الصفحة الرئيسية مقالات فتحي النصراوي  / تونس: محاضرة علميّة بعنوان “الخطاب المشهدي التفاعلي في الحكاية الشعبية”

فتحي النصراوي  / تونس: محاضرة علميّة بعنوان “الخطاب المشهدي التفاعلي في الحكاية الشعبية”

84 مشاهدات 8 دقائق اقرأ

توطئة:

مِنَ المناويلِ الثقافيّةِ التي ظهرت في العصورِ الوسطى نجدُ ضروبَ القصِّ الشفوي، وهو منوالٌ يختلفُ تمامَ الاختلافِ عن منوالِ ثقافةِ الصورةِ والرّمزِ المرئيّ، وإن كان هذا المنوالُ لا يخلو، حسب ظنّنا، مِن مقاربةٍ وسائطيّة، أي مِن حضورٍ “للعيان السّمعيّ” و”لتقنيةِ التّجسيد”، والرّكونِ إلى خطابٍ مرئيٍّ يتجلّى أساساً في جملةِ الإيماءاتِ والإشاراتِ الركحيّةِ التي تشي بها هذه الحكايات، فتترجمُ عالمَ التمثّلاتِ المرئيّةِ في المخيالِ الجمعيّ كما لو أنّها صورةٌ مرئيّة. إذ تتحوّلُ الحكايةُ في مستوى التلقّي إلى “كوداتٍ مشفّرة” des codes تُحوَّلُ بفعلِ عمليّةِ “التخييل المرئيّ” إلى صورٍ قابلةٍ لأن تكون مجسَّدةً للعيانِ في حالِ انطباعها في الذهن، ممّا يسمح لها بأن تكون خطاباً تفاعليّاً بين الرّاوي من جهة، وبين جمهورِ السّامعين من جهةٍ أخرى. وهذا ما يجعلُ من الحكي الشعبيّ منوالاً ثقافيّاً مشفَّراً بالرّموز، أي يتّسم بمضامين رمزيّة مميّزة، قد ترتقي ربّما إلى مصافِّ الخطابِ المسرحيِّ المشهديّ، ولاسيّما تلك الحكايات التي تعلّقت بالمخيال الشعبيّ وأنموذجِها الخرافيّ أو الفلكلوريّ على وجه الخصوص.

الحكي الشعبيّ: خطابٌ مشهديٌّ ونشاطٌ تفاعليّ

قد ترتقي الحكاية الشعبيّة في حيّزها أو فضائها اللّاجتماعيّ التواصليّ، رغم أنّها: “ابنة السّمع والسّماع لا سليلة العين والعيان”، إلى خطابٍ مشهديٍّ له من تقنياتِ الخطابِ المسرحيّ النزرُ الكثير. فهي تنضوي ربّما على جلِّ عناصرِ الفرجة من: (فواعل، وحركة، ودافعيّة، وفضاء، ومكوّنات ركحيّة، وإضاءة، وديكور). وذلك بالنظر إلى صورةِ الرّاوي ووجوده الحسّي الفيزيقي، أو في مستوى حركته وهيأته، أو “دافعيّة التموضع” و”كارزميّة الحضور”، سواء في اعتماده على “الخصال الشخصيّة”، أو الموقع، أو المكانة الاجتماعيّة، أو في مستوى “مكوّنات الفضاء” الذي تُروى فيه الحكاية على نحوٍ تفاعليٍّ مع جمهور السّامعين. فبدون حضور المتكلّم الفعليّ ومثول السّامع العينيّ تكون: “الحكاية قد تجرّدت من جهازها التواصليّ وجسدها الحيّ…” لأنّها تحتاج، كي تحيا: “إلى عرض الرّاوي وحفله تماماً كالمسرحيّة التي بدون عرضها على خشبة المسرح تفقد سمتها الجوهريّة”.

كما تحتاج إلى تقنية المحاكاة التي يبرع فيها الحكواتي كي يستجلب إليه الأنظار والأسماع والأذهان على حدّ سواء، فيقوم بالأدوار الموكولة إليه حتى يُلهب الجماهير بحكاويه المهتاجة المؤثّرة التي تتخلّلها الإشارات والإيماءات وحركة الجسم لترتبط الأفكار فيها بالكلمات.

