80 يعتبر الأستاذ مصطفى الفيلالي من أهمّ رجالات الفكر والأدب في تونس. فقد ألّف روايات عديدة، منها ما نشر ومنها ما لم ينشر. فبالنسبة للروايات المنشورة نذكر أهمّها: “أمّ حامد” و”مانعة من أيّام قرية الجبل” و“موائد الإنشراح”. ولم تقتصر إسهاماته القيّمة على كتابة الرواية فقط، بل كتب في الاقتصاد والسياسة والتاريخ والفلسفة والسيرة الذاتيّة، ممّا جعل من كاتبها مفكّرا وأديبا لا يشقّ له غبار، لا على الصعيد الوطني فحسب، بل على الصعيدين والمغاربي والعربي. مصطفى الفيلالي أديبا وروائيّا: “مانعة من أيّام قرية الجبل نموذجا”: تعدّ إسهامات الأستاذ مصطفى الفيلالي في المجالين الفكري والأدبي متنوّعة خاصّة في ميدان الرواية. ويمتاز أسلوب الأستاذ مصطفى الفيلالي في الكتابة بالفصاحة وقوّة الإقناع والتأثير، فهو يتكلّم اللغة العربية ويتقنها جيّدا، إلى جانب اللغتين الفرنسية والانجليزية منذ فترة الدراسة بالمدرسة الصادقية والسربون. وقد جعلت منه هذه السمات أديبا وروائيّا متميّزا وملمّا بكل ما ينشر ويدور من اتجاهات أدبية وفكرية، لا على الساحة الثقافيّة التونسيّة فحسب، بل وحتى على الساحتين الثقافية المغاربية والعربية والساحة الدوليّة. وقد صدرت هذه الرواية سنة 2004 عن دار الجنوب للنشر بتونس في كتاب من القطع المتوسّط في 277 صفحة. كما صدرت له سنة 2010 عن دار تونس للنشر رواية “موائد الإنشراح” في كتاب من القطع المتوسّط كذلك في 196 صفحة. وحملت الرواية عنوان “مانعة من أيّام قرية الجبل” الذي يحيلنا إلى مسقط رأس الأستاذ مصطفى الفيلالي، أي قرية سيدي نصر الله الواقعة قرب جبل الشرحبيل بمنطقة جلاص – القيروان. أمّا الغلاف الخارجي فيحمل صورة تدلّ على القرية موضوع الرواية، إذ نجد جامع القرية في الأعلى قرب الجبل وهو مقام الولّي الصالح الذي حملت البلدة اسمه وهو “سيدي علي نصر الله”. وقارئ عنوان رواية الأستاذ مصطفى الفيلالي يخطر بباله فكّ لغز “مانعة” أي لماذا استخدم مصطفى الفيلالي هذا المصطلح بالذات؟ و“مانعة” هي قرية تقع بمنطقة سيدي علي نصر الله نسبة إلى الوليّة الصالحة التي عرفت بقراءتها للقرآن في محلّ زاوية لتدريس القرآن بالقرية. وتضمنت رواية “مانعة” 13 فصلا حوت لوحات عاكسة لحياة الناس في قرية جبليّة، يتّسم مناخها بشدّة الحرارة في فترة من الزمن المتقلّب وهي نهاية الحرب العالميّة الثانية وبدايات ثورة تحرير تونس من الاستعمار الفرنسي. تناول الأستاذ مصطفى الفيلالي في رواية “مانعة” العراقيل والصعوبات التي واجهها عند الإلتحاق بالمدرسة الصادقية وجامعة السوربون بفرنسا، إذ يصرّح قائلا على لسان إحدى شخصيات الرواية:«… أريد أن أواصل دراستي لأكون مثل أستاذي علي البلهوان أو محمود المسعدي أو عبد الوهاب باكير… »[1]. وفي ذات السياق يسرد الروائي تفاصيل الواقع الاجتماعي بالبلاد التونسيّة بين الحربين واصفا نموذج المجتمع الزراعي التقليدي بمسقط رأسه “سيدي علي نصر الله”، إذ يبدو غير راغب في البقاء بموطنه الأصلي بسبب نظرة المجتمع الدونيّة إلى العلم « الشهادة ماذا نفعل بها في هذا البرّ المنكود…»[2]. ويعود تفسير هذه النظرة الدونيّة للعلم والتعليم حسب الأستاذ الفيلالي إلى بقاء المنطقة تحت هيمنة التعليم التقليدي القائم على التلقين