الصفحة الرئيسية التنمية البشرية فوزية دوام/المغرب: التغيير لا يحتاج مقارنة، بل انضباطًا”

فوزية دوام/المغرب: التغيير لا يحتاج مقارنة، بل انضباطًا”

121 مشاهدات 3 دقائق اقرأ

في عالمٍ تتصارع فيه المظاهر وتغزوه الإغراءات، يصبح من الصعب على الإنسان أن يظل ثابتًا على مبادئه وعاداته، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالمقارنة مع الآخرين. فالإنسان بطبعه ميّال إلى التقليد، ويحب أن يظهر في أحسن صورة، كما يرى غيره على مواقع التواصل الاجتماعي، في العمل، أو في أي مكان يبدو فيه شخصٌ لامعٌ ظاهريًا، فيرغب أن يصبح مثله.

وعند التأمل أكثر في هذه الفكرة، نجد أن كل إنسان يسعى لأن يكون الأفضل، وهذا أمر جميل في حد ذاته، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا السعي إلى محاولة أن تكون نسخةً طبق الأصل عمّا تراه مظهريًا في الآخرين، بدلًا من أن تكون نسخةً أفضل من نفسك. فحتى مع تشابه الظروف، قد تختلف القدرات، وليس بالضرورة أن تكون ظروف الآخرين أو إمكاناتهم مشابهة لإمكاناتك؛ فقد يملك بعضهم ما لا تملك، بينما تملك أنت ما لا يملكونه.

وللأسف، لا يدرك هذا الكثيرون؛ فليس من الخطأ أن نستلهم العِبر من تجارب الآخرين، لكن الخطأ الحقيقي أن نطمح لأن نكون نسخًا منهم. فحينها نفقد تفرّدنا، ونصبح مجرد صورة باهتة لا تحمل صدقًا ولا معنى. فالتميّز لا يُستعار، ولا يُصنَع بالمقارنة، بل يُبنى من الداخل. فلكل إنسان قدرته الخاصة على الاستيعاب والتحمّل، ولكلٍّ معاركه وظروفه وحياته التي تشكّله، وتجعله بطلًا في قصته هو، لا تابعًا في قصص الآخرين.

ويمكننا أن نأخذ أبسط مثال على ذلك: فالطفل الصغير، عندما يبدأ في المشي وإدراك ما حوله، تُنبّهه أمه ألّا يقترب من أشياء معيّنة كالنار حتى لا يحترق. لكنه، لعدم امتلاكه تجربة سابقة، قد يقترب ويمسّها. وعندما يتألم، تصبح التجربة وحدها كفيلة بأن تجعله يبتعد عنها من تلقاء نفسه. وهكذا هي التجارب الأخرى؛ لا يمكن للإنسان أن ينضج دون أن يخوضها بنفسه، فالتجربة الشخصية هي ما تصنع الفهم الحقيقي.

وفي هذا السياق، نعود بخطواتٍ بطيئة إلى العنوان، لنجد الصفة التي لم نتحدّث عنها إلا الآن: الانضباط.
فعندما تُرهَق، وتشعر أنك وصلت إلى نقطة الصفر، وأنك غير قادر على الاستمرار، وأن كل شيء يبدو سيئًا في تلك اللحظة؛ بالضبط هناك يبدأ الامتحان الحقيقي. لا تحتاج إلى مقارنة نفسك بأحد، ولا إلى إثبات شيء للعالم، بل تحتاج إلى أن تكون منضبطًا، متحكّمًا في نفسك، ثابتًا على ما تؤمن به، حتى وإن كان التقدّم بطيئًا.

فالانضباط هو ما يُبقيك واقفًا عندما يخذلك الجميع، وهو ما يصنع التغيير الحقيقي بصمت. وهنا، يبدأ شيء ما في داخلك بالتلاشي، وينمو شيء آخر أكثر صلابة وقوة، ليصنع منك نسخةً جديدة من ذاتك… نسخة أنضج، أصدق، وأقوى من سابقها.