لذلك ترتقي هذه المكوّنات لتصبح مؤثّثات ركحيّة، أي ديكوراً قابلاً للفرجة يدفع زخمها نحو تطوّر الفعل الدرامي في عالم الحكاية.
إذ يجلسُ الرّاوي، الذي يكون عادةً من جنس الإناث مثل “الجدّات” أو “العجائز المجرَّبات في الحياة”، جلسةَ “الكاتب المتربّع” أو “الإله بوذا” أو “المعلّم التقليدي” أو “الشّامان” أمام جماعةٍ من السّامعين الذين يكونون عادةً من “الصّبية”، فيشكّلون نصفَ حلقةٍ شبيهةً بالمسرح الكلاسيكي.

ويكون الموقد، “مصدر النار”، بكلّ تدرّجاتها اللّونيّة، في المركز، وكأنّها قطبُ الرَّحى الذي يدور من حوله “فعل الحكاية”، وكلّ الإيماءات والإشارات، وكلّ التعبيرات الجسمانيّة أو الشعوريّة الواعية وغير الواعية، أو التعبيرات اللفظيّة مثل التسبيح والاستغفار والتشهّد وتعظيم قدرة الخالق، التي تحضر حضوراً مُلفتاً ابتداءً من الصيغة الافتتاحيّة في متون هذه الحكايات، أو غيرها من تعبيرات التعاطف أو الاندهاش أو الإعجاب.

بالإضافة إلى الانفعالات الصادرة عن الراوي، أو عن جمهور السامعين، الذي تكون استجابته غالباً عبارةً عن “مردودٍ فوريٍّ ومباشر للتعبير عن الاستمتاع أو التذوّق”، وغير ذلك من مظاهر التفاعل الحيويّ كالإندهاش أو الخوف أو الحيرة أو القلق.

وقد يسود فضاء الحكاية “صمتٌ مُطبقٌ مشفوعٌ بالتوقّع يتناسب مع حجم الجمهور وكثافته”، ليُحدث نوعاً من “العدوى الانفعاليّة”، ليميل بعضهم “إلى تقليد نفس تلك التعبيرات التي يُبديها الآخرون المحيطون بهم”.

وخاصّةً عند التوقّف على الأحداث المثيرة أو المرعبة، كما هو الشأن في المشهد الغالق لقصّة “سارح خالتي”، أو “مشهد تفطّن الغولّة السبعة لوجود الغريب ووخزه بالمخيط وقتله” مثلاً، أو في كثيرٍ من المشاهد المثيرة التي تعجّ بها هذه الحكايات العجيبة.

لتتحوّل عدوى التفاعل مع الحكاية إلى حاجةٍ ملحّةٍ للتلامس والتقارب على نحوٍ شعوريٍّ مقصود، دافعه الخوف والرهبة أو الرغبة في الاحتماء.

وهذا عينه ما عبّر عنه “غوستاف لوبون” في كتابه “حضارة العرب” في نقله لحديث أحد السائحين بقوله:
“لينظر الإنسان إلى أبناء الصحراء أولئك حينما يستمعون إلى قصصهم المفضّلة، فهو يرى كيف يضطربون وكيف يهدأون، وكيف تلمع عيونهم في وجوههم السّمر، وكيف تنقلب دعتهم إلى عنف وبكاؤهم إلى ضحك، وكيف تقف أنفاسهم ويستردّونها، وكيف يقاسمون الأبطال سرّاءهم وضرّاءهم”.

لذلك يحتاج الراوي في كلّ مرّة، في ضوء كلّ تفاعل يُبديه الجمهور، إلى أن يُعدّل في أدائه التعبيريّ، إمّا بتغيير نبرات الصوت، أو تغيير الحركات والإيماءات، أو من “خلال التحكّم في تعبيرات الوجه وكيفيّة التواصل بالعين”.

ويكون ذلك بإلقاء نظراتٍ خاطفة إلى السامعين، أو بالتحديق في عيونهم بنظراتٍ دافئةٍ تهدّئ من روعهم، أو بإلقاء نظرةٍ ممتدّةٍ في الأفق تلفت انتباههم إلى الفضاء من حولهم، أو بتوجيه نظراتٍ مرتدّةٍ إلى الأرض يُبصر فيها السامعون ظلالهم المنعكسة على الأرض في دعوةٍ إيحائيّةٍ إلى التوحّد مع عالم الحكاية والكائنات الطيفيّة كالجانّ والهواتف أو الغيلان مثلاً، التي تقوم بدور الفواعل فيها.