وحفظ القرآن بالكتاتيب على حساب التعليم العصري بالمدن الكبرى مثل تونس العاصمة وسوسة وبنزرت وغيرها بفضل ما شهدته من انتشار للتعليم العصري العقلاني القائم على بناء المدارس الفرنسيّة العربيّة التي تدرّس مختلف العلوم الصحيحة والإنسانيّة مثل الرياضيات والفيزياء والتاريخ والفلسفة واللغات. كما تبرز في هذه الرواية صورة أخرى مخالفة لمكانة الأستاذ صاحب الشهادة العلميّة في المجتمع الحضري العصري، فيصفُ الأستاذ بالمسؤول الأوّل على تنوير العقول إذ يصرّح قائلا: «… الأستاذ في الزيتونة والصادقية هو بنايّ، يربّي الطلاب على حبّ الوطن… »[3]. وهكذا يبرز الأستاذ مصطفى الفيلالي من خلال الرواية محطّات الصراع بين المجتمع التقليدي والعصر الحداثي. ولا يتوقّف بنا الكاتب في الرواية إلى هذا المستوى فقط، بل يذهب إلى موضوع آخر أبعد من ذلك، وهو موقف المجتمع التقليدي في فترة ما بين الحربين من الاستعمار الفرنسي القائم على الاستسلام للأمر الواقع. ويبرز ذلك من خلال قول أخيه محمود: «… من الغباوة الاعتقاد بأنّنا قادرون على طرد فرنسا من البلاد بالعصيّ ومقالات الجرائد والدبابات والطائرات... »، أي أنّه يبيّن المبرّرات التي يستند عليها المجتمع التقليدي في هذا الموقف، وتتمثّل في القبول بالأمر الواقع، لأنّ الأرضيّة السياسيّة تبدو غير ملائمة لفكرة الاستقلال، كما يسلّط الأستاذ الفيلالي أيضا في هذه الرواية الأضواء على أحداث 8 و9 افريل 1938 التي كانت بمثابة مرحلة انتقالية في تاريخ الحركة الوطنيّة التونسيّة. وكان من بين المشاركين في هذه المظاهرة العارمّة التي قادها أستاذه بالمدرسة الصادقية زعيم الشباب الأستاذ علي البلهوان فيصرّح قائلا: «… يتصايحون كالمجانين: برلمان، استقلال… ». كما يؤكّد الفيلالي على لسان إحدى شخصيات الرواية حامد على ضرورة النضال والمقاومة من أجل افتكاك الحرّية قائلا: «… هل قرأت في التاريخ أنّ شعبا مناضلا أهديت له الحرّية على طبق من ذهب، نحن نعلم أنّ الهدف مسافته بعيدة وثمنه باهظ، وضريبة الدم في حقّه واجبة، ومظاهرات 9 أفريل كانت للحزب بمثابة التجربة المخبرية والمعركة الحاسمة من حجم آخر… »[4]. وللتذكير فإنّ أحداث 8 و9 أفريل 1938 التي تمثّلت في مواجهة مباشرة بين قوّات بوليس السلّط الاستعماريّة والمتظاهرين بعد إلقاء القبض على الأستاذ علي البلهوان، حيث ألقى هذا الأخير بالمدرسة الصادقية محاضرة بنادي الحزب بتونس حول «دور الشباب في المعركة» رغم تحذير السلطات الفرنسيّة الاستعماريّة. وكان لهذه المحاضرة التي ألقيت أمام حوالي 700 تلميذ من الصادقية وخارجها، وكان من بين الحاضرين بينهم التلميذ مصطفى الفيلالي، الوقع الهام لإبراز دور الشباب في معركة التحرير الوطني ومقاومة الاستعمار. وعلى إثر هذه المحاضرة أقصي علي البلهوان من العمل من أجل نشاطه الوطني. وتضامنا معه دخل تلاميذ الصادقية يوم 25 مارس 1938 في إضراب عام أدّى إلى غلق مدرستهم من طرف إدارة التعليم العمومي[5]. وقد أدّى هذا الإضراب إلى إيقاف البعض من قادة الحزب الحرّ الدستوري الجديد مثل الهادي نويرة ويوسف الرويسي وسليمان بن سليمان وصالح بن يوسف، الذين اعتبرتهم السلطات الاستعماريّة المحرّضين والقائمين بهذه الحملات الدعائيّة المؤديّة إلى الاحتجاجات