الصفحة الرئيسية قصيدة النثر زاهر الأسعد / فلسطين: نصّ بعنوان “سلالة المعنى”

زاهر الأسعد / فلسطين: نصّ بعنوان “سلالة المعنى”

91 مشاهدات 1 دقائق اقرأ

من سهو الضوء جُبِلوا،
من طين المارة،
يعبرون كالوحي في صمت القصيدة،
هادئون حد الذهول،
واضحون حد الغياب.

أولئك الذين مسّت أرواحهم رنة الحقيقة،
فارتموا في الرعشة،
لا من برد المسافات،
إنما
من ثقل المعنى في زحام العابرين.

هم حراس النوايا في زمن الضجيج،
يقرؤون الوجوه كرسائل عتيقة لم تُفتح،
ويصغون لتنهيدة الجدران حين يهجرها الأحبة.

كلماتهم ليست صوتاً،
لكنها نبض استعار لغة،
يخافون أثر حروفهم على رقة القلوب،
كأن النطق في أفواههم
عصفور يخشى انكسار الغصن.

بسطاء كقطرة ندى،
وعميقون كسرّ الحياة،
مأخوذون بالأثر لا بالأشياء،
بالعطر الذي يسكن الثياب المنسية،
بالتواريخ التي سقطت من ذاكرة الأيام.

يصلون إلى شاطئ الأمان بكلمة حانية،
ويغرقون في شبر حزن إن ضاقت بهم السبل.

مزاجيون،
لأنهم يضبطون ساعتهم على إيقاع الروح،
عوضاً عن دوران الأرض.

في حضورهم يورق الفراغ بالدفء،
ويصبح للكلمة سقف يحميك من تيه العالمين،
وفي غيابهم تدرك أنك لم تكن تائهاً فحسب،
وإنما
كنت جسداً يتبع ظله المفقود.

هم المقيمون في الغياب،
الذين يتركون فينا ندبة من ياسمين،
لا يطويهم النسيان لأنهم لم يمروا بجوارنا،
بقدر ما تسللوا من خلالنا.

رفقاً بقلوبهم المشرعة للريح،
أنا هنا إذ أكتبهم لا أسرد صفات عابرة،
إنما
أفتح جرحاً.

أنا الذي أدمنت تتبع الضوء في ثقوب الكلمات،
أعرف كيف يُرهقنا هذا النقاء،
وكيف نعيش غرباء في زحام الملامح.

آمنت أن المسافة بيننا وبينهم
ليست أميالاً من أرض،
بل
هي نجاة من طين.

فيا ليت لنا نصيباً من خطاهم،
ويا ليتنا نشبههم ولو في رقة الأثر،
لعلنا نستعيد براءتنا الأولى،
ونعود كما خلقنا،
ضوءاً لا يربكه الزحام.

الشاعر زاهر الأسعد

  • شاعر وكاتب فلسطيني
    وُلد في درعا عام 1983، لاجئٌ فلسطيني يقيم في سوريا، ويحمل في قلبه وطنًا غائبًا لا يفارقه، تمامًا كما لا يفارق الماء سيرة النهر. يعيش في المزيريب حيث تتداخل الذاكرة مع تفاصيل الحياة اليومية، فيكبر الحنين معه، ويكبر المعنى. يعمل في الشركة السورية للاتصالات، يمدّ الخيوط بين الناس، لكنه يجد اتصاله الأعمق في الشعر؛ فهناك يتنفس، وهناك يبحث عن المعنى الذي لا تمنحه الخرائط ولا تمنحه المهن. في الكتابة يفتح أبوابًا للضوء، ويصنع مسارًا خاصًا بين الصرامة العملية وحرية القصيدة. هاوٍ للشعر، محب للنصوص الوجدانية والفلسفية، يقلب الكلمات كما لو كانت أطيافًا تتشكل بين يديه، ويجعل من يومه طقسًا روحيًا يوازن فيه بين واقعٍ يفرض قوانينه، وخيالٍ يشرّع نوافذه بلا حدود. يحمل شغفًا لا ينطفئ، ويكتب ليظل حاضرًا في وجه الغياب، وليبقى الضوءُ ممكنًا مهما طال الليل.

اقرأ أيضا

أترك تعليقا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.