94 في رمضان (569هـ-1174) صلب صلاح الدين الأيوبي مؤرخ اليمن وشاعرها (عمارة اليمني) غفر الله لهما، بتهمة التآمر مع الصليبيين. واليوم يبعث الحكيم باقيس هذه المأساة بقراءة سردية صارمة، تجعلنا نتساءل: هل هي الموضوعية الأكاديمية ـ التي أعرفها عنه ـ وحدها التي تحرّك قلم باقيس، أم أن “القيل اليماني” في وجدانه ينهض ليرد الاعتبار لسلفه عمارة؟! ترجّح القراءة التحليلية أن عمارة اليمني كان ضحية لحظة تحوّل تاريخي حاد، لم يُصلب لأسباب دينية أو عقدية محضة، بل لأنه مثّل “خطراً سياسياً” ورمزاً للنظام القديم الذي كان صلاح الدين يسعى لمحو أثره لضمان استقرار حكمه في مصر. لم يكن عمارة مجرد شاعر في بلاط الفاطميين، بل كان نفساً قلقة صيغت نهايتها في لحظة تحوّل سياسي ومذهبي حاد مع بزوغ الدولة الأيوبية. وفي كتابه “نصية سيرة عمارة اليمني الذاتية وأنطولوجيا السيرة الذاتية التراثية”، يعيد الدكتور عبد الحكيم باقيس استنطاق هذا النص التراثي، واضعاً إيانا أمام تساؤل جوهري: هل ضللنا الطريق في فهم كيف قرأ أجدادنا ذواتهم؟ لطالما حاصرت التهم التاريخية عمارة اليمني، وتعددت الروايات حول مقتله؛ فمن قائل بتآمره لإعادة الدولة الفاطمية، ومن زاعم بمراسلته للصليبيين، وصولاً إلى من اختزل دمه في “بيت شعر” مهلك. غير أن باقيس يتجاوز هذه القشور ليحلل تلك الروايات بوصفها “خطابات سياسية” أنتجتها سلطة منتصرة لتثبيت شرعيتها. ومن خلال فحص نص عمارة نفسه في كتابه “النكت العصرية”، يفنّد باقيس تهمة “التشيع العقدي”، مؤكداً أن النص يفيض بالدفاع عن الصحابة وبالتصريح بالانتماء المذهبي الشافعي. وبذلك يتحول مقتل عمارة في هذه القراءة من “عقوبة دينية” إلى “تصفية سياسية” محضة، استُخدم فيها المذهب غطاء لتثبيت شرعية الحكم الجديد. “النكت العصرية”: مخاتلة العنوان وانفجار الذات يكمن ذكاء عمارة اليمني في قدرته على “مخاتلة العنوان”، فقد اختار لعمله اسماً يبدو تاريخياً تقريرياً (أخبار الوزراء المصرية) ليمرّر من خلاله سيرة ذاتية عميقة ومكتملة الأركان، محطماً بذلك المسلمة القائلة بأن السيرة الذاتية وافد غربي حديث. فالنص ليس سرداً بارداً لوقائع تاريخية، بل هو فضاء تتصارع فيه خطابات السياسة والمذهب والشعر. ويرى باقيس في “غياب الخاتمة” لهذا الكتاب دلالة رمزية كبرى؛ فهي ليست مجرد نقص مادي، بل انعكاس لظلال الرقابة، أو ربما لسباق مع الموت الذي لم يمهل المؤلف ليتم نصه. نحو “أنطولوجيا” للسيرة العربية لا يتوقف باقيس عند عمارة كحالة فردية، بل يفتح أفقاً أوسع لبناء تصور كلي (أنطولوجيا) للسيرة الذاتية في التراث العربي. فهو يؤكد أن الذات العربية لم تكن غائبة، بل كانت كامنة في “بطون الكتب”: في التراجم والطبقات والمذكرات التي لم تجد من يحررها من قيود التصنيف التقليدي. إن هذا العمل يمثل محاولة لزحزحة اليقينيات النقدية السائدة؛ فهو لا يدافع عن عمارة الشخص بقدر ما يدافع عن “حق النص” في أن يُقرأ من داخله. ويبقى كتاب باقيس دعوة لاستعادة وعينا بتاريخنا الأدبي؛ فإذا كان السيف قد غيّب جسد عمارة، فإن النقد الرصين قد أعاد لروحه النصية حضورها الطاغي في قلب المشهد الثقافي. يتبع بإذن الله… الباحث مجيب الرحمن الوصابي