65 لأنَّ التي يتمتّك صغيرًاتوارت بعيدًا لترقب خطوك،لأنَّ التي جوَّعتك وجاعت…تولّت تمنّ، وتمنع قوتك،لأنَّ التي أبعدتك زمانًا… تراها على العهد تمضي..فتقصيك وحدك. فأخّر رحيلك هذا النهار،وقل لي لماذا ينوء القطاع تحت الدمار؟لماذا يموت المئات…وتجهض فيه مئات النساء..ويفنى ألوف الصغار؟لماذا نموت كثيرًا كثيرًا…ليمتد فوق الجماجم ذاك الجدار؟فقل لي، رفيقي، لماذا تركت الحصان وحيدًا..لماذا تركت الحصانا…؟وقد كنت أنت الأخير لدينا،وآخر صوت يداري رعاف البلاد..ويهدي خطانا.لقد كنت فينا المحب، وكنت..إذا ما هفونا أخانا..وكنت المعلّم دومًا،وأمًّا لنا وحينًا أبانا.فماذا نقول؟… وماذا نروم…؟وماذا ترانا سنكتب بعد الذي قد كتبت…وكيف تراه يكون هوانا…؟سقى الله عهدك… وعهد الذي قد أحبك…ونهج الكتابة فوق الجدار،إذا استيقظ الطفل في مقلتيك…ومرّ يخط طريق العبورويحلم عنّاويبني.. ويهدم عنّا…ويعلن عنّا تحدّي الحصار. تعال وفتّش هنا في فلاة الضمائر،وقل لي ترى هل سيبقى بقايا اخضرار…بقايا الحياة.. بقايا النضار؟تعال وفتّش.. فلن تلقى غير ألوف المقابر،ولن تلقى غير الجهات المريبة،وغير وجوه النحاس،وغير انخطاف البصائر. لقد كنت أنت الجميل هنا،وكنت كما شئت أنت… من الفاتحين الكبار،وكان السرير الوحيد.. سرير الغريبة،وكنت تنام عليه كنوم الصغار،وتحلم بالريش والمرضعات،وتأتيك “ريتا” ببعض الورود،وبعض الشموس الكبيرة،وتضحك أنت،فتضحك هي…لحين انبلاج النهار.فكيف كبرت؟وكيف مررت؟وكيف انثنيت؟وكيف لحتك المصائر؟ تعال وعلّم رجال التفاوضبأن الكلام الكثير خرف..وأن النضال بطيّ الملف وراء الملف..عقيم، وما درّ يومًا بفائض.تعال وعلّم رجال المصالحبأن الرهان رهان البقاء..لشعب يجوعوأرض تضيع،فكيف تراه يكون التصالح؟وكيف تراه يكون السكوت؟وذا الحق أم الفرائض؟ تعال وعلّم رجال الموائدبأن لا يعيدوا كلام الجرائد،وأن يصمتوا أو يستقيلوا..فللصوم دومًا..وللصمت أيضًا فوائد. تعال.. تعال أدرويشنا!تعال.. وهدهد بآذان أطفالنا،تعال.. وطرّز صدور الولائدأكاليل ورد وريش،سنابل قمح،تمائم زعتر،تعال.. وعمّد خطاهم،وهوّن عليهم جميع الشدائد.تعال.. وفرّق أساهم،تعال.. ووزّع حنانك بين اليتامى..بأفضال تلك القصائد. أظنّ الذي سوف يأتي انحدارًا،وأن البقاء سوف يغدو انتحارًا،فقل لي بربك قل لي.. لماذا..لماذا هجرت الجدارا؟فمن يا ترى سيكتب عنها.. بلاد الحمائم؟ويقدح فينا بريق العزائم،ومن يا ترى سيشكر عنّا البلاد،ويصنع عنّا الحضارة،ويُكبر فينا الحياة،ليثمر جيل الحجارة. عهدناك تطوي المدائن طيًّا،وتلقاك كل المعابربنفس العنادونفس الصدود،فتعبر مثل البراق شرارًا وفيئًا،برغم الدماء التي قد تراق،وفوق جباه العساكر. تعال لتمدح ظل الأعالي،فثمّة بعد بقايا الرجال،وثمّة أرض.. وثمّة ريح هنا..بهذي الجبال.فمهما انهزمت،ومهما انكسرت،ومهما انسحقت،سأنهض يومًا وأردي احتلالي. الأديب فتحي النصراوي