الصفحة الرئيسية قصيدة النثر زاهر الأسعد-فلسطين: يكتب “طفولة على هامش وطن”

زاهر الأسعد-فلسطين: يكتب “طفولة على هامش وطن”

462 مشاهدات 1 دقائق اقرأ

كنت طفلًا
أحمل الخسارات في حقيبة زرقاء
اشتريناها على حساب الزيت والسكر
وكانت تئن كلما وضعت فيها كتابًا عن الوطن

في المدرسة
لم تكن الجدران بيضاء
كانت سجلًا للعقاب
كل خط بالقلم يُمحى بالصرخة
وكل كلمة تتحول إلى خطأ في دفتر المراقبة

الأستاذ كان يرى الكتابة خطيئة
ويرى المقعد الخشبي مكانًا للانضباط
لكنني كنت أجلس في آخر الصف
لا لأنني قصير أو طويل
بل لأنني وجدت هناك منفى صغيرًا
أخفي فيه وجهي خلف الحروف
وأفتح شقًا في الجدار
كي يتسلل منه الضوء

أبي كان يقول
الشغب لا يصنع مستقبلًا
لكنني كنت أراه بذرة
أخطها بالطباشير
كأنني أخلخل القيد
وأحول الفوضى إلى نافذة
يدخل منها الضوء

كبرت
فصارت الحقيبة أرشيفًا يتنفس
والحقل غرفة بلا نوافذ
والحلم موعدًا مؤجلًا لا يأتي

لكنني ما زلت أسقط
كل يوم
في وحل جديد
وأضحك
كأنني أمارس طفولتي
على طريقة الكبار

أتذكر
خبزًا باردًا
وجار صار مديرًا لأنه طأطأ رأسه
وأنا الذي حفرت نافذة في العدم
كي يتسرب منها الضوء

ما زلت أؤمن أن الحزن يتحول إلى لغة
وأن الكتابة ليست هروبًا
بل مقاومة صغيرة
تحول الحقيبة إلى وطن متنقل
والكلمة إلى فناء مفتوح
والضحك في الوحل
إلى إعلان عن حياة لا تهزم

أنا طفل كبر
لكن طفولتي ما زالت على الهامش
تتمسك بظلها
وتترك سؤالًا معلقًا في الهواء
هل الوطن أثر يمحى

الشاعر زاهر الأسعد

  • شاعر وكاتب فلسطيني
    وُلد في درعا عام 1983، لاجئٌ فلسطيني يقيم في سوريا، ويحمل في قلبه وطنًا غائبًا لا يفارقه، تمامًا كما لا يفارق الماء سيرة النهر. يعيش في المزيريب حيث تتداخل الذاكرة مع تفاصيل الحياة اليومية، فيكبر الحنين معه، ويكبر المعنى. يعمل في الشركة السورية للاتصالات، يمدّ الخيوط بين الناس، لكنه يجد اتصاله الأعمق في الشعر؛ فهناك يتنفس، وهناك يبحث عن المعنى الذي لا تمنحه الخرائط ولا تمنحه المهن. في الكتابة يفتح أبوابًا للضوء، ويصنع مسارًا خاصًا بين الصرامة العملية وحرية القصيدة. هاوٍ للشعر، محب للنصوص الوجدانية والفلسفية، يقلب الكلمات كما لو كانت أطيافًا تتشكل بين يديه، ويجعل من يومه طقسًا روحيًا يوازن فيه بين واقعٍ يفرض قوانينه، وخيالٍ يشرّع نوافذه بلا حدود. يحمل شغفًا لا ينطفئ، ويكتب ليظل حاضرًا في وجه الغياب، وليبقى الضوءُ ممكنًا مهما طال الليل.

اقرأ أيضا

أترك تعليقا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.