السبت, أكتوبر 3, 2026
الصفحة الرئيسية دراسات ونقد شعري شطر بيت من الشعر: قراءة بلاغية في “شِعري لَمن نَفس الرحيم تنفسا”

شطر بيت من الشعر: قراءة بلاغية في “شِعري لَمن نَفس الرحيم تنفسا”

6 زائر 6 دقائق اقرأ

شطر بيتٍ من الشعر أنا مفتونٌ به حدّ الطرب، وأرشحه أنموذجًا لدرس في البلاغة العربية، فليس كلُّ شعر يُقرأ؛ بعض الشعر يُسمع أولًا، وهذا هو الأصل عندي، ثم لا يلبث أن يستقر في النفس قبل أن يجد القارئ له تفسيرًا. وقد يكون أجمل ما في القصيدة أن تفاجئك من أول كلمة، وأن تقول لك قبل أن تروي حكايتها: أنصت، فإن وراء هذه الكلمات شيئًا يستحق أن يُصغى إليه.

كنتُ في المدرسة السليمانية وسط العاصمة التونسية، أستمع إلى شاعر يمني يحمل وطنه معه أينما ذهب، حين انطلق صوته بهذا الشطر:

شِعْرِي لَمِنْ نَفَسِ الرَّحِيمِ تَنَفُّسَا

ولم أكد أسمعه حتى شعرت أن القصيدة قد قالت سرَّها قبل أن تبدأ.

ذلك أن الشاعر لم يقل لنا في أول كلامه إنه سيحدثنا عن اليمن، ولم يبدأ بوصف الحرب، ولا بالحنين إلى الأرض، ولا بتعداد أمجاد الأجداد؛ بل بدأ من مكان أعمق: من الشعر نفسه. جعل شعره تنفسًا، وجعل لهذا التنفس نَفَسًا يأتيه من «الرحيم». فما الشعر، في هذه العبارة، إلا حياة تتجدد، ونَفَسٌ يبحث عن صدر يتسع له.

وهنا، لروعة الكلمة حين تكون في موضعها، نجد لفظة واحدة مثل «تنفسًا» تفتح في القصيدة أبوابًا لا يكاد يحصيها التأويل. فالتنفس حياة، ولكنه كذلك فرج بعد اختناق؛ وهو حركة الصدر حين تضيق به الدنيا ثم يجد لها منفذًا. وإذا كان الشاعر سيتحدث بعد ذلك عن وطن أثقلته الحرب، وعن أرض كانت تسمى «السعيدة» ثم نالها من الشقاء ما نالها، فإننا نستطيع أن نفهم لماذا اختار التنفس دون غيره.

ثم إن الشاعر لم يقل: شعري من فضل الرحيم، ولا من عطاء الرحيم، وإنما قال: «من نفس الرحيم». ولا أريد أن أحمل العبارة ما لا تحتمل، ولكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من الإصغاء إلى ما تستدعيه هذه الكلمات في ذاكرة العربي؛ ففيها ظلٌّ من قوله تعالى:

﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾

وفيها صدى الحديث المشهور:

«الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وأجد نفس الرحمن من قبل اليمن».

وما أعجب هذا التلاقي الفني! فالشاعر يمني، والقصيدة يمنية الوجع، ثم يأتي لفظ «النَّفَس» في موضع يجعل القارئ قادرًا على أن يرى اليمن نفسها كأنها تبحث عن نَفَس.

وقد ذهب بعض الشُّرّاح في تفسير «نَفَس الرحمن» إلى معنى الفرج والتفريج؛ وعلى هذا التأويل يمكن أن يزداد البيت اتساعًا: فشعر الشاعر ليس مجرد تعبير عن الألم، بل هو أيضًا بحث عن متنفس، ومحاولة لاستعادة شيء من الأمل وسط واقع مثقل بالوجع. وليس من الضروري أن نجزم بأن هذا هو قصد الشاعر، وإنما يكفي أن النص يتيح هذا الأفق من القراءة.

النَّفَس الذي يتحول إلى شعر

لعل أجمل ما في البيت أن الشاعر جمع بين «نَفَس» و«تَنَفُّس»، وهما من جذر واحد، فأقام بينهما صلة لفظية ودلالية عميقة.

