84 شهد التعليم في تونس تحوّلات عميقة في الفترتين الحديثة والمعاصرة، وقد ارتبطت هذه التحوّلات ارتباطا وثيقا بالتغيّرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عرفها المجتمع التونسي.انتقل النظام التعليمي في تونس من أنماط تقليدية ذات طابع ديني محلّي، تمثلت أساسا في التعليم الزيتوني والكتاتيب، إلى منظومة تعليمية عصرية تسعى إلى الاستجابة لمتطلبات الدولة الوطنية والانفتاح على النماذج الغربية. وشكّل التعليم في البلاد التونسية بعد الاستقلال أحد الركائز الأساسية لبناء الدولة الوطنية الحديثة وتحديث المجتمع التونسي. ولعب التعليم في تونس المستقلة دورا محوريا في تكوين رأس المال البشري وترسيخ قيم المواطنة والاندماج الاجتماعي. وقد مرّ من تعميم التعليم ومجانيته إلى إصلاح المناهج وصولا إلى الانفتاح على التكنولوجيا الحديثة والرقمنة.بقي التعليم التونسي رغم تعدد أزماته مجالا دائم التحوّل وإعادة التشكل، لكن التحوّلات السياسية والاقتصادية والثقافية التي طرأت على البلاد أفرزت إشكاليات متعددة تتعلق بجودة التعليم وتكافؤ الفرص في ظل انتشار التعليم الخاص. الإشكاليّة المركزيةإلى أيّ مدى ساهمت التحوّلات التي عرفها النظام التعليمي في تونس في تطوير جودة التعليم وتحقيق العدالة التعليمية؟كيف أثرت تحوّلات النظام التعليمي في تونس على إعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية؟ وهل نجح النظام التعليمي في أداء دوره كآلية للإدماج الاجتماعي في ظلّ التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المجتمع التونسي؟ أولا: هيمنة التعليم التقليدي خلال الفترة الحديثة: مثّل التعليم التقليدي في البلاد التونسية أحد أهم الحقول التي تداخل فيها الديني بالاجتماعي والسياسي. وشهد هذا النمط من التعليم تحوّلات عميقة بفعل الإصلاحات الداخلية من جهة والضغط الاستعماري وبروز الدولة الوطنية الحديثة من جهة أخرى. 1 / ملامح التعليم التقليدي في الفترة الحديثة: تركز التعليم التقليدي حول المؤسسات الدينية وفي مقدمتها جامع الزيتونة إضافة إلى الكتاتيب والزوايا.الكُتّاب: يعد الفضاء الأولي لتعليم القراءة وحفظ القرآن، وهو موجه إلى أبناء الفئات الفقيرة والمتوسطة.الزوايا: كان لها دور بارز في التعليم الديني خاصة في الأوساط الريفيّة.يحتل المدرس في منظومة التعليم التقليدي موقعا هاما، إذ لا ينظر إليه كمجرد ناقل للمعرفة فقط، بل يعدّ حاملا لها ومجسدا لشرعيتها.لا تعتبر المعرفة ضمن هذا السياق مادة علمية فقط، بل تمثل رأس مال رمزي يمنح المدرّس مكانة اجتماعية وسلطة أخلاقية.ففي نظام التعليم التقليدي خاصة الديني تُبنى العلاقة بين المدرّس والمعرفة على أساس القداسة ويتجلى ذلك من خلال:ارتباط المعرفة بالنص الديني (القرآن، الحديث، الفقه…).المدرس وسيطا بين النص والمتعلم.تقوم علاقة المدرس بالمعرفة في التعليم التقليدي على منطق النقل والحفظ أكثر من إنتاج المعرفة.تمتاز العلاقة التعليمية بين المعلم والمتعلم بطابع عمودي:المدرّس مصدر الحقيقة.المتعلم في موقع التلقّي والطاعة.آليات الضبط (العقاب، الهيبة، الاحترام المطلق).تظهر القراءة السوسيو-معرفية أنّ المدرّس في التعليم التقليدي لا يملك المعرفة فقط بل يتماهى معها، إذ تعدّ هذه المعرفة مصدر سلطته ومبرّر مكانته وأداة ضبط اجتماعي. لكن هذه العلاقة القائمة على القداسة والنقل أصبحت موضع مساءلة مع تحوّلات المجتمع الحديث. 