وقد تُعبّر حركة جحوظ العين واندفاع الشفاه إلى الأمام مع بعض الانفتاح عن دافع التحفّز والتهيّب الذي يُصاحب إقدام بطل الحكاية على أمرٍ جللٍ وخطير، أو قيامه بحركةٍ عجائبيّة، كما هو الحال في قصّة “علي بن سلطان” على سبيل المثال عندما أقدم على بتر ساقه وهو على ظهر الحدأة، وكيف استردّها بمجرّد أن لفظتها الحدأة في لمح البرق.

إذ يُحاكي جمهور السامعين هذه الحركة الصادرة عن الراوي بدافع الاندهاش أو التناغم مع مغامرة ذاك البطل.

كما قد تُسهم حركة إغماضه لعينه بين الفينة والأخرى في إحداث “عدوى الإغماض”، فيتشارك الجميع في حالةٍ طقوسيّةٍ شبيهةٍ “بتخميرة الصوفيّ”، أو “الوجد الجماعيّ”، أو بعالمٍ مفارقٍ للواقع تكون “العودة فيه للذات رحلةً باطنيّةً مُفعمةً بالأسرار والألغاز… في رحلة وجدٍ تستغرق زمناً طويلاً”.

إلى عالمٍ فيه ما فيه من بواعث الدهشة والغرابة والسحر والذهول، وهو نوعٌ من التكنيك والاستراتيجيّة المقصودة لإحداث الأثر والتشويق. لذلك يُصبح التكامل بين هذا التكنيك والخيال “ضروريّاً لتحقيق الأداء الفعّال”. كما يغدو التفاعل مع الحكاية تشاركيّاً وبنّاءً.

وقد تسمح هالة الضوء على وجه الراوي “الجدّة”، أو تلك المنعكسة على وجوه الحاضرين، المنبعثة رأساً من النار، بوجود نوعٍ من أنواع الإضاءة التي تسمح بتحسين الأداء، وإحداث جانبٍ أوفر من جوانب التعبير والفرجة، ومتابعة الحكاية على قدرٍ كبيرٍ من التشوّق والاهتمام والتأثّر والانسجام.
ولما كان لهذه الجدّة الرّاوية “عكّاز” تستعمله “لكحث التراب” أو “منديل” أو “عصا” لتحريك الجمر أمامها، ولها فيها “مآرب أخرى”، فهي تلجأ إلى تحريكها أو رفعها أمام السامعين تعبيراً ربما عن هذه “السلطة الرمزيّة” التي قد تتشابه فيها مع “الحاكم-الرّاعي”، لأنّ “كلّ نشاط تربوي هو نوع من العنف الرمزي… والتعسف المقنّن”.

لذلك قد تُحرّك هذه العصا بدافع الحاجة إلى “التوجيه الحازم نحو لحظة ينبغي أن يُوجّهوا إليها اهتماماً خاصّاً، كأنّ شيئاً شديد الأهمّيّة يُوشك أن يحدث”، أو أن تُصبح هذه العصا سبيلاً للتعسّف والإخضاع المشرعن. إذ تنتج عن “الأحداث المخيفة في بعض الحكايات طاقة تأثيريّة” تُسهم في توليد الروابط الانفعاليّة بين الأفراد، ويحدث هذا نتيجة عملية نفسيّة شديدة الرسوخ أُطلِق عليها اسم “التّوادّ في ظلّ القلق”.

كما يمكن أن يكون وجود النار في وسط “فضاء التلقّي” عاملاً للإضاءة لصنع خيال الظلّ أو “مسرح الظلال” في الإيهام بوجود الأشباح والرهبان والغيلان أو وجود “البائنات”، كما لو أنها تتحرك فعلاً في الركح الخارجيّ، لينقلب المسموع كما لو أنّه مرئيّ يُعاين ويُرى، لما تختزنه النار ربما من دلالة على الدفء والتوادد أو القداسة والسحر، أو من دلالة على الرهبة والتهيّب والعقاب، أو لما تسمح به تلك الهالات من الضوء والضلال من بواعث على التخيّل.

