81 على أرضها الريفيةِتمشي وخطاهاتفاوضُ حجارةَ الطريقِ. ترسمُ لوجهها لوحةًبين الوجعِ والتعبِ. قدماها اللّتانِنَسِيَتا طلبَ اللجوءِ،وهي تكتبُ على شظاياالصخورِ أمانيها المحرّمةِ. وكأنها سحابةٌصيفٍ ظمأى،تقاومُ رياحَ الحرمانِوتنتظرُ كلمةَ السماءِلتطفئَ عطشَها. تعادي عرشًا، تعادي سدالتستردَّ حقَّها الأزليَّ:كأسَ ماءٍ كاملَ الدسمِ. على أرضها سيدةُ الماءِتحتكرُ رحلةَ الشتاءِوالصيفِ.على دربِ الماءِ الثمينِ حمّالةُ الماءِ، سيدةُ الجبالِ،ترسلُ رسالةً لمنتهمّهُ كرامةُ المرأةِالريفيةِوكرامةُ الإنسانِ. وعند الفجرِ على ضفافِالتمدّنِكانت المرأةُها هنا تفقدُ الروحَ خلستابين أزقةِ الجمودِالمثقلةِ بآهاتِ الغيابِ. هناك تُنسى نساءُ الضفافِ،وتُنسى تلك المرأةُ،التي تزرعُعلى الرصيفِ وردةًلتذبلَ في الدجى. تلك التي ترنو إلى السماءِعند المنتصفِ،وتطلقُ نداءً يصعدُ منجوفها الخاوي نحوَ جياعِ الأرضِ،ثمّ تعودُ بوجهها لتكنسَترابَ السرابِ والأمنياتِ في صمتٍ. وعند المساءِ تختفيلتتركَ الحياةَ للأحياءِ،وتشيّعُجسدها المنهكَإلى مقبرةٍليس لها عنوانٌ. ومن حسنِ حظهاوجدت شبه قبرها العائليَّلتحتميَ به من سكونِ الليلِ المخيفِ. وراحت تحرّكُكأسَ الذكرياتِ،هنا شهدتولادتَهُيتيمًاوكانت أيضًا يتيمةً. أحبّت أخاها،الصغيرَ. ونسيت منذ ولادتهشيئًا ثمينًا،ذلك الشيءَ:سنواتِ عمرها وأثرَهاالأثيرَ. أعطته تلك الحياةَوذلك الأثرَ المنيرَ. وكبر وكبرت،وكبر وعجزت،ثم غدر،وكيّف آيةَ الميراثِوسرق إرثها الصغيرَ،وتركها على طريقِ البداياتِحافيةَ القدمينِ،تسوّلت، تمرّغت،جاعت وخافت،بكت بكاءَ المحرومينَ. باعت أوراقَ المراحيضِ،أكلت بقايا الآخرينَ. رفعت عينيهالربٍّ منتقمٍ متينٍ،ذرفت دموعَالمظلومِ والمساكينِ. نطقت، لا لم تنطق،دعت عليه،لا لم تدعُ. تذكّرت فيهالطفلَ الصغيرَ. قلبها الذي حملالحبَّ لهقد كسره عندماأصبح وغدًا خصيمًا. تلك المرأةُ ترسلرسالةًلمن يهمهإقامةَ العدلِبين البنات والبنين. المرأة هي البداياتُهي الأرضُوالتاريخُ والحرياتُ. وبين ذاك وذاك تُبنى لها حدودٌوتحطّم حدودًا للعبوديةِ. وتبقى بين الأمسِ واليومِهي السكنُ وأصلُ القضيةِ. الشاعر محمد هادي عون