الصفحة الرئيسية قصيدة النثر فتحي النصراوي / تونس: يقدّم قصيدة بعنوان “تغريبة الدرويش”

فتحي النصراوي / تونس: يقدّم قصيدة بعنوان “تغريبة الدرويش”

65 مشاهدات 2 دقائق اقرأ

لأنَّ التي يتمتّك صغيرًا
توارت بعيدًا لترقب خطوك،
لأنَّ التي جوَّعتك وجاعت…
تولّت تمنّ، وتمنع قوتك،
لأنَّ التي أبعدتك زمانًا… تراها على العهد تمضي..
فتقصيك وحدك.

فأخّر رحيلك هذا النهار،
وقل لي لماذا ينوء القطاع تحت الدمار؟
لماذا يموت المئات…
وتجهض فيه مئات النساء..
ويفنى ألوف الصغار؟
لماذا نموت كثيرًا كثيرًا…
ليمتد فوق الجماجم ذاك الجدار؟
فقل لي، رفيقي، لماذا تركت الحصان وحيدًا..
لماذا تركت الحصانا…؟
وقد كنت أنت الأخير لدينا،
وآخر صوت يداري رعاف البلاد..
ويهدي خطانا.
لقد كنت فينا المحب، وكنت..
إذا ما هفونا أخانا..
وكنت المعلّم دومًا،
وأمًّا لنا وحينًا أبانا.
فماذا نقول؟… وماذا نروم…؟
وماذا ترانا سنكتب بعد الذي قد كتبت…
وكيف تراه يكون هوانا…؟
سقى الله عهدك… وعهد الذي قد أحبك…
ونهج الكتابة فوق الجدار،
إذا استيقظ الطفل في مقلتيك…
ومرّ يخط طريق العبور
ويحلم عنّا
ويبني.. ويهدم عنّا…
ويعلن عنّا تحدّي الحصار.

تعال وفتّش هنا في فلاة الضمائر،
وقل لي ترى هل سيبقى بقايا اخضرار…
بقايا الحياة.. بقايا النضار؟
تعال وفتّش.. فلن تلقى غير ألوف المقابر،
ولن تلقى غير الجهات المريبة،
وغير وجوه النحاس،
وغير انخطاف البصائر.

لقد كنت أنت الجميل هنا،
وكنت كما شئت أنت… من الفاتحين الكبار،
وكان السرير الوحيد.. سرير الغريبة،
وكنت تنام عليه كنوم الصغار،
وتحلم بالريش والمرضعات،
وتأتيك “ريتا” ببعض الورود،
وبعض الشموس الكبيرة،
وتضحك أنت،
فتضحك هي…
لحين انبلاج النهار.
فكيف كبرت؟
وكيف مررت؟
وكيف انثنيت؟
وكيف لحتك المصائر؟

تعال وعلّم رجال التفاوض
بأن الكلام الكثير خرف..
وأن النضال بطيّ الملف وراء الملف..
عقيم، وما درّ يومًا بفائض.
تعال وعلّم رجال المصالح
بأن الرهان رهان البقاء..
لشعب يجوع
وأرض تضيع،
فكيف تراه يكون التصالح؟
وكيف تراه يكون السكوت؟
وذا الحق أم الفرائض؟

تعال وعلّم رجال الموائد
بأن لا يعيدوا كلام الجرائد،
وأن يصمتوا أو يستقيلوا..
فللصوم دومًا..
وللصمت أيضًا فوائد.

تعال.. تعال أدرويشنا!
تعال.. وهدهد بآذان أطفالنا،
تعال.. وطرّز صدور الولائد
أكاليل ورد وريش،
سنابل قمح،
تمائم زعتر،
تعال.. وعمّد خطاهم،
وهوّن عليهم جميع الشدائد.
تعال.. وفرّق أساهم،
تعال.. ووزّع حنانك بين اليتامى..
بأفضال تلك القصائد.

أظنّ الذي سوف يأتي انحدارًا،
وأن البقاء سوف يغدو انتحارًا،
فقل لي بربك قل لي.. لماذا..
لماذا هجرت الجدارا؟
فمن يا ترى سيكتب عنها.. بلاد الحمائم؟
ويقدح فينا بريق العزائم،
ومن يا ترى سيشكر عنّا البلاد،
ويصنع عنّا الحضارة،
ويُكبر فينا الحياة،
ليثمر جيل الحجارة.

عهدناك تطوي المدائن طيًّا،
وتلقاك كل المعابر
بنفس العناد
ونفس الصدود،
فتعبر مثل البراق شرارًا وفيئًا،
برغم الدماء التي قد تراق،
وفوق جباه العساكر.

تعال لتمدح ظل الأعالي،
فثمّة بعد بقايا الرجال،
وثمّة أرض.. وثمّة ريح هنا..
بهذي الجبال.
فمهما انهزمت،
ومهما انكسرت،
ومهما انسحقت،
سأنهض يومًا وأردي احتلالي.

الأديب فتحي النصراوي

  • أديب وباحث تونسي
    أديب تونسي وباحث في اللغة والآداب العربية، متحصّل على شهادة الأستاذية في اللغة والآداب العربية من كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة سنة 2004، وشهادة نجاح في الدروس المعمّقة (ماجستير في الحضارة العربية الحديثة) سنة 2006. جمع بين التكوين الأكاديمي المتين والنشاط الثقافي والإبداعي الميداني، ما مكّنه من بناء تجربة أدبية متنوّعة ومتجذّرة. حاز عدّة شهائد تقدير وجوائز في مسابقات شعرية وأدبية وطنية وعربية، من بينها الجائزة الأولى في مهرجان الصداقة الدولي الجامعي، والجائزة الأولى في مسابقة مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، إلى جانب وسام استحقاق من جامعة ناصر الأممية، وشهادة التميّز الشرفية العليا في الأدب والإبداع عن الاتحاد الدولي للكتاب العرب سنة 2021. كما نال العديد من شهائد الشكر والتقدير تقديرًا لمساهماته الثقافية والتربوية في الفضاءات الجامعية والشبابية والمؤسسات الثقافية. نشط في مجال التنشيط الثقافي والتربوي، حيث أعدّ برامج ثقافية موجّهة للأطفال والشباب، وأسهم في تأطير نوادي الأدب والكتابة والإبداع الفني بعدد من المبيتات الجامعية والمعاهد الثانوية ودور الثقافة ودور الشباب، إضافة إلى مشاركته في تأسيس وإدارة جمعيات ثقافية ومدنية، من بينها جمعية عشّاق الطبيعة وجمعية ربيع سبيطلة الدولي، إلى جانب عضويته في الهلال الأحمر التونسي. أصدر وأعدّ مجموعة من الأعمال الأدبية المتنوّعة بين الشعر والمسرح والرواية والبحث التراثي، من أبرزها: ديوان «…وللعصافير كفاحها»، وديوان «نبي ترشيش»، ومسرحية «المتثقفية»، ومسرحية «نضال وحورية الأرض»، ورواية «الصرخة»، إلى جانب كتاب «الحكاية الشعبية في السباسب العليا: أرياف سبيطلة أنموذجًا» في جزأين، الصادر عن دار الفردوس للنشر والتوزيع، ومجموعة «أغانٍ منسيّة» بالعامية. تتسم كتاباته بعمقها الإنساني واهتمامها بالبعد الاجتماعي والتراثي والوطني، جامعًا بين الحسّ الشعري والرؤية الفكرية النقدية.

اقرأ أيضا

أترك تعليقا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.