126 حظيت الحركة الطلابية التونسية باهتمامٍ كافٍ من المختصين في حقلي العلوم الإنسانية والعلوم السياسية منذ تكونها، خاصة إثر تحالفها مع الحزب الدستوري الحاكم منذ تاريخ تأسيس الاتحاد العام لطلبة تونس سنة 1953 بباريس، حيث تم عقد المؤتمر التأسيسي لهذه المنظمة الطلابية من قبل الطلبة الدستوريين. وواجه النظام السياسي البورقيبي منذ أواخر الستينات موجةً من الحركات الاحتجاجية قادتها النخبة الطلابية، وكانت هذه الاحتجاجات ناجمة بعد تحجر النظام السياسي وانفراده بالحكم، حيث انتهز الرئيس الحبيب بورقيبة محاولة الانقلاب التي خطط لها عبد العزيز العكرمي ورفاقه، في مقدمتهم المقاوم والمناضل الأزهر الشرايطي، وذلك للقضاء على المعارضة السياسية نهائيًا في البلاد، خاصة بعد حظر الحزب الشيوعي من كل نشاط سياسي. غير أن الجامعة التونسية كانت موطن ميلاد أول حركة طلابية معارضة للنظام البورقيبي في حقبة الستينات. وبعد حظر الحزب الشيوعي المعارض إثر محاولة الانقلاب على النظام البورقيبي في فترة الستينات، حاولت حركة “برسبكتيف” كتنظيم يساري جديد داخل الجامعة التونسية خلق بديل للمعارضة التونسية ضد نظام الحزب الواحد باتباع أسلوب نشاط أكثر حركية من الحزب الشيوعي المحظور. لكن مصير هذه الحركة الطلابية المعارضة لنظام الحزب الواحد لن يختلف كثيرًا عن مصير الحزب الشيوعي، حيث انتهت الحركة بالاندثار بعد سجن قياداتها. أدت نضالات البرسبكتيفيين ورفض اتباع سياسة المرونة إلى حصول صدامات بينهم وبين النظام البورقيبي خلال حقبة الستينات، جرتهم إلى الاعتقال والإحالة على المحاكم ومحكمة أمن الدولة التي أحدثت في 2 جويلية 1968 بهدف القضاء على حركة “آفاق” المعارضة. مثّلت أحداث مارس 1968 بالجامعة التونسية حدثًا بارزًا في حقبة الستينات وفي تاريخ المعارضة التونسية للنظام البورقيبي. ومن أجل قمع الانتفاضة الطلابية، عملت السلطة الحاكمة على إنشاء محكمة أمن الدولة. وفي يوم 2 جويلية 1968 وقع النظر في الجنايات والجنح المرتبطة بها، أو التحريض بأية وسيلة كانت على تلك الجنايات والجنح. وتعتبر محكمة أمن الدولة بمثابة محكمة القضاء العليا، غير أن الأحكام الصادرة عن محكمة أمن الدولة يمكن الطعن فيها بالاستئناف لدى دائرة خاصة. وفي أول عهد محكمة أمن الدولة، أحيلت إليها مجموعة “برسبكتيف” والطلبة الشيوعيين والبعثيين. وعُقدت هذه المحكمة محاكمات كثيرة شملت اليساريين والنقابيين والإسلاميين. ومن بين التجاوزات التي وقعت داخل محكمة أمن الدولة منع محامي المعتقلين من الاطلاع على الملفات، وأقوال منوبيهم أمام التحقيق، ولا على ما ذكره البوليس في حقهم. والمطلع على الفصل 17 من القانون يرى أن المحامي لا يحق له الحديث عن التعذيب والانتهاكات أثناء إجراء التحقيق مع الطلبة المعتقلين، كما لا يحق للمحامين طرح الأسئلة عند الحضور داخل محكمة أمن الدولة عند الدفاع عن موكليهم. وتعد هذه الطريقة انتهاكًا صارخًا في حق المحامي ومنوبه، وهي تدل على الدكتاتورية والدولة البوليسية التي تقوم على القمع والتعذيب وانتهاك حقوق الإنسان. كما تعرض المحامون الأجانب إلى مضايقات كثيرة، من بينها القمع في بعض الأحيان، حيث عمدت بعض عائلات الطلبة المساجين إلى تعيين محامين فرنسيين في ظل رفض المحامين التونسيين الدفاع عن أبنائهم. وتم منع المحامين الفرنسيين في بعض المناسبات من دخول التراب التونسي من قبل السلطة الحاكمة بحجة أن هذه المسألة شأن داخلي لا يحق للأجانب التدخل فيها، باستثناء المحاميين “لونقلوا” و”بواي” اللذين تمكنا من الحضور في الجلسة الأولى رفقة عائلات الطلبة المساجين. وبعد المحاكمة غادرا البلاد التونسية احتجاجًا على سلوك القضاة وطريقة المحاكمة، حيث تم منعهما من الحديث مع عائلات