2 / مراحل التعليم التقليدي ومناهجه: كانت قائمة على التعليم الحر داخل جامع الزيتونة بدون تقسيم عمري صارم: المرحلة الأولى: التعليم القرآني (الكتّاب): تقتصر على حفظ القرآن وتعلم القراءة والكتابة فقط. المرحلة الثانية: تدور داخل جامع الزيتونة أو داخل فروعه. وتدرّس خلال هذه المرحلة بعض المواد مثل البلاغة والفقه المالكي والتفسير والحديث واللغة العربية.وتختم هذه المرحلة بحصول الطالب على شهادة الأهلية أو التحصيل. ثانيا: بوادر التعليم العصري في تونس خلال القرن التاسع عشر: عرفت البلاد التونسية خلال القرن التاسع عشر تحوّلات عميقة على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية، فرضتها التحديات الداخلية من جهة وضغوط التغلغل الأوروبي من جهة ثانية. وضمن هذا السياق برزت مسألة إصلاح التعليم كأحد أهم رهانات تحديث الدولة.لم يعد التعليم التقليدي القائم على الكتاتيب وجامع الزيتونة قادرا وحده على تلبية حاجيات الدولة في القرن التاسع عشر، ومن هنا ظهرت بوادر التعليم العصري باعتباره وسيلة لإصلاح الإدارة والجيش وبناء نخبة قادرة على مواكبة التحولات الدولية. 1 / دوافع ظهور التعليم العصري في تونس: ارتبط بروز التعليم العصري في تونس بعدّة عوامل لعلّ أهمها:ضعف الدولة أمام القوى الأوروبية عسكريا وتقنيا بعد غزو الجزائر سنة 1830.الرغبة في تحديث الجيش والإدارة لمواجهة الغزو الأجنبي.تأثر النخبة الحاكمة بالتجارب الإصلاحية في البلدان العربية والدولة العثمانية مثل إصلاحات محمد علي باشا في مصر.إدراك المصلحين أنّ الإصلاح السياسي يستوجب إصلاحا تعليميا. 2 / نواة التعليم العصري في تونس: من مدرسة باردو الحربية إلى المدرسة الصادقية: تأسست المدرسة الحربية بباردو سنة 1840 على يد المشير أحمد باي بهدف تكوين جيش عصري على النمط الأوروبي قادر على حماية البلاد من الخطر الخارجي.وكانت هذه المؤسسة تدرّس مختلف العلوم العصرية مثل الهندسة والطبوغرافيا واللغات الأجنبية (خاصة الفرنسية) والعلوم العسكرية.كان هذا التعليم موجها لفئة محدودة وتحديدا النخبة العسكرية، وكانت الغاية منه خدمة الدولة وليس المجتمع ككل.مثّل تأسيس المدرسة الحربية بباردو أول خطوة نحو التعليم العصري في تونس. تأسست المدرسة الصادقية من قبل خير الدين باشا سنة 1875 في سياق مشروع إصلاحي شامل من أجل محاولة التوفيق بين الأصالة والحداثة إضافة إلى الخوف من الهيمنة الثقافية الأوروبية.جمع النموذج الصادقي بين العلوم العصرية (رياضيات، علوم، لغات) وبين العلوم الإسلامية.أدخلت غداة تأسيس المدرسة الصادقية طرائق تدريس جديدة قطعت مع التلقين والحفظ، وأصبح التعليم يقوم على الفهم والاستيعاب واعتماد الشرح المنهجي واعتماد أكثر من لغة في العملية التربوية، وكان الهدف من ذلك الانفتاح على المعارف الحديثة دون القطيعة مع الهوية المحلية.أصبح دور المعلّم موجها ومنظما، فقد أصبح المدرّس بمثابة منشط داخل الفصل وليس مصدر المعرفة.