159 لو رأتهُ قبل أن يتسلَّلَ إلى دهاليزِ قلبِها، وقبل أن يجري فيها مجرى الدَّم، لأغلقتْ دونه أبوابَ الرُّوح، ولما همستْ لعشقِه: هيتَ لك.ولأصمت أُذنَها عن ترانيم الحبِّ التي كان يعزفُها في مسامعها، ولارتدتْ ثوبَ الزُّهد، وصامتْ عن الهوى أبدَ الدَّهر، تتحرَّى خُطى العابدين، تَرجو التوبةَ من الخطيئةِ التي اسمُها الحُب.ولتحرت دروب الزاهدين وحين أبصرها شيخُ الزهاد، ناولها مسبحةً من نور، فرفعتْ كفَّيها بالاستغفار، غير أنّ قلبَها كان يسبقُ لسانَها إلى اسمه، فتلهجُ به سرًّا عقبَ كلِّ تَسبيح، كأنَّ الذِّكرَ عقوبةٌ وكأنَّ النسيانَ مستحيل.فيا لهُ قلبٌ يتأرجحُ بين مطرقةِ الصَّبر وسندانِ الشَّوق، لا يبرأُ من ذكره، ولا ينجو من أسره، يرجو من الله عفوًا عن حديث نفسٍ لا يُملك. ثم لمّتْ وجعَها كما تُلمّ الأنثى شَتاتَ روحها، وارتحلتْ عن البلدةِ التي كان يسمّيها حبا، وتركت خلفها اسماً يسكنُ ضلوعَها، وحنينًا لا يموت، وحُبًّا لا يشيخ. منال غانم محمد مكي