المساجين. كما استمرت السلطة الحاكمة أيضًا في منع المحامين من حضور المحاكمة، وفي بعض المناسبات منع المحامين الأجانب من دخول البلاد التونسية. وعلى سبيل المثال، وقع منع الأستاذ المحامي “فاديلو ديول”، المحامي لدى محكمة دكار في السينغال، من دخول تونس لأسباب غير معلومة. كما مكنت السلطة الحاكمة التلفزة التونسية من التصوير داخل أروقة المحاكم، لكنها منعتها في المقابل من بث الجلسات إلى الرأي العام التونسي. وبالتالي، يتضح الالتباس والتناقض من خلال عدم تصريح التلفزة بأي معلومة حول ظروف المحاكمة داخل محكمة أمن الدولة، فلم تُقدّم أي شيء حول مراحل محاكمة المعتقلين، وذلك بسبب فرض مراقبة شديدة داخل أروقة المحكمة. كما تم منع سماع الشهود المتواجدين بقاعة المحكمة من قبل القضاة. وبعد تجميع المعلومات وكثرة التحقيقات والمداولات في جلسات متعددة، وجهت محكمة أمن الدولة تهمًا كثيرة إلى الطلبة المساجين، من أبرزها تهمة التآمر على أمن الدولة التونسية الداخلي من أجل الانقلاب على النظام البورقيبي. وكان دليل هذه التهمة بعض النصوص النظرية التي نشرها تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي التونسي “آفاق”، وهي نصوص قدمت في شهر ماي 1967 في ندوة الاشتراكيين العرب التي تم تنظيمها في الجزائر، وذُكرت فيها العبارة التالية: “لا اشتراكية دون تحطيم جهاز الدولة القائم”. كما كانت الصحف الصادرة في فترة الستينات تمثل النظام مثل جريدة “العمل” و”الصباح” و”لاكسيون” و”لابراس”، عكس المحامين، وتنقل كل العبارات المسيئة للطلبة المعتقلين. وكانت هذه الصحف كلها مهتمة بالرئيس الحبيب بورقيبة وأعضاء حكومته، وكانت صورة الرئيس دائمًا ما تجدها في الصفحة الأولى لكل صحيفة. وشكّلت محاكمة اليساريين سنة 1968 محاكمة “تاريخية” في تونس اعتمادًا على المعايير القانونية والسياسية، حيث تم تركيز محكمة لأول مرة لم ينص على إحداثها دستور غرة جوان 1959، وهي “محكمة أمن الدولة”. وطرح إحداث هذه المحكمة جدلًا قانونيًا حول شرعية المحكمة دستوريا وفي علاقة بالمواثيق الدولية التي صادقت عليها الحكومة التونسية. وتعد وضعية الطلبة المساجين بعد صدور الأحكام السجنية في حقهم يوم 16 سبتمبر 1968 كارثية. وكان عدد المساجين حوالي 39 شخصًا، 8 منهم بالسجن المدني بتونس و31 ببنزرت، كما هو موجود بعنوان الرسائل: سجن برج الرومي، الناظور، بنزرت وتونس. ووقع تقسيم الطلبة المساجين إلى مجموعتين، يبلغ عدد المجموعة الأولى 8 أفراد، وأما المجموعة الثانية فيبلغ عددها 31 فردًا يقيمون في بيوت 5 على 11 مترًا ومرتين ارتفاعًا. وفي شهر ديسمبر 1968 نفذ بعض الطلبة المساجين إضرابًا عن الطعام مدته 3 أيام، وذلك لإظهار قوتهم وتماسكهم أمام السلطة السياسية. كما نفذوا أيضًا إضرابًا ثانيًا في شهر أفريل 1969، وساند الطلبة البعثيون الذين تم اعتقالهم في سنة 1969 هذا الإضراب. وتوّجت هذه الإضرابات داخل السجن بتحقيق بعض الأهداف مثل الزيارة من قبل أفراد العائلة، والحق في القفة (جلب الأكل وبعض المستلزمات من قبل الأسرة مثل السجائر…)، وأيضًا الحق في كتابة الرسائل. كانت ظروف الطلبة المساجين قاسية ومتردية بسبب نقص الأكل والأغطية والمعاملات القاسية من قبل أعوان الحراسة وإدارة السجن. ورغم هذه الرداءة، كان الطلبة المساجين يتعاملون معها بمعنويات مرتفعة، فكانوا “يمزحون ويلعبون ويغنون ويتناقشون في مسائل عديدة”. لم تكتفِ السلطة السياسية بقمع الطلبة المساجين فقط، بل طال القمع أيضًا بعض العائلات. عمدت السلطة الحاكمة إلى الضغط على عائلات الطلبة المعتقلين في السجون، وبادرت بتنظيم حملة لجبرهم على طلب العفو، لكن أغلب عائلات الطلبة البرسبكتيفيين رفضت القيام بطلب العفو. من أهم النتائج التي