وربما يغدو وجود النار بمعيّة العصا المتحرّكة في يد الجدّة دلالةً على “العقاب الرمزي” بعبارة “ميشال فوكو”، أو دعوة للانضباط والخضوع للقيم الجماعيّة، التي تفرض على جمهور الأطفال الصغار واجب الطاعة والخضوع.

ولما كان القاصّ يختلف عن الممثّل المسرحي، فهو لا يملك “الوقت الكافي ليغير ملابسه تبعاً لاختلاف الشخصيات التي ينطق بأدوارها”، بل يكتفي بتثبيت غطاء الرأس أثناء العرض أو تبديله للتعبير عن هويّات هذه الشخصيات، وهو أحياناً يستخدم “المنديل” ليقلّد به الوحوش أو الطير، فيعتمد على “الإلقاء”، وعلى التلوين الصوتي، وأحياناً يجعل اعتماده على اللهجات والشطحات اللغوية المختلفة أساساً للتعبير عن الشخصيات والتمييز بينها، حتى يُوهم بوجود تلك الشخصيات فعلياً.

تنشأ الحكاية انطلاقاً من ذات عارفة مجرّبة، “الراوي”، بما تمتلكه من “سلطة رمزيّة” وربما روحيّة على جمهور السامعين، مفروضة سلفاً بحكم القرابة أو التفاوت في السنّ والتجربة، استناداً إلى “علاقة القوة المستمدّة من النسب الرحمي للأمّ والنظام الإرثي”، أو ممّا تمتلكه ربّما من “سلطة في الخطاب”، خاصّةً عندما يكون خطاباً واعياً وقصدياً ومنظماً وفق استراتيجية مدروسة.

ممّا يُتيح لهذا “الراوي – القائد” إمكانيّة التحكّم في شعور هذا الجمهور وأجساده، إضافة لما يمتلكه من “دافعيّة في الأداء، ومهارات في الحركة، واستخدام للمكان” الذي تدور فيه عمليّة التفاعل، وهي قدرة قد يقترب فيها هذا “الراوي المؤنّث المجرّب” من مرتبة “الكاهن الساحر”، ليمارس “كهانته السحريّة”، أو ليُبدي نوعاً من “السحريّة” التي يعتبرها “ستانيسلافسكي” المفتاح الخاص الذي يفتح باب التّجسيد الخيالي للمشاعر والانفعالات على نحو يتّسم بالكفاءة.

لذلك يمارس الحكواتي ضرباً من “الإيهام” في نشاطه التفاعلي مع جمهوره، فيصبح “متلاعباً ماهراً بالانفعال الجماعي”، خاصّةً من خلال الإيماءات والإشارات مثل حركة العين والأطراف والشفاه، والانفعالات الارتدادية للجسد، فلا يسع بعض أفراد الجمهور المندمج في الحكاية إلا أن ينخرطوا في عمليّة “توحّد” مع بعض أبطال تلك القصص المشوّقة، مما يجعلهم “يُسقطون أنفسهم عقلياً داخل الوضع أو الحالة الخاصة بالشخصيات”، أو الفواعل في عمليّة تقمّص لا واعية شبيهة بالتّشارك الوهمي الذي يكاد تزول فيه الفواصل بين الركحين، وبين عالم الحقيقة والخيال.

تروي الجدّة قصتها بعد إلقاء “الصّيغة الافتتاحيّة” التي تنشأ بالأساس على إثارة الحافظة الإيمانيّة لدى جمهور السامعين، بنوع من تلك الصيغ المعتادة والمكرّرة في كثير من هذه الحكايات. فتبدو الحكاية للوهلة الأولى وكأنّها عملية استعداد لطقس مقدّس أو “طهارة كبرى”.

فتضطلع “الجدّة – الراوية” في ذلك بدور “المعلّمة الأولى” أو “الأم الروحيّة”، لتُمارس نوعاً من “اللّعب العقلي” فينشأ التخييل والفنّ العجيب، حيث تبرز لديها هذه الجاذبيّة الخاصة لقصص الرعب والمغامرة، والإيحاء الرمزي الذي حظيت فيه المرأة الراوية عبر أجيال عدّة، بكون لهذه الحكايات سحرها الخاص بالنسبة للنساء، وذلك رغبةً ربما في التشويق والإغراب، وربما الرغبة في إخضاع هذا الجمهور من الصغار، وهو شعور يتولّد لديها بدافع التصعيد والتطهر ممّا كانت تعانيه المرأة في القرون الوسطى من مكبوتات ومركّبات نفسيّة مثل العنف والكبت المضاعف.