هناك نَفَس، وهناك تَنَفُّس؛ هناك شيء يصل إلى الشاعر، وهناك فعل يصدر عنه. وكأن المعنى يقول: يصلني النَّفَس، فأحوّله شعرًا؛ يصلني الألم، فأحوّله قصيدة؛ يصلني الوطن مثقلًا بالجراح، فأعيده إلى الحياة بالكلمة.

وهذه ليست مجرد محاسنة لفظية؛ فالاشتقاق هنا يؤدي وظيفة دلالية، إذ يربط المصدر بالفعل، والمنبع بالأثر، والعطاء بالإبداع.

فالشعر عند محمود أبوبكر ليس صناعة لفظية منفصلة عن الحياة، وإنما هو فعل وجودي. كما أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش من غير تنفس، فإن الشاعر لا يستطيع أن يعيش تجربته من غير أن يحولها إلى شعر.

ومن هنا تصبح عبارة:

«شعري… تنفسًا»

استعارة مركزية في بناء القصيدة؛ إذ جعل الشاعر الشعر كائنًا حيًّا يتنفس. والشعر هنا لا «يقال» فقط، بل يتنفس.

وهذا الانتقال من المجال المجرد، وهو الشعر، إلى المجال الحسي، وهو التنفس، يمنح الصورة حياة وحركة. وكأن القصيدة حين تخرج من الشاعر لا تخرج ألفاظًا جامدة، وإنما تخرج أنفاسًا حية.

«الرحيم» ودلالة الاختيار

وليس اختيار كلمة «الرحيم» عابرًا في هذا السياق.

فالشاعر كان يستطيع أن يقول: من نفس الرحمن، لكنه قال: «من نفس الرحيم». واللفظ يستدعي، بطبيعته، سياق البسملة:

﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

ويفتح في الوقت نفسه فضاءً من المعاني المتصلة بالرحمة واللطف والعناية والفرج.

وهذه الدلالة تتلاءم مع التجربة العامة للقصيدة؛ فالشاعر لا يتحدث عن وطن مزدهر مطمئن، وإنما عن وطن جريح، يبحث أبناؤه عن فسحة في زمن ضاق فيه كل شيء.

إن كلمة «الرحيم» هنا تجعل التنفس فعلًا يتصل بالرحمة؛ وكأن الشعر، في لحظة الألم، محاولة لاستدعاء الرحمة إلى فضاء الوطن.

من الصبح إلى الشعر

ومن أجمل ما يتيحه لفظ «التنفس» من أفق تناصي قوله تعالى:

﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾

فالقرآن يجعل الصبح يتنفس، والشاعر يجعل الشعر يتنفس.

وهنا تتولد صورة شديدة الجمال: الصبح يتنفس بعد الظلام، والشعر يتنفس بعد الألم.

والصبح في الوعي الإنساني رمز لبداية جديدة، والتنفس خروج من الاختناق، والشعر عند الشاعر مخرج من ثقل التجربة. ومن ثم فإن اللفظة الواحدة تلتقي فيها دلالات الحياة والانبعاث والانفراج.

من الشعر إلى الوطن

والأهم من ذلك أن الشاعر لم يبدأ باليمن مباشرة، وإنما بدأ بالشعر، ثم أخذ ينتقل منه إلى ذاته، ومن ذاته إلى وطنه.

يقول:

شِعْرِي لَمِنْ نَفَسِ الرَّحِيمِ تَنَفُّسَا

وَمِنَ الأَصَالَةِ وَالْبَيَانِ تَأَسَّسَا

ثم يقول:

أَوَلَسْتُ مِنْ أَصْلِ الْعُرُوبَةِ مَنْبَعِي

وَوُسِمْتُ لِلْيَمَنِ السَّعِيدِ مُجَنَّسَا

ثم ينتقل إلى:

كَيْنُونَتِي مِنْ بَطْنِ حِمْيَرَ مِنْ سَبَا

ثم إلى أمجاد اليمن القديمة، قبل أن يضعنا فجأة أمام اليمن المعاصرة:

لَكِنْ مَعَ أَسَفِي تَبَدَّلَ حَالُهَا

غَطَّى ضُحَاهَا دَامِسٌ قَدْ حَنْدَسَا

فتتسع دائرة المطلع شيئًا فشيئًا:

الشعر ← الشاعر ← الهوية ← اليمن ← جرح اليمن.

وهذا التدرج من عناصر جمال البناء؛ لأن الشاعر لا يلقي علينا القضية الوطنية إلقاءً مباشرًا، بل يجعلنا نصل إليها معه خطوة خطوة.

