيته للعالم. إن إدراكه للزمن والذاكرة يجعل من حياته نصًا مفتوحًا، كل سطر فيه يعبّر عن تفاعل الإنسان مع العالم من حوله، وعن سعيه لتجاوز حدود الفردية للوصول إلى قيمة إنسانية عامة. كما أن الشاعر، بخلاف الآخرين، يمتلك قدرة استثنائية على رؤية الروابط الخفية بين الأشياء: بين الألم والفرح، بين الفوضى والنظام، وبين الحياة والموت. فهذه القدرة تمنحه موقفًا فلسفيًا لا يقتصر على وصف الواقع، بل على تفسيره وإعادة تشكيله. إنه لا يكتب فقط ليعبّر عن نفسه، بل ليحفر أثرًا في وعي الآخرين، ليذكّرهم بأن الإنسان قادر على تحويل تجربة بسيطة أو عابرة إلى لحظة إدراك عميقة. ومن خلال هذه الممارسة تصبح الكتابة ليست وسيلة للهرب من الحياة، بل أداة للحوار معها، ووسيلة لتشكيل فهم أوسع للوجود، وإضاءة طرق جديدة أمام الإنسان ليختار حياته ويصنع معنى كل يوم. وهكذا تتضح طبيعة حياة الشاعر الإيجابية على نحو أعمق؛ فهي حياة من الانفتاح على التجربة، والوعي العميق بالذات، والبحث المستمر عن المعنى في كل شيء. فالشاعر يعيش مع الآخر ومع العالم، يحاور الألم، ويقدّر الفرح، ويجعل من كل لحظة فرصة لاكتشاف جديد، ومن كل كلمة صادرة منه صدىً يربط الإنسان بالحياة من حوله. وفي نهاية المطاف تصبح حياة الشاعر شهادة على أن الإنسان، بالكلمة والوعي، قادر على أن يحوّل تجربة حياته إلى مشروع فلسفي حقيقي يمزج بين الجمال والمعرفة والمعنى، ويترك أثرًا خالدًا في العالم، بعيدًا عن العدمية والفراغ، وملهمًا لكل من يسعى لفهم وجوده بعمق. الكاتبة والشاعرة نعمة البساري