انبثقت أيضًا عن احتجاج مارس 1968 بالجامعة التونسية، يمكن أن نذكر ميلاد أول حركة معارضة للنظام السياسي البورقيبي بعد حظر الحزب الشيوعي في الستينات. كما مثلت احتجاجات شهر مارس الطلابية بدايةً جديدة للحركة النقابية الطلابية التي كانت موالية إلى الحزب الحاكم، حيث تمكن طلبة “برسبكتيف” والطلبة الشيوعيين والبعثيين من الانضمام إلى قواعد الاتحاد العام لطلبة تونس، وسيطرحون مسألة الاستقلالية عن الحزب الحاكم في انتفاضة 5 فيفري 1972. وقد أسست احتجاجات مارس 1968 نمطًا جديدًا من المحاكمات السياسية في تونس من قبل النظام البورقيبي تجاه حركات المعارضة، حيث وقع إنشاء محكمة استثنائية جديدة إثر حملة الاعتقالات التي طالت البرسبكتيفيين والشيوعيين والبعثيين في مارس 1968، وهي “محكمة أمن الدولة”، التي كرّست انعدام شروط المحكمة العادلة في جلساتها. وتعد احتجاجات مارس 1968 أيضًا النواة الأولى لمعركة استقلالية النقابة عن الحزب، وكذلك للانتفاضات اللاحقة في تونس، علمًا أن انتفاضة 5 فيفري 1972 قادها الطلبة البرسبكتيفيون بعد اندثار منظمة “آفاق” أواخر فترة الستينات. من أهم النتائج التي أفرزتها الاحتجاجات الطلابية في مارس 1968، نذكر نجاح البرسبكتيفيين في إقرار وجودهم كحركة يسارية معارضة استطاعت السيطرة على الوضع الجامعي بعيدًا عن المنظمة الطلابية الاتحاد العام لطلبة تونس، الذي كان مواليًا للحزب الحاكم “الحزب الاشتراكي الدستوري”. كما تمكنت منظمة “آفاق” من فرض تأثير كبير على الوسط الطلابي بين 1966 و1968، لكنهم بقوا في بعض الأحيان عاجزين على التغلغل في باقي الأجزاء الجامعية، وبقي نشاط البرسبكتيفيين منحصراً في كليات العاصمة التونسية. ولم تدم حركة “برسبكتيف” طويلًا في الوسط الطلابي والتلمذي، حيث وقع حلها بعد حملات الاعتقال والمحاكمات. غير أن مجموعة “برسبكتيف” ستلعب دورًا بارزًا خلال عشرية السبعينات في ميلاد حركات معارضة جديدة “تنظيم العامل التونسي نموذجا”، وفي حدوث انتفاضات طلابية، لعل أبرزها حركة 5 فيفري 1972. الخاتمة: مثّل احتجاج مارس الطلابي 1968 محطة لا تقل أهمية عن انتفاضات السبعينات كحركة 5 فيفري 1972، وإضراب 26 جانفي 1978، الذي مثل القطيعة التامة بين المنظمة العمالية في تونس، الاتحاد العام التونسي للشغل، والحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم بقيادة الرئيس الحبيب بورقيبة. ولعبت خلال هذه الفترة النخب الطلابية دورًا بارزًا، سعيًا منها إلى نشر قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في تونس، أثناء تحجر النظام البورقيبي وتكريس سياسة الحزب الواحد في البلاد. غير أن احتجاجات مارس 1968 كانت معزولة، وتعرضت لقمع شديد من قبل السلطة، ودفع طلبة “برسبكتيف” والشيوعيين والبعثيين فاتورة الدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية في تونس المستقلة. قائمة المصادر والمراجع: الزمزمي، (عمار)، ذاكرة تأبى لمصادرة: سيرة معارض لحكم بورقيبة من أبناء جيل الاستقلال، مطبعة سوجيك، صفاقس، 2013. الطرودي، (الهاشمي)، أضواء على اليسار التونسي: حركة آفاق نموذجا: شهادات وتأويلات، دار محمد علي للنشر، صفاقس، 2014. المعاوي، (علي)، ذكريات وخواطر، المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر، منوبة، 2007. بن الحاج، (يحي)، الحبس كذاب.. والحي يروح: ورقات من دفتر اليسار في الزمن البورقيبي، تونس، 2009. جماعي، المحاكمات السياسية في تونس 1956–2011، المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر، 2014، الجزء الأول. بن فرج، (الهاشمي)، ندوة حركة 68 بتونس وانعكاساتها الفلسفية والثقافية والحقوقية، جمعية آفاق للذاكرة، كلية رقادة، 21 نوفمبر 2019. الباحث منصف سلطاني