براعة الاستهلال: حين يدل الأول على الآخر

وهنا يحضر ذلك المبدأ البلاغي القديم الذي يقول إن براعة الاستهلال تكون حين يدل أول الكلام على غرضه، ويكون أوله ملخصًا لآخره.

وقد جاء في بعض كتب البلاغة أن الشاعر إذا ابتدأ قصيدة مدحًا أو ذمًّا أو فخرًا أو وصفًا، ينبغي أن يفتتحها بما يدل على غرضه، وأن يكون ابتداء كلامه دالًا على انتهائه.

وتذكرتُ هذا المبدأ وأنا أستمع إلى قصيدة محمود أبوبكر؛ فقد بدا لي أن المطلع قد استوفى شرطًا أصيلًا من شروط براعة الاستهلال: أن يكون مفتاحًا للنص، وأن يختزل غرضه العام، ويهيئ المتلقي لما سيأتي بعده.

فمنذ:

شِعْرِي لَمِنْ نَفَسِ الرَّحِيمِ تَنَفُّسَا

نعرف أن الشاعر لن يتحدث عن وطنه حديث المؤرخ البارد، وإنما سيتحدث عنه حديث من يتنفسه.

الإيجاز: كثير المعاني في قليل الألفاظ

وهنا تظهر قيمة الإيجاز بوصفه أحد أركان البلاغة العربية.

فقد سأل معاوية بن أبي سفيان صحار بن عياش العبدي:

«ما تعدون البلاغة فيكم؟»

فقال: «الإيجاز».

ونجد المعنى نفسه عند ابن المقفع، فيما نقله الجاحظ، من أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته وغرضه.

ويقول الجاحظ في معنى الإيجاز: إنه قلة عدد اللفظ مع كثرة المعاني، ويقول أيضًا:

«أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره».

وهذا بعينه ما نراه في مطلع محمود أبوبكر.

فكم من المعاني اجتمعت في كلمات قليلة:

الشعر، والنفس، والرحمة، والحياة، والانفراج، والوطن، والألم، والأمل.

ولهذا فإن البيت لا يؤدي وظيفة افتتاحية فحسب، وإنما يؤدي وظيفة تأويلية أيضًا؛ إذ يضع في يد القارئ مفتاحًا يستطيع به أن يقرأ بقية القصيدة.

الموسيقى الداخلية للبيت

ولا تقف جماليات البيت عند المعنى، وإنما تمتد إلى الصوت.

تأمل:

نَفَس ــ تَنَفُّس

إن الأذن تسمع صلة الكلمات قبل أن يتدخل العقل في تفسيرها. وتكرار الأصوات، ولا سيما النون والفاء والسين، يخلق موسيقى داخلية تنسجم مع موضوع البيت نفسه.

ثم إن امتداد الصوت في نهاية «تَنَفَّسَا» يمنح الكلمة شيئًا من الامتداد، وكأن اللفظ نفسه يحاكي الفعل الذي يدل عليه.

وهذه واحدة من خصائص الشعر الحقيقي: أن تتعاون الدلالة والصوت، فلا تكون الكلمة جميلة في معناها فقط، بل في جرسها أيضًا.

بين «النَّفَس» و«الوجع»

وحين نمضي في القصيدة نجد أن المطلع لم يكن زينة لفظية، بل كان يحمل في داخله نواة التجربة كلها.

يقول الشاعر:

فَحَمَلْتُ مِنْ هَمِّ السَّعِيدَةِ مَا نَأَتْ

عَنْ حَمْلِهِ صُمُّ الْجِبَالِ تَوَجُّسَا

فإذا كان الشعر تنفسًا، فإن هذا البيت يجيب عن السؤال: لماذا يحتاج الشاعر إلى التنفس؟

لأنه يحمل همًّا أثقل من أن تحمله الجبال.

ثم يقول:

سَأَظَلُّ أَذْكُرُ حَالَهَا مُسْتَنْهِضًا

هِمَمًا بِمَنْ هُمْ يَصْمُتُونَ تَحَسُّسَا

فالشعر ليس تنفيسًا شخصيًا فحسب؛ إنه يتحول إلى فعل تذكير واستنهاض.