والاضطرابات في أغلب مناطق البلاد. وقد دعت قيادة الحزب الجماهير إلى عدم الخضوع للقمع الاستعماري ورفض القوانين الاستعماريّة. وقد دارت معارك دامية بين المواطنين والقوّات الاستعماريّة في وادي مليز والكاف وسوق الأربعاء وتوزر ونفطة… الخ. وبعد اندلاع هذه المواجهات وتنديدا بالقمع الاستعماري، أعلن الديوان السياسي عن إضراب عام يوم 8 أفريل 1938. وخلال ذلك اليوم تمّ تنظيم مظاهرتين بالعاصمة التونسيّة للمناداة بالحرّية والمطالبة ببرلمان وحكومة تونسيّة. خرجت المظاهرة الأولى من ساحة الحلفاوين بقيادة علي البلهوان والثانية من رحبة الغنم يقودها المنجي سليم. وقد اتّجهت هذه المظاهرة نحو مقرّ الإقامة العامة حيث تجمّع بين 7 و10 آلاف شخص طالبوا بـ “برلمان تونسي” و”حكومة وطنيّة” و”تسقط الامتيازات”… الخ. وألقى الأستاذ علي البلهوان خطابا عنيفا، ثمّ أخذ المنجي سليم عنه الكلمة[6] ليذكّر بمطالب الحزب ويعلن عن تنظيم مظاهرة ثانية يوم 10 أفريل 1938. ويؤكّد الأستاذ مصطفى الفيلالي في هذا السياق مثول أستاذه بالصادقية علي البلهوان أمام قاضي التحقيق في اليوم الموالي 9 أفريل 1938. وعمّ الإضراب العام في ذلك اليوم كامل البلاد، ونزل طلبة جامع الزيتونة والمدرسة الصادقية والعمّال والحرفيّون إلى شوارع المدينة في مظاهرات منظّمة تضامنا مع زّعيم الشباب الأستاذ علي البلهوان أمام قصر العدالة بباب بنات. وعندما أطلقت قوّات الأمن النار لتفريقهم حدثت المواجهة بين الطرفين. فاصطدم المئات من المتظاهرين الذين قدّموا من الأحياء الشعبيّة القريبة من قصر العدالة بباب بنات مثل باب سويقة والحلفاوين ورأس الطابية والملاسين بالقوّة العامة[7]. وأدّت هذه الأحداث إلى سقوط العديد من القتلى والجرحى وتبقى الإحصائيات المتعلّقة بسقوط عدد الشهداء غير ثابتة خاصّة من قبل تقارير الإقامة العامة. وبعد أحداث 9 أفريل 1938 حقّق الشعب التونسي نوعا من الإنفراج من خلال تكوين الصحف والجمعيات والدواوين السياسية التي لعبت دورا هامّا في نيل الاستقلال. وبالتالي كان لأحداث 8 و9 أفريل 1938 الفضل في الإعداد للكثير من المحطّات السياسيّة اللاحقة. وأصبح الحزب الحرّ الدستوري الجديد أكثر نشاطا ووعيا وتنظيما. وصار يساند الإضرابات والمظاهرات التي قام بها أساتذة وتلاميذ الصادقية وجامع الزيتونة، التي انطلقت ضد السلطات الفرنسية من نوفمبر 1943 وتواصلت إلى غاية جانفي 1944. ومن كلّ ما تقدم نستنتج أنّ رواية “مانعة” من أيّام قرية الجبل تتنزّل في سياق روايات الحركة الوطنيّة، حيث تطرّقت إلى نضال التونسيّين ضدّ المستعمر الفرنسي في ظرفيته التاريخيّة من جهة، وتكريس فكرة مقاومة التخلّف ومحاربة العقل التقليدي من جهة أخرى، باعتبارها إلى جانب النضال المباشر من شروط التحرّر والانعتاق لتخليص البلاد من الاستعمار. كما بيّن الأستاذ مصطفى الفيلالي أيضا في رواية “مانعة” من أيّام قرية الجبل العلاقات الاجتماعية في مسقط رأسه قرية سيدي علي نصر الله التابعة لولاية القيروان، وصوّر فيها مظاهر الحياة اليوميّة ومدى تعلّق سكّانها وتمسّكهم بعاداتهم وتقاليدهم من خلال الحديث عن الوليّة الصالحة “للاّ مانعة” والوليّ “سيدي علي نصر الله”، داعيا إلى تخليص المجتمع بصفة عامة من بعض التقاليد التي تعيق