379 في فضاء “التياترو ستوديو” للفنَّان توفيق الجبالي، حيث تشهدُ الأروقة تاريخاً عريقا من التجريب المسرحي، تنتظم تظاهرة “موسم الهجرة إلى المسرح” سنوياً وقُدمت من خلالها عروض ختامية، تُتوج الورشات المسرحية لمختلف الأعمار والمستويات. إذ شهد جمهور الفنِّ الرابع في التاسع من جويلية يوماً مسرحياً بامتياز، حيث عُرضت ثلاث أعمال مسرحية (سنة أولى – كهول) إخراج الممثل والأكاديمي نوفل عزاره، ورغم اختلاف عناوين العروض (في الجنينة – لا انتظار- أزمنة معلقة) وفضاءاتها إلاَّ أنّها تشترك في مضمون فكري ودرامي واحد، شخصيات مريبة تلتقي فجأة، في أمكنة معزولة أو انتقالية لتواجه ذواتها. فهل نجحت هذه العروض في تشخيص قلق الإنسان المعاصر، وأزماته الوجودية من خلال فضاءات درامية مغلقة؟ وكيف يتحول الفضاء الانتقالي على الركح إلى محاكمة وجودية وتعريةٍ للذات الإنسانية؟ الفضاءات المغلقة والإنسان العالقوحَّدت تيمة الإنسان العالق جميع العروض، فجعلت من المكان المغلق والغامض فضاء للعرض، ففي مسرحية “الجنينة” تعدُّ الجنينة مكاناً معزولاً عن صخب العالم ظاهرياً، لكنه يحمل دعوة غامضة، أمَّا في العمل المسرحي “لا انتظار” قاعة انتظار في مطار، وهو مكان عبور برزخي، وتبقى الشخصيات عالقة فيه ولا تستطيع المغادرة، أمَّا في “أزمنة معلقة” بيت الأموات وهو الفضاء الأكثر جدلاً، حيث يلتقي فيه الأحياء بالأموات من أزمنة مختلفة، فتتحول الفضاءات المصمَّمةُ للعبور إلى سجون نفسية وأبدية. دراماتورجيا الاعتراف والمرجعية الفكريةتشترك العروض في نقطة الانطلاق، إذ أنَّ الشخصيات في الأعمال غريبة الأطوار، ولا تعرف بعضها البعض، كما أنَّها تجهلُ سبب تواجدها هناك، ومع تقدم الأحداث تتشابك الشخصيات فيما بينها، وتنتقل تدريجيا إلى دراماتورجيا الاعتراف، فتسقط الأقنعة، وتدخل في مواجهة ذاتية مع الماضي بلا مواربةٍ، وتأخذنا عبر رحلة غوصٍ عميقة في الهشاشة الإنسانية، والأسرار الدفينة والخيبات، جامعةً بذلك ثنائية العبور والانتظار طيلة ردهات العرض، وهو ما يحيلنا إلى مسرح العبث، وخاصة جحيم سارتر في مسرحية “خلف أبواب مغلقة” القائمة على تفكيك الزيف الوجودي، غير أنَّ الشخصيات هنا لا تُعذَّب بوجود الآخر فقط، بل بثقل ماضيها الشخصي وعجزها عن مغادرة فضاء العبور. بلاغة الصمت ولغة الجسدفي فضاء مسرحي تجرَّدت فيه العروض من الديكور، واجه الممثلون تحدي الوقوف على الخشبة، مشبعين بطاقتهم الجسدية والصوتية الكامنة، وبنوا كيماء جماعية من خلال خلق طاقة موحدةٍ، كما وظف الممثلون لغة الجسد، والنَّظرات لملأ الفراغات الحوارية، نظراً لطبيعة النص القائم على العزلة. إذ تمَّ استخدام الصمت ليس كفترة تراجع درامي، بل أداة بحث نفسية عميقة في الذات، حيث تُقال أهم الأشياء في الصمت، حتى بدا ثقيلاً ومحمَّلاً بالتوتر والترقب. أمَّا الأداء الصوتي فقد تراوح بين الهمس القادم من أعماق اللاشعور للشخصيات، والصرخات المكتومة والمفاجئة التي كسرت سكون القاعة، ممَّا خلق معادلة سمعية، جعلت المتفرج يشعر بالخوف والاقتراب الحميمي في آن واحد. أداء جيد.. يتجاوز الهوايةتميزت مجموعة المتربصين في المسرحيات الثلاث، بصدق انفعالي ملحوظ وكسر لحاجز الوقوف الأول على الركح، و قدرة الأجساد المتدربة على تجسيد حالات التململ، الشك والانفعال