ويعتقد بعض علماء النفس أنّ الانفعالات النفسيّة كالعدوان والخوف والاستثارة مثلاً، هي عبارة عن حوافز يتمّ التخفّف منها أو خفضها خلال ذاك المسار الخاص بالتعبير عنها، وذلك أنّ الأعمال الخياليّة، وربما التراجيدية منها على وجه الخصوص، تكشف عن شيءٍ ما خاص بسيكولوجيّة مؤلفها أو راوِيه، خاصّةً في الحكايات الباعثة على الرعب والخوف المضمّنة لكائنات خرافيّة مرعبة.

فمهما تكن أنواع “البائنات” وأجناسها، فإنّها في كلّ الأحوال غير موجودة في الكون الطبيعي، ولا علاقة لها بأحوال الأشياء في العالم، لأنّها تمثّل قبل كلّ شيء صوراً متنوّعة من تعبير النفس، صادرةً من منابعها الحُلمية العميقة، لأنها تبقى رموزاً تعبيريّة عن مكبوتات شتّى ظلّت تختمر في أعماق الأنوثة المعذّبة.

والدليل على ذلك هو تكرار بعض الموضوعات الرئيسة “الثيمات” على نحوٍ ملحوظ، لتفضح انشغالاتهم الشخصيّة وعالمهم الباطني العميق، مثل الولادة والخصوبة والغيرة الزوجية والموت وغيرها من الثيمات المتكررة تقريباً في جميع تلك الحكايات.

لذلك تُحقّق هذه الحكايات الخياليّة وظيفة الإمتاع أو التحقق الوهمي لرغبات الراوي، كما يتّخذ بعضها صفةً استكشافيّة أكثر اتّساعاً لتتضمّن الوظيفة التعليمية أو التربويّة، إذ تُعلّم هؤلاء الصغار على نحو غير مباشر رسالة أو مغزى ما، فحواها أنّ الشرّ لا بدّ أن يُحيق بأصحابه، وأنّ “القوّة ليست هي الحقّ، وأنّها ليست دائماً الغالبة”.

لذلك يغدو نشاط الحكي، بالنظر إلى هذه الوظائف، نوعاً من “النشاط الإبداعيّ والصحّي شديد الرقيّ”، وهو المكافئ أو المماثل العقلي للّعب، وعيادة نفسيّة لترويض الانفعالات والانفلاتات الشعوريّة لدى جمهور السامعين، ولدى الرواة على حدّ سواء. إذ يتحوّل ذاك النشاط إلى نشاط تربويّ مدروس وقصدّي، وإلى عمل ترسيخي يدوم بما يكفي لتأهيل الأجيال اللاحقة.

وما إن تبلغ الحكاية منتهاها، حتى تُطفأ النار بعد أن يتحوّل الجمر إلى رماد، ليلتهب سعير الحكاية في قلوب “الصغار” وأذهانهم في لحظة تكيّف أصيلة تسمح بالعودة إلى الواقع، في لحظة غالقة يُعلن فيها الراوي عن نهايتها بتلك الصّيغة الختاميّة المعهودة من قبيل:
(حكايتنا خشّت الغابة °° والعام الجاي يجينا صابة).

وما بين غمضة عين وانتباهتها، تبدأ الحكاية بفعل فعلها وأثرها في سلوك هؤلاء الأطفال، إذ عادة ما تُرفق هذه اللحظة بلحظة استرداد وتقييم لقيمة أبطال القصة ومغامرتهم، لينشأ نوع من الانطباع الموحد حولهم، أو نوع من “وحدة الأثر والانطباع”.

وقد يُترجم ذلك على الفور بحركات أو إيماءات أو تعبيرات مميّزة تعبّر عن ذلك التأثر أو التشبّه أو “المحاكاة” لهؤلاء الأبطال الفاعلين، وقد تتحوّل هذه المحاكاة بمرور الوقت إلى سلوك أصيل يسلكونه على نحو اعتيادي، ليدخل ضمن أخلاقيات اليومي والتكوين النفسي والذهني.

