149 لم تَعُدِ المؤسّسةُ التربويّةُ فضاءً بريئًا من التوتّراتِ والعنفِ، بل غدت في كثيرٍ من السياقاتِ مرآةً مُكبِّرةً لاختلالاتِ المجتمعِ وقِيَمِه. فحوادثُ الجريمةِ داخلَ المعاهدِ، وخاصّةً الاعتداءاتُ الجنسيّةُ والاغتصابُ، تَكشِفُ عن خللٍ عميقٍ في بنيةِ التنشئةِ وفي تمثُّلِ المتعلّمِ للغيرِ ولجسدِه ولحدودِ الحريّةِ. من هنا تبرزُ مشروعيّةُ التساؤلِ: أليسَ من الضروريِّ إعادةُ إدراجِ مسألةِ التربيةِ في قلبِ برنامجِ الفلسفةِ، لا بوصفِها موضوعًا معرفيًّا فحسب، بل باعتبارِها رهانًا وقائيًّا وأخلاقيًّا؟ وكيف يمكنُ للتفكيرِ الفلسفيِّ أن يتحوّلَ إلى قوّةٍ رمزيّةٍ تكبحُ انزلاقَ العنفِ داخلَ الفضاءِ المدرسيِّ؟ إنّ الفلسفةَ في جوهرِها ليست ترفًا ذهنيًّا، بل هي تربيةٌ على استعمالِ العقلِ في أفقِ المسؤوليّةِ. فحينَ يتدرّبُ المتعلّمُ على مساءلةِ مفاهيمِ الحريّةِ والواجبِ والكرامةِ والغيرِ، فإنّه ينتقلُ من الاندفاعِ الغريزيِّ إلى الفعلِ الواعي المؤطَّرِ بالقِيَمِ. ولعلّ أخطرَ ما تكشفُه جرائمُ الاغتصابِ داخلَ المعاهدِ هو انهيارُ الاعترافِ بالغيرِ كذاتٍ لها حرمةٌ لا يجوزُ انتهاكُها. هنا تتبدّى الوظيفةُ التأسيسيّةُ للفلسفةِ: إعادةُ بناءِ العلاقةِ بالآخرِ على قاعدةِ الاحترامِ لا الهيمنةِ، وعلى مبدأِ الغايةِ لا الوسيلةِ. غيرَ أنّ اختزالَ العنفِ في صُوَرِه القصوى يحجبُ عنّا بنيتَه اليوميّةَ المتغلغلةَ. فالعنفُ اللفظيُّ من السخريةِ الجارحةِ والتنمّرِ إلى الشتائمِ ذاتِ الحمولةِ الجندريّةِ يمثّلُ المختبرَ الأوّلَ لتطبيعِ العدوانِ. الكلمةُ المهينةُ ليست حادثًا لغويًّا عابرًا؛ إنّها فعلٌ رمزيٌّ يدرّبُ صاحبَه على نزعِ إنسانيّةِ الغيرِ تمهيدًا لانتهاكِه ماديًّا. لذلك فإنّ تجاهلَ هذا المستوى “الخفيف” من العنفِ يفتحُ الطريقَ أمامَ أشكالٍ أشدَّ فتكًا. إنّ من يعتادُ إيلامَ الآخرِ بالكلماتِ قد لا يتردّدُ في إيلامِه بالفعلِ حينَ تسقطُ الحواجزُ. ويتّسعُ المشهدُ قتامةً حينَ ننظرُ إلى رياضِ الأطفالِ، حيثُ يُفترضُ أن تتشكّلَ البذورُ الأولى للتعاطفِ والاحترامِ. فالتطبيعُ المبكّرُ مع ألفاظِ الإهانةِ، أو التساهلُ مع لمسٍ غيرِ بريءٍ تحتَ ذريعةِ “اللعبِ”، يرسّخُ لدى الطفلِ تمثّلاتٍ مشوّهةً عن الجسدِ والحدودِ. هنا تصبحُ التربيةُ الفلسفيّةُ—ولو في صورتِها المبسّطةِ القائمةِ على الحوارِ والقصصِ والقِيَمِ—ضرورةً مبكّرةً لا ترفًا مؤجّلًا إلى سنِّ المراهقةِ. فالفلسفةُ ليست حكرًا على الراشدين؛ إنّها، في أحدِ أوجهِها، تربيةٌ على قولِ: “هذا جسدي… وهذه حدودي… وهذا غيري الذي يجبُ احترامُه”. أمّا في الفضاءِ العامِّ، فإنّ ظواهرَ التحرّشِ والمضايقاتِ اللفظيّةِ تكشفُ أنّ المدرسةَ ليست جزيرةً معزولةً، بل عقدةٌ داخلَ شبكةٍ ثقافيّةٍ أوسعَ تعيدُ إنتاجَ الهيمنةِ الرمزيّةِ على الجسدِ، وخاصّةً الجسدَ الأنثويَّ. فحينَ يُختزلُ الآخرُ في موضوعٍ للنظرِ أو التعليقِ أو المطاردةِ، فإنّنا نكونُ بإزاءِ فشلٍ مزدوجٍ: فشلٍ في التنشئةِ الأخلاقيّةِ، وفشلٍ في بناءِ حسٍّ مدنيٍّ يعترفُ بالمجالِ المشتركِ كفضاءٍ حقوقٍ لا كغنيمةٍ للرغباتِ المنفلتةِ. من هنا تكتسبُ الفلسفةُ وظيفةً تفكيكيّةً بامتيازٍ. فهي لا تكتفي بإدانةِ الجريمةِ، بل تسائلُ شروطَ إمكانِها: كيف يُنتجُ الخطابُ الثقافيُّ تمثّلاتٍ تبريريّةً للعنفِ؟ كيف تتحوّلُ النكتةُ الجنسيّةُ إلى آليّةِ تطبيعٍ؟ وكيف يُسهمُ الصمتُ الاجتماعيُّ في حمايةِ المعتدي بدلَ الضحيّةِ؟ إنّ إدراجَ مسألةِ التربيةِ فلسفيًّا يسمحُ بنقلِ النقاشِ من سطحِ الوقائعِ إلى عمقِ البُنى الرمزيّةِ التي تُغذّيها. وعلاوةً على ذلك، يضطلعُ الدرسُ الفلسفيُّ بدورِ إنماءِ الضميرِ الأخلاقيِّ القادرِ على ضبطِ الرغباتِ وتوجيهِها. فالتربيةُ الفلسفيّةُ تدرّبُ الفردَ على تأجيلِ الإشباعِ، وعلى إدراكِ أنّ الحريّةَ ليست إطلاقًا للرغبةِ بل وعيًا بحدودِها. وفي هذا السياقِ، يُشكّلُ التفكيرُ في مفاهيمَ مثلَ المسؤوليّةِ والاحترامِ والحقِّ في السلامةِ الجسديّةِ درعًا وقائيًّا ضدّ الانزلاقِ نحوَ السلوكِ العدوانيِّ أو الجنسيِّ القسريِّ. إنّ ما لا تنجحُ فيه الرقابةُ الخارجيّةُ قد تنجحُ فيه الرقابةُ الذاتيّةُ حينَ تتأسّسُ فلسفيًّا. كما أنّ فتحَ نقاشٍ فلسفيٍّ رصينٍ داخلَ القسمِ حولَ قضايا التحرّشِ والعنفِ اللفظيِّ والجنسيِّ يكسرُ ثقافةَ الصمتِ التي تُغذّي استمرارَ الجريمةِ. فالفلسفةُ تخلقُ فضاءً تداوليًّا يعترفُ بالمشكلةِ بدلَ إنكارِها، ويحوّلُ الخوفَ إلى موضوعِ تفكيرٍ مشتركٍ. بذلك تتحوّلُ المدرسةُ من مجرّدِ جهازٍ لنقلِ المعارفِ إلى ورشةٍ لتكوينِ الذاتِ المواطِنةِ القادرةِ على العيشِ المشتركِ في احترامٍ متبادلٍ. غيرَ أنّ الرهانَ على الفلسفةِ يظلُّ مشروطًا بوعيٍ بيداغوجيٍّ يُخرجُها من الجمودِ المدرسيِّ إلى حيويّةِ الإشكالِ الحيِّ. فالمطلوبُ ليس إضافةَ محورٍ شكليٍّ عن التربيةِ، بل بناءُ مقاربةٍ فلسفيّةٍ نقديّةٍ متّصلةٍ بتجربةِ المتعلّمينَ اليوميّةِ، ومسنودةٍ بتكوينٍ للأساتذةِ على إدارةِ النقاشاتِ الحسّاسةِ، ومتكاملةٍ مع جهودٍ نفسيّةٍ وتربويّةٍ أوسعَ تمتدُّ من رياضِ الأطفالِ إلى الجامعةِ، ومن القسمِ إلى الفضاءِ العامِّ. في هذا السياقِ، لا يمكنُ إغفالُ ما كشفتْه فضيحةُ جيفري إبستين وما ارتبطَ بما عُرِفَ إعلاميًّا بـ جزيرةِ إبستين من شبكاتِ استغلالٍ جنسيٍّ ممنهجٍ، إذ تمثّلُ هذه الواقعةُ مثالًا صارخًا على أنّ العنفَ الجنسيَّ ليس مجرّدَ انحرافٍ فرديٍّ هامشيٍّ، بل قد يتّخذُ شكلَ منظوماتٍ منظّمةٍ تستفيدُ من الصمتِ الاجتماعيِّ ومن هشاشةِ الوعيِ الأخلاقيِّ. إنّ خطورةَ ما جرى هناك لا تكمنُ فقط في حجمِ الجرائمِ، بل في البنيةِ الرمزيّةِ التي سمحتْ بتحويلِ الضحايا إلى موضوعٍ للاستباحةِ داخلَ فضاءٍ مغلقٍ تحكمُه علاقاتُ نفوذٍ ولا مساءلةَ. وهذا بالضبطِ ما يجعلُ الرهانَ التربويَّ الفلسفيَّ أكثرَ إلحاحًا: فحينَ تغيبُ ثقافةُ الاعترافِ بالغيرِ وحرمةِ الجسدِ، يمكنُ أن ينزلقَ العنفُ من مستوى المضايقاتِ اليوميّةِ في المدرسةِ أو الشارعِ إلى شبكاتِ استغلالٍ عابرةٍ للحدودِ. من هنا تغدو الفلسفةُ، بوصفِها تربيةً على نقدِ السلطةِ وعلى مساءلةِ التشييءِ، أداةً وقائيّةً لا ضدّ الانحرافاتِ الفرديّةِ فحسب، بل أيضًا ضدّ البُنى الثقافيّةِ التي قد تُشرعنُها أو تتواطأُ معها بالصمتِ. وخلاصةُ القولِ، إنّ تصاعدَ مظاهرِ العنفِ لفظيًّا كان أو جسديًّا أو جنسيًّا يكشفُ أنّ الأزمةَ أعمقُ من أن تُعالَجَ بالإجراءاتِ الردعيّةِ وحدَها. إنّها أزمةُ معنىً وقِيَمٍ وتمثّلاتٍ. ومن ثمّ فإنّ إعادةَ إدراجِ مسألةِ التربيةِ في برنامجِ الفلسفةِ تمثّلُ ضرورةً حضاريّةً، لأنّ الفلسفةَ، بما هي تمرينٌ على الاعترافِ بالغيرِ وتحديدِ حدودِ الحريّةِ، قادرةٌ على بناءِ حصانةٍ رمزيّةٍ تحولُ دونَ انزلاقِ المدرسةِ والفضاءِ العامِّ معًا من مجالَي تَكَوُّنٍ وتعايشٍ إلى ساحتي انتهاكٍ. الباحثة هيفاء كداس