307 في اغلب الاحيان، بتصوري، تسبق الفكرة او المعنىٰ الصورة لدى الشاعر المصنوع. بينما تداهم الصور الشاعر المطبوع وتنثال عليه وهو في اجواء من الاخيلة والمدركات الوجدانية التي تتشبث في مديات تصوراته بصيغ فكرية مناخية مفتوحة الاطراف.وكلا الشاعرين، المصنوع والمطبوع، يجسدان صورهما في محال اللغة الاعرابية التي تبلور وتكرس حيوية افكار ومضامين تلك الصور. ولكن بفارق عميق فالمصنوع من الجائز جدا، وهو كذلك في الاغلب، ان يقسر الناحيتين، الصورة والمحل الاعرابي، علىٰ عرض المعنىٰ او المضمون الذي دأب في تصنيعه متكلفا. في حين ينساب المطبوع في صوره حرا بها وهي حرة به في المحل الاعرابي الذي يأفل فيه المعنىٰ المتداول للألفاظ ويشرق فيه المعنىٰ الجديد المبتكر في داخل حركة حسية عقلية لغوية لا تستكين. وبنظري الشخصي لا يوجد شاعر ” مبدع ” مصنوع كليا او مطبوع كليا. بيد ان غلبة اي من الصفتين على الاخرىٰ تحدد تصنيف الشاعر ومدىٰ ثراء ابداعه. فطغيان الصناعة يحجم الابتداع وقد يمحوه. عكس تفوُّق العفوية الذي يفجر ينابيع الوجدان المرهف واللغة الصافية ليتدفقا سوياً نهرا من الالوان والرؤىٰ.وفي شعرية السيدة رجاء الغانمي تترجح عاليا كفة المطبوعية الخلاقة علىٰ كفة الصناعة والتكلف التي تكاد تضمحل على نحو تام في معظم قصائدها لتشهر قريحتها التلقائية عالما شعريا مسكونا بهموم وتجليات الكائن البشري برتب رفيعة من الصدقية والخيال المشرع التعالق بالخليقة وتصيراتها الواقعية والمثالية في آنٍ معا.وكشاعرة مطبوعة ملهمة حقاً تنهج الغانمي كليا طريقة تستقبل فيها الوجود باللغة وحروفها موسيقىٰ ومشهدياتٍ قد تخطت التفاسير والقاموسيات الى موجودات ذات كشوفاتٍ وصيرورات دائبة الحياة: تلك الاسماءُ أعرفهاجبينها الأرضيُّ طرائقُنحو السماءلماذا لا تصلون؟ وفي هذا التداخل ” الهارموني الصوري “تنمو وتترسخ حرية ابداعية، تنفي التقليدية، تتبلور فيها الناطقية كوناً مفتوحاً غير مشروط بأسبقيات كونه الاسبقية المفتوحة على التحولات المنظورة المستجدة في باطن وظاهر الاداة التعبيرية. فيتوازن” الاستفهاموالموضوع ” وموجوداتهما حيزا وخلقاً كما في المنظورات الانفة البالغة الاثر. وفي هذا التوالي الاعرابي التعبيري الذي يؤول الابتداع تاريخا حلميا مجديا. وغيره مسارا لا مجديا في براءة تكاد تكون مطلقة الا انها تفصح عن نضوج حاسم لا تجرأ عليه سوىٰ فطرة النشوء: دعونا نعيد العد:خلاصة ارتحال الحالمين جدوىٰواللاجدوىٰ هي المسار!! ولنتساءل من اين تأتي هذه المعرفة الفطرية الغامرة لهذه الشاعرة الخلاقة؟!ولاريب ان الشاعرة ذاتها خير من يدلنا علىٰ معين المعرفة الصافي هذه… فهي تشعل التكوينات بلا خشية ولا تعسف وفي حومة التهابات هذا الاشتعال المتماهي والوجدان الرائي ي يُبعث الوعي اللغوي المدهش: اشتعلياشتعلي ودوني ما عليككل الحروف آنيةرموز مشفرةلكنني ” اعرفها !! “تلك الاسماء أعرفها.. الله… على هذا الاتحاد المذهل بين المثالية في قوله تعالى “وعلمنا ادم الاسماء كلها” والواقعية التي تهبها الشاعرة فرصة للممارسة النهضوية بواسطة قراءة ووعي المحتوىٰ الجديد الكوني الازلي المتحرك في تفاصيل كيان الشاعرة المادي كالدورة الدموية.وفي حكمة الشعر الطليقة المترامية الجغرافيا والطقوس الجوانية في الجسد واللغة معا وانزياح كل منهما الىٰ الاخر.. هناك في اعماق المباني والمعاني حيث ” تضمحل التأويلات ” الصناعية كونها ” ناقصة الدلالة ” وان سبقت.. وتقبل الشاعرة التي جاءت متأخرة حسب زمانها، ومتقدمة بسلالتها الابتداعية متعالقة، بظني، والمعري المتأخر في زمانه السابق برؤياه مثلها وهي مثله ايضا دون مقارنة وانما بتجذير وتأصيل: بين حنكة المنصتينتضمحل تأويلاتتنقصها الدلالةويغدو تأخر الواصلينحكمةً…!! وفي هذا تفريق جمالي جوهري بين المصنوعين في عموم المعرفة والمطبوعين، كالسيدة الغانمي الموهوبة الفطرة، الذين يعيدون ابتكار الصورة والدلالة الوجوديتين معاً.مع التثمين والثناء عاليا الأديب أبو محمد الصفار النص: حروفٌ ٱنية تلك الأسماء أعرفها.جبينُها الأرضيُّطرائقُ نحو السماء.لِمَ لا تَصِلون؟أيّها المهتدون النُّعاس،ذابَ وجهُ الرصيف،الأيامُ لا تكفي،والفراش بلا وسادة. دعونا نعيد العدّ:خلاصةُ ارتحالِ الحالمين جدوى،واللاجدوى هي المسار. اشتعلي،اشتعلي، ودَوّني ما عليكِ.كلُّ الحروف آنية،رموزٌ مُشفَّرة،لكنني أعرفها،تلك الأسماء أعرفها. بين حنكةِ المنصتينتضمحلّ تأويلاتٌتنقصها الدلالة،ويغدو تأخّرُ الواصلينحِكمة… الشاعرة العراقية رجاء الغانمي