ويقول:

وَأَظَلُّ أَنْشُدُ مَجْدَهَا وَرُقِيَّهَا

فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَلَنْ أَمَلَّ وَأَيْأَسَا

فتكتمل الدائرة: الشعر يبدأ تنفسًا، ثم يتحول إلى ذاكرة، ثم إلى موقف، ثم إلى أمل.

من اليمن إلى تونس: الوطن المحمول في القلب

ولعل أجمل ما في القصيدة أنها لا تجعل خروج الشاعر من اليمن انقطاعًا عنها.

يقول:

وَدَّعْتُهَا وَحَنِينُهَا فِي أَضْلُعِي

وَهَوَاجِسِي فِي كُلِّ صُبْحٍ أَوْ مَسَا

ثم يقول:

وَلِقِبْلَةِ الْعُلَمَاءِ تُونِسَ وَالْهَوَى

يَمَّمْتُ وَجْهِيَ قَاصِدًا كَيْ أَدْرُسَا

ثم:

مُتَأَبِّطًا هَمِّي وَهَمَّ سَعِيدَتِي

وَبِتُونِسَ الْخَضْرَاءِ أَنَخْتُ لِتُؤْنِسَا

وهنا تظهر مفارقة جميلة: خرج الشاعر من اليمن طلبًا للعلم، لكنه لم يخرج من اليمن وجدانيًا.

لقد ترك أرضه، لكنه حملها في أضلعه.

ولذلك فإن تونس لا تظهر في القصيدة بوصفها بديلًا عن اليمن، وإنما بوصفها فضاءً للعلم والأنس والاستمرار.

ومن هنا يقول:

وَأَتَيْتُ أَقْطِفُ مِنْ جَنَى أُدَبَائِهَا

مُتَنَسِّمًا آثَارَهُمْ مُتَلَمِّسَا

وتعود كلمة «متنسّمًا» لتستدعي مرة أخرى حقل التنفس والنسمات والنَّفَس، فيستمر الخيط الدلالي الذي بدأ به المطلع.

القصيدة كلها في مطلعها

عند البلاغيين القدماء أن خير الشعر ما قام بنفسه، وكمل معناه في بيته، واستغنى بعضه عن بعضه.

وهكذا يبدو لي شطر محمود أبوبكر مستغنيًا، من حيث الدلالة، عن كثير مما ستقوله القصيدة بعده؛ فقد كان مفتاحًا لها، واختزالًا لمعناها العام، وجامعًا لمقامها وسياقها.

فالشعر تنفّس، والتنفس حياة، والحياة وطن، والوطن في هذه القصيدة اليمن.

ولذلك فإن أجمل ما في هذا المطلع أنه لا يخبرنا بما ستقوله القصيدة فحسب، وإنما يجعلنا نشعر به قبل أن تقوله.

وهذه هي المسافة الدقيقة بين الشعر الذي يصف، والشعر الذي يُشعر.

فلنقرأ القصيدة بعد ذلك، ولننظر كيف أخذ الشاعر يفكك في أبياتها ما أجمله في مطلعها، وكيف انتقل من «نَفَس الرحيم» إلى «همّ السعيدة»، ومن اليمن الجريحة إلى تونس الخضراء، ومن وجع الغياب إلى أمل العودة، حتى كأن القصيدة كلها لم تكن إلا تنفسًا طويلًا خرج من صدر شاعر حمل وطنه معه، وحاول أن يمنحه بالكلمة حياة أخرى.

مجيب الرحمن الوصابي
باحث – اليمن

  • أديب وباحث يمني
    مجيب الرحمن الوصابي هو أديب وشاعر يمني، وُلد في محافظة ذمار باليمن. يُعد من الأصوات الأدبية المعاصرة في اليمن، وقد عُرف بإسهاماته في مجالي الشعر والمقالة الأدبية. ينتمي إلى الجيل الجديد من الأدباء اليمنيين الذين يسعون إلى تجديد الخطاب الأدبي وتوظيف القضايا الاجتماعية والوطنية في أعمالهم. أبرز ملامح سيرته الأدبية: كتب في عدد من الصحف والمجلات الأدبية اليمنية والعربية. شارك في العديد من الفعاليات الثقافية والندوات الأدبية داخل اليمن وخارجها. يميل في شعره إلى التعبير عن هموم الإنسان اليمني وتفاصيل الحياة اليومية، ويتميز أسلوبه بلغة سلسة وصور شعرية عميقة. له حضور في وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة لنشر نصوصه والتفاعل مع قرائه.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.