الصفحة الرئيسية مقال فكري وفلسفي منبوذو الحداثة السائلة: تمثلات العطالة في تونس بين وهم الاستهلاك وضرورة الارتحال

منبوذو الحداثة السائلة: تمثلات العطالة في تونس بين وهم الاستهلاك وضرورة الارتحال

116 مشاهدات 2 دقائق اقرأ

تتعالى أزمة البطالة في الفضاء التونسي الراهن عن مجرد كونها اختلالاً في الأجهزة الإحصائية، لتنتصب بوصفها معضلةً وجوديةً تفصح عن استغلاق “الحداثة السائلة” في أقصى تجلياتها، حيث يضع الانتقال من صرامة “الحداثة الصلبة” القائمة على ثبات الإنتاج، إلى ميوعة السيولة المرتكزة على هشاشة الاستهلاك، الذاتَ الشابة في مواجهة عراء كينوني مباغت. تتبدى الإشكالية هنا في مساءلة قدرة “السيولة” لدى زيغمونت باومان على كشف آليات استجالة البطالة من عارضٍ وظيفي إلى إقصاءٍ وجودي مؤسس، إذ يذهب باومان إلى أن الحداثة المتأخرة، في لهاثها خلف مقتضيات النجاعة، تمارس توليداً قسرياً لكائنات زائدة عن الحاجة، وهو ما يفسر اصطدام خريج الجامعة في تونس براهنٍ يستحيل فيه من فاعلية منتجة إلى فائضٍ كينوني يفتقر إلى موضعٍ داخل سيرورة الإنتاج السائلة، فـ “النفايات البشرية تمثل المآل الضروري واللازم للحداثة؛ فكل نظام يبتغي التمام يمارس حتماً نبذاً لكل ما لا يستجيب لمعاييره الآنية، لينحدر العاطل إلى رتبة الكائن الهامشي المفتقد لأي تعين وظيفي”.

تتبدى البطالة هنا قدراً مفروضاً يرجح فيه الاقتصاد السائل كفة الأدوات التقنية على الجهد الإنساني، مما يقذف بالشباب نحو اغترابٍ يمليه استغناء المنظومة عن فائض خدماتهم، وتتحدد منزلة الفرد في هذه المجتمعات بمقدار قدرته على الاقتناء لا بجهده المنصرم في الكدح، فالعاطل عن العمل في تونس يرزح تحت وطأة إعدام اجتماعي ناتج عن قصوره في محاكاة قيم الاستهلاك التي تعولمها الوسائط الرقمية، ذلك أن “مجتمع المستهلكين لا يبدي أي تسامح إزاء العاجزين عن الاستهلاك، حيث يُختزل الفقراء في فئة المنبوذين الذين أخفقوا في تلبية نداء السوق”. يستحيل الفقر في هذا المدار من عوزٍ مادي إلى وصمةٍ أخلاقية تلازم الفرد، وتجعل تجربة البطالة تشريعاً لإقصاء الذات من دائرة الاعتراف نتيجة فقدانها لأهلية الاستهلاك، وهي الهشاشة التي تتجسد بوضوح في أنماط الشغل الطارئة من أعمال عرضية ووسائطية تفتقر لكل استقرار، وترتكز على “تفكيك عرى الروابط الاجتماعية والتضامن المهني، لفائدة علاقات عمل منبترة لا تضمن ديمومةً أو مستقبلاً، بل تكرس ارتهاناً مطلقاً تحت مسمى الحرية المهنية”.

لم يعد الفرد التونسي يشيد مساراً مهنياً متصلاً، بل يواجه حيواتٍ مبعثرة تتسم بالارتحال الدائم والقلق الوجودي، حيث تظل كينونته مهددة بالاستبدال اللحظي لفائدة خوارزميات تقنية أكثر طواعية، وهو ما يجعل من ظاهرة الهجرة غير النظامية ذروة التمرد على السيولة، سعياً للتنصل من وضعية المتشرد المقصي من دائرة الفعل الوطني طمعاً في بلوغ مرتبة المستهلك في الضفة المقابلة، إذ يحدد باومان هذا الانشطار بالإشارة إلى أن “العالم السائل ينشطر إلى سياح يتحركون في فضاءات مفتوحة، ومتشردين يُنبذون من كل مكان؛ فالمتشرد يتحرك بدافع الطرد لا بدافع الدعوة”. إن الحرقة تعبر عن محاولة انتحارية لاستعادة إنسانية مهدرة في ظل نظام كوني يبيح سيولة السلع ويرسم حدوداً منيعة أمام حركة الأجساد الفائضة، مما يؤكد أن تحليل البطالة في تونس عبر مسبار النظرية النقدية يكشف ضرورة استعادة الفضاء العام ومغالبة السيولة عبر تشييد تضامن اجتماعي رصين يقي الشباب مغبة التحول إلى أضرار جانبية في صراع العولمة، ويعيد للعمل هيبته الأخلاقية التي تحصن الكينونة من التبدد والضياع.

الباحثة سناء عليبات

  • باحثة تونسية
    أستاذة وباحثة في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة دكتورا فلسفة بقسم الفلسفة بصفاقس

اقرأ أيضا

أترك تعليقا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.