الباطني، والانسجام الجماعي المتناقض، والانكسار الداخلي من خلال توظيف دقيق للصوت بلغة جسدية مشبعةٍ ومونولوجات داخلية عميقة، وقد برز هذا في مسرحية “أزمنة معلقة” عندما واجهت إحدى الشخصيات ماضيها في حوار مع شخصية ميتة، حيث اعتمد المُمثل على ارتعاش الصوت، وتباطؤ الحركة، فبدا الانكسار النفسي أكثر وضوحاً مما هو معلن بالكلمات، على الرَّغم من أنَّ معظم العارضين هواة ومبتدئين، باستثناء بعض الذين لهم تجارب مسرحية مهمَّة، على غرار الممثل سفيان بن ظافر والممثلة درة معاوية، إلاَّ أنَّ معظمهم نجح في تقديم أداء مقنع، وتجنُّبوا المبالغة المسرحية خاصَّةً عند الانهيارات والتوترات النفسية. رؤية إخراجية.. تحول الركح لمختبر نفسياعتمدت الرؤية الإخراجية على هندسة دقيقة لحركة الممثلين لتجنب الفوضى البصرية على الركح، كما وظِّفت السينوغرافيا التقشفية بذكاء، فاسحةً المجال بالكامل لأجساد العارضين، حيث نجح المخرج نوفل عزاره في تطويع الفضاء الركحي المغلق، وتحويله إلى مختبر سيكولوجي مكثف يختبر هشاشة الإنسان المعاصر، وقد خلق هذا الخيار الجمالي إيقاعاً تصاعدياً متوتراً يتماشى مع قصر المدة الزمنية للعروض التي لم تتجاوز خمس وثلاثون دقيقة في جميع العروض، وبذلك تمَّ اختراق البعد البيداغوجي المألوف لورشات التكوين، ليقدم مقترحاً درامياً يعكس فلسفة الفضاءات المستقلة في مكاشفة الواقع. كما أنَّ الإضاءة لعبت دوراً محورياً في تعزيز الأجواء النفسية المتوترة، حيث ساهمت في خلق فضاءات بصرية تعكس حالة العزلة، والترقب التي تعيشها الشخصيات، أمَّا الموسيقى فقد عملت على مضاعفة الموجات الانفعالية وربط المشاهد وجدانياً بالحالة الدرامية، مما جعل المؤثرات الصوتية تساهم في بناء الإيقاع النفسي للعرض الجمهور… من متفرج إلى مشترك في التجربةاستطاعت هذه العروض كسر الجدار الرابع سيكولوجياً، حيث تجلَّى بوضوح مدى التماهي والانبهار الذي سيطر على جمهور فضاء “التياترو”. لقد انعكست حالة التوتر والترقب التي عاشتها الشخصيات على الخشبة مباشرة على مقاعد المتفرجين، الذين وجدوا أنفسهم متورطين وجدانياً في أسئلة العزلة والضياع. وقد برز هذا بشكل خاص ومكثف في عرض “لا انتظار”، الذي شكل حالة مسرحية استثنائية بامتياز، ففي هذه المسرحية تحديداً، تحول المتفرج من مجرد متلقٍ سلبي إلى شريك صامت في رحلة العبث. لقد خيَّم على الجمهور حالة من الانبهار، أمام قدرة الممثلين على نقل ثقل الهشاشة الإنسانية بصدقٍ لامس الوجدان، ممَّا جعل التصفيق الحار في نهاية العرض لا يعبر فقط عن الإعجاب بالأداء، بل كان بمثابة تنفيس جماعي عن عبء تلك الشحنة الشعورية الكثيفة التي بثها الركح طوال العرض. نجحت هذه العروض في تحويل الورشة البيداغوجية إلى تجربة فنية، لامست فيها صمت العزلة وفككت نفسية الإنسان المعاصر، عبر مختبرات سيكولوجية جريئة. لقد مثلت تظاهرة “موسم الهجرة إلى المسرح” هجرة حقيقية نحو أعماق الذات الإنسانية، حيث تلاشت فيها الحدود بين الخشبة ووجدان الجمهور الذي تورط فيها. إنَّ هذا النجاح الجماعي المتوّج بتفاعل جماهيري، يكرسُ دور “التياترو” كحاضنة فكرية ترفض القوالب الجاهزة، وبهذا يظل المسرح التجريبي المستقل المرآة الأكثر صدقاً لتعرية زيف الواقع، ومواجهة مخاوفنا الأبدية بجرأةٍ كبيرة. محمد بن كريّمكاتب – تونس