التطوّر والأخذ بناصية العلم والالتحاق بركب الحضارة هذا وقد أعيد طبع رواية “مانعة من أيّام قرية الجبل” لصاحبها الأستاذ مصطفى الفيلالي ورأى في تقديمها أستاذ الأدب بالجامعة التونسيّة، الأستاذ توفيق بكار أنّ قصة الفيلالي صورة من أدب محمود المسعدي معكوسة، حيث يقلب فيها الرمز إلى حقيقة، وتصبح الإشارة عبارة والأسطورة واقعا والبطل الفرد بطلا جمعا والإنسان رجالا [8]. وقد اختار الأستاذ مصطفى الفيلالي أن تكون المرأة في رواية “مانعة” أعمق الجذور في الأرض وأعظم شهادة على مفاهيم البقاء والموت. ورغم تنوّع أبطالها ومواقفهم وسلوكياتهم فإنّ هناك قاسم مشترك خفيّ بين فصول الرواية عند الفيلالي، يتمثّل في الحديث عن الدين والثقافة والتاريخ واللغة في تلك الفترة الزمنيّة. كما تتميّز الكتابة الروائية عنده بسلاسة اللغة وجمالها وثرائها وسهولة إرساء الحوارات بين الشخصيات والانتقال من موضوع إلى آخر دون تعقيد. كما تتميّز كتابته أيضا بالقدرة على البيان وعلى التصوير والوصف. وبذلك تعدّ رواية “مانعة” في اعتقادنا، دليلا على الذكاء الذي تميّز به مصطفى الفيلالي ومعرفته الجيّدة بالواقع التونسي وعشقه الشديد للوطن عامة ومسقط رأسه “نصر الله” خاصّة دون قيود. الأستاذ مصطفى الفيلالي مفكّرا ومنظّرا لوحدة المغرب العربي: 1) أهمّية العمل في رؤى الأستاذ مصطفى الفيلالي: يعتبر كتاب “مجتمع العمل” للأستاذ مصطفى الفيلالي الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت بمثابة موسوعة علميّة مصغّرة، تبرز مفهوم العمل وقراءة موضوعيّة لعوامل تأخّر التنمية في العالم العربي. وطرح الفيلالي في هذا الكتاب مفهوم العمل كقيمة اجتماعية وإنسانيّة سامية، معتبرا أنّه واجب على كلّ مواطن لتحقيق التقدّم في المجتمع. وتتجلّى أهمّية كتاب “مجتمع العمل” في كونه بمثابة دراسة حول اقتصاديات العمل في المجتمعات العربية ومحاولة لفهم أسباب تأخّرها عن الالتحاق بمركب الحضارة العالميّة. ويمثّل العمل من وجهة نظر الكاتب قيمة بشريّة، من حيث أبعاده ومقاصده الحضارية والتنمويّة الشموليّة[9] ودوره، لا في التأسيس للتقدّم الإنسانيّ فحسب، بل في أنسنة الإنسان ذاته. سعى الأستاذ مصطفى الفيلالي في هذا الكتاب إلى إبراز أسس كلّ تقدّم على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بشرط توفير العمل والقضاء على ظاهرة البطالة. والقارىء لكتاب “مجتمع العمل” يلاحظ أنّه بمثابة موسوعة تنظيريّة أيضا، يتولّى المؤلّف في العديد من أقسامه تحليل أسباب تأخّر التنميّة في أقطار المغرب العربي خاصّة والعالم العربي عامة. فيؤكّد في هذا السياق أنّ سبب هذا التأخّر هو عدم وعي المجتمعات العربية بقيمة العمل. كما يؤكّد الأستاذ مصطفى الفيلالي أيضا في كتاب “مجتمع العمل” أنّ العمل يعدّ همّا سياسيا على المستويين المغاربي والعربي، معتبرا هجرة الشباب العربي وخاصّة هجرة الأدمغة أصحاب الشهادات العلميّة إلى البلدان المتقدّمة الأوروبيّة وغيرها، خسارة للمجتمعات العربية على حدّ سواء. وتمثّل هذه الهجرة من وجهة نظره «فقدان للكفاءات الفكرية والعلميّة». أمّا سببها، فهو سياسة الحكومات العربية لتنتقل هذه الثروة لصالح البلدان المتقدّمة خاصّة الأوروبيّة. ووضع الأستاذ مصطفى الفيلالي في