وبطبيعة الحال، لا يأتي هذا من المحاولة الأولى؛ فالانضباط يبدأ كسلوك، يُجبرك على الفعل حتى في غياب الرغبة. وللصدق، تُعدّ هذه أصعب مرحلة، خصوصًا لمن اعتاد نمطًا فوضويًا، أو ربط أفعاله بالرغبة فقط. لكنها في الوقت نفسه أهم مرحلة، لأنك هنا تتعلّم أن الاستمرارية أقوى من الرغبة. ومع الوقت، يتحوّل هذا السلوك إلى عادة، تفعلها دون جهد أو استنزاف، ثم يصبح في النهاية صفةً راسخة، تجعلك شخصًا منضبطًا… ومتغيّرًا حقًا.
وكما يقولون: ختامها مسك.

فالتغيير لا يحتاج مقارنة، ولا سباقًا مع الآخرين، ولا مراقبة خطواتهم أو نتائجهم، بل يحتاج إلى انضباطٍ صامت، ذلك الانضباط الذي لا يراه أحد، لكنه يصنع كل شيء. انضباطٌ يجعلك تستمر عندما لا يصفّق لك أحد، وتنهض عندما لا تجد دافعًا، وتختار الطريق الأصعب لأنك تؤمن به، لا لأنه الأسهل أو الأكثر شيوعًا.
فالانضباط هو أن تفعل ما يجب فعله، لا ما تحب فعله فقط. هو أن تبقى وفيًّا لرحلتك حتى عندما تشكّ في نفسك، وأن تمنح الوقت حقّه، وتسمح للتجربة أن تصقلك، وللأخطاء أن تعلّمك، وللتعب أن يصنع منك شخصًا أقوى لا أضعف.
ومع الأيام، تكتشف أن التغيير لم يحدث فجأة، بل تَشَكَّل بهدوء، خطوةً بعد خطوة، حتى أصبحت شخصًا لم تعد تقارنه بأحد، لأنك أخيرًا صرت في المكان الذي يليق بك. هناك، حيث لا حاجة لإثبات، ولا خوف من الاختلاف، فقط سلام داخلي، وقناعة بأنك سرت في طريقك الخاص… وهذا وحده كافٍ.

وحين تصل إلى هذه القناعة، تدرك أن الانضباط لم يكن قيدًا كما ظننت يومًا، بل كان حرّيتك الحقيقية. حرّيتك من المقارنة، ومن اللهاث خلف صور الآخرين، ومن انتظار الظروف المثالية التي لا تأتي. تدرك أن التغيير لم يبدأ عندما شعرت بالقوة، بل عندما قرّرت الاستمرار رغم ضعفك، وأن أكثر التحوّلات صدقًا هي تلك التي تحدث داخلك دون ضجيج.

وهكذا، دون أن تشعر، يصبح الانضباط أسلوب حياة، ويصبح التغيير نتيجةً طبيعية، لا هدفًا مُرهقًا.
وعندها فقط تفهم المعنى الحقيقي لهذه العبارة:
التغيير لا يحتاج مقارنة… بل انضباطًا.

الكاتبة فوزية دوام

  • كاتبة شابة مغربية
    فوزية دوام شابة مغربية تبلغ من العمر 17 سنة، وتقيم بمدينة سيدي بنور. تتابع دراستها حاليًا في السنة الأولى من شعبة الهندسة المعلوماتية بالمدرسة العليا للتكنولوجيا (EST). تتميّز بشغفٍ كبيرٍ نحو مجال البرمجة والتكنولوجيا، وتسعى إلى تطوير مهاراتها في التحليل، والتفكير المنطقي، والتعامل مع الأدوات الرقمية الحديثة. إلى جانب دراستها التقنية، تمارس الكتابة والمقالة كهوايةٍ تجد فيها ذاتها، حيث تكتب نصوصًا أدبية وثقافية تعبّر عن رؤيتها وأفكارها، وتسعى إلى تطوير هذا الجانب الإبداعي بالتوازي مع تكوينها الأكاديمي.

اقرأ أيضا

أترك تعليقا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.