أدّى التعليم الصادقي إلى بروز نخبة إصلاحية حديثة وإلى تشكل وعي سياسي وثقافي جديد. يمثل الانتقال من المدرسة الحربية بباردو إلى المدرسة الصادقية انتقالا من تعليم عصري محدود إلى تعليم عصري منفتح ساهم في إعادة تشكيل المجتمع. ثالثا: إصلاح التعليم في تونس عقب الاستقلال والقطع مع الإرث الاستعماري: قانون 4 نوفمبر 1958: احتل التعليم مكانة مركزية في مشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة عقب الاستقلال سنة 1956، وكان وسيلة أساسية لتجاوز الإرث الاستعماري وتوحيد المجتمع وتكوين المواطن القادر على الانخراط في مشروع الحداثة.ضمن هذا السياق صدر قانون 4 نوفمبر 1958 ليؤسس منظومة تعليمية جديدة تقطع مع الازدواجية السابقة بين التعليم التقليدي والعصري. 1 / السياق السياسي: صدر هذا القانون في مرحلة تميزت بترسيخ الحكم الوطني بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة، وبناء مؤسسات الدولة الوطنية الحديثة، والسعي إلى القطيعة مع الإرث الاستعماري الفرنسي. 2 / أهداف قانون 4 نوفمبر 1958: سعى القانون إلى إرساء منظومة تعليمية موحدة من خلال: تعميم التعليم وإجباريته. مجانية التعليم. توحيد البرامج والمناهج. إعادة تنظيم التعليم الزيتوني ودمجه في النظام الرسمي. اعتماد التعريب التدريجي مع بقاء اللغة الفرنسية كلغة علم. لم يكن قانون 4 نوفمبر 1958 مجرد إصلاح بيداغوجي، بل شكّل مشروعا سياسيا واجتماعيا متكاملا، استخدم فيه التعليم كرافعة لبناء الدولة الحديثة وصياغة الهوية الوطنية.نجح هذا القانون في تعميم التعليم وتحديث المجتمع ومقاومة الأمية، كما أصبح التعليم بعد إصلاحه مصعدا اجتماعيا أمام الفئات الشعبية.كما ساهم إصلاح التعليم أيضا في تشكيل هوية وطنية موحدة قائمة على القيم العقلانية والمواطنة، ونجح في خلق نخبة إدارية وسياسية طوّرت مشروع الدولة الوطنية. رابعا: الإصلاح التربوي الثاني في تونس: الأهداف، تنوع المناهج والانعكاسات: 1 / تعدّد الأهداف: تحديث التعليم: حرص وزير التربية في حكومة زين العابدين بن علي، محمد الشرفي، على تحديث المناهج التعليمية وإعادة هيكلتها بهدف تحويل المدرسة التونسية إلى فضاء تربوي يواكب متطلبات العصر.التركيز على التفكير النقدي والعلمي عوضا عن الحفظ والتلقين. التحرّر من النزعة الدينية: حرص محمد الشرفي على تغيير محتوى بعض المواد وفي مقدمتها التربية الإسلامية والمناهج الاجتماعية. دمج مبادئ الحداثة: كان الهدف من إصلاح التعليم زمن محمد الشرفي تعزيز قيم المواطنة والحرية من أجل تكوين مواطن قادر على الانخراط في مجتمع عصري. 2 / احتدام الصراع مع التيارات الدينية (الإسلاميين): واجه إصلاح محمد الشرفي معارضة من التيارات الإسلامية، واعتبره الإسلاميون معاديا للدين وقاموا بتكفيره، ولفقوا له عديد التهم الكيدية أبرزها تقليص دور الإسلام في التعليم. كما تعددت الاحتجاجات والمظاهرات داخل الجامعات والمدارس بتخطيط من القوى الدينية. لم يكن إصلاح محمد الشرفي التربوي مجرد تعديل منهجي في التعليم، بل مثّل حدثا اجتماعيا وسياسيا جسد صراعا حول مشروع تونس الحداثي بين الحداثة والهوية الدينية من جهة، وبين سلطة الدولة المركزية والقوى الإيديولوجية من جهة أخرى. ختاما:كان التعليم في تاريخ تونس الحديث والمعاصر مرآة للتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي عرفتها البلاد. كما تؤكد هذه التحولات أنّ التعليم في تونس لم يكن مجرد وسيلة لنقل المعرفة بل كان أداة للتغيير الاجتماعي والاقتصادي ومرآة للسياسات الوطنية والرؤى المستقبلية. ويعدّ التعليم ضرورة حيوية لضمان التنمية الشاملة والاستقرار الاجتماعي. الباحث منصف سلطاني