وذلك لأنّ العمل التربوي الذي مارسته الجدّة قد يُصبح “عملاً متواصلاً من الترسيخ الذي يُحدث تطبّعاً يتصف بالديّمومة والاستمرار، وبقابلية الانتقال”. لذا يربو لدى هؤلاء الأطفال الإيمان بالحق والفضيلة والانتصار للشرف وعلو الهمّة والصبر على الشدائد، وحب الانتماء والتعلّق بالأرض والعشيرة، لتبرز في النهاية القيمة التربويّة والتعليمية والتواصليّة والتفاعليّة الاجتماعية والنفسيّة والمعرفية لهذه الحكايات على أكمل ما يكون البروز، في تكامل عجيب بين الإمتاع والإفادة.

وقد يستتبع قيام الجدّة بهذا الدور بروز أحد السامعين المميّزين ليعتلي مكانها، ويضطلع بنفس الدور الذي كانت تؤدّيه، محاولاً تقليدها في كلّ شيء، أو تقليد بعض أدوار أبطال تلك الحكايات، فينشأ إذّاك دافع الرغبة في القيادة.

وهكذا تُسهم هذه الحكايات في النهاية في إعداد الأجيال وصنع الرجال، وإكسابهم قدرة على مقارعة المحن والشدائد، ومغالبة الصعاب، وفي امتلاك عوامل القوة والمسؤولية والإرادة الخلّاقة.

يتبع…

الأديب فتحي النصراوي

  • أديب وباحث تونسي
    أديب تونسي وباحث في اللغة والآداب العربية، متحصّل على شهادة الأستاذية في اللغة والآداب العربية من كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة سنة 2004، وشهادة نجاح في الدروس المعمّقة (ماجستير في الحضارة العربية الحديثة) سنة 2006. جمع بين التكوين الأكاديمي المتين والنشاط الثقافي والإبداعي الميداني، ما مكّنه من بناء تجربة أدبية متنوّعة ومتجذّرة. حاز عدّة شهائد تقدير وجوائز في مسابقات شعرية وأدبية وطنية وعربية، من بينها الجائزة الأولى في مهرجان الصداقة الدولي الجامعي، والجائزة الأولى في مسابقة مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، إلى جانب وسام استحقاق من جامعة ناصر الأممية، وشهادة التميّز الشرفية العليا في الأدب والإبداع عن الاتحاد الدولي للكتاب العرب سنة 2021. كما نال العديد من شهائد الشكر والتقدير تقديرًا لمساهماته الثقافية والتربوية في الفضاءات الجامعية والشبابية والمؤسسات الثقافية. نشط في مجال التنشيط الثقافي والتربوي، حيث أعدّ برامج ثقافية موجّهة للأطفال والشباب، وأسهم في تأطير نوادي الأدب والكتابة والإبداع الفني بعدد من المبيتات الجامعية والمعاهد الثانوية ودور الثقافة ودور الشباب، إضافة إلى مشاركته في تأسيس وإدارة جمعيات ثقافية ومدنية، من بينها جمعية عشّاق الطبيعة وجمعية ربيع سبيطلة الدولي، إلى جانب عضويته في الهلال الأحمر التونسي. أصدر وأعدّ مجموعة من الأعمال الأدبية المتنوّعة بين الشعر والمسرح والرواية والبحث التراثي، من أبرزها: ديوان «…وللعصافير كفاحها»، وديوان «نبي ترشيش»، ومسرحية «المتثقفية»، ومسرحية «نضال وحورية الأرض»، ورواية «الصرخة»، إلى جانب كتاب «الحكاية الشعبية في السباسب العليا: أرياف سبيطلة أنموذجًا» في جزأين، الصادر عن دار الفردوس للنشر والتوزيع، ومجموعة «أغانٍ منسيّة» بالعامية. تتسم كتاباته بعمقها الإنساني واهتمامها بالبعد الاجتماعي والتراثي والوطني، جامعًا بين الحسّ الشعري والرؤية الفكرية النقدية.

اقرأ أيضا

أترك تعليقا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.