كتابه مجموعة من الجداول الإحصائية الهامّة تتعلّق بمسألة العاطلين عن العمل في المجالين التونسي والمغاربي، ذاكرا ضعف تشغيل الإناث في بعض القطاعات المنتجة. كما تحدّث في الكتاب أيضا على أهمّ التحدّيات التي تواجه أقطار المغرب العربي وفي مقدّمتها خلق ما يقارب 13 مليون موطن شغل بين 1980 و2010. وهكذا يمكن أن نستنتج ممّا سبق أنّ كتاب “مجتمع العمل” هو موسوعة علميّة مصغّرة حول اقتصاديات العمل في المجتمعات العربية لما يحتويه من بيانات إحصائيّة وما قدّمه من مراجع ومصادر متعدّدة ومتنوّعة، تمّ اعتمادها في التحليل والاستنتاج. لذا يمكن اعتباره قيمة فكريّة تنضاف إلى المكتبات التونسيّة والمغاربيّة والعربية على حدّ سواء. 2) مؤمن بفكرة الوحدة المغاربية وداع إلى تحقيقها. يعتبر الأستاذ مصطفى الفيلالي من السياسيين العرب القلائل المدافعين عن فكرة الوحدة المغاربيّة أي وحدة أقطار المغرب العربي ( ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب وموريتانيا ). وسياسيا وحسب الأستاذ عبد الجليل التميمي، كان مؤمنا بضرورة قيام اتّحاد المغرب العربي[10]. وقد ألّف حول هذه المسألة كتابه الموسوم “المغرب العربي الكبير نداء المستقبل” الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت الذي كان عضوا في هيئته العلميّة. وفي نفس السياق عمل الأستاذ مصطفى الفيلالي مديرا لمكتب المغرب العربي لمنظّمة العفو الدولية بالجزائر. ويبدو أنّه كان يرى أنّ فكرة الوحدة المغاربيّة حلاّ لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لأقطار المغرب العربي. ويرى الأستاذ مصطفى الفيلالي أنّ إنشاء منطقة تبادل حرّ بين أقطار المغرب العربي يمكن أن تكون حلاّ جيدا لرفع التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية. وقد أوضح في كتابه “مجتمع العمل” اعتمادا على إحصائيات دقيقة، أنّه من بين 10.000 طبيب أجنبيّ بفرنسا، نجد ما يفوق 7.000 طبيبا جزائريّا. كما تحدّث عن نزيف هجرة الأدمغة إلى البلدان الأوروبيّة وتساءل في كتابه قائلا: “من سيصنع مستقبل الأقطار المغاربيّة بعد هجرة الأدمغة إلى البلدان الغربيّة”؟ وبيّن أيضا أهمّ عوامل ظاهرة هجرة الكفاءات في المغرب العربي، التي تتمثّل في انعدام ظروف عمل لائقة، مؤكّدا أنّ تكوين الكفاءات يكلّف ميزانية الدول بالمغرب العربي أموالا باهضة أي 155 الف دولار. وأكّد الأستاذ مصطفى الفيلالي أنّ الكفاءات المغاربيّة التي يمكن أن تكون حلاّ للنهوض بالمجتمع المغاربي، ستقدّم الإضافة في بناء تقدّم القارّة الأوروبيّة. وفي المقابل تبقى بلدانهم الأصليّة في مسار التخلّف. لذلك تعدّ الوحدة المغاربيّة عند فكر مصطفى الفيلالي الحلّ الأنجع لبناء تقدّم المجتمعات المغاربيّة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. ولا ننسى أيضا أنّ الأستاذ مصطفى الفيلالي تولّى منصب الأمين العام لدول اتّحاد المغرب العربي بالجزائر بين 1967 و1971، وكذلك كان ممثّل الجمهوريّة التونسيّة باللجنة الاستشاريّة الدائمة للمغرب العربي بين 1973 و1989. ورغم تمسّكه بالوحدة المغاربيّة وبتذليل الصعوبات والنهوض بالتنميّة الاقتصادية، إلاّ هذه الفكرة بقيت على أرض الواقع حبرا على ورق بسبب كثرة الخلافات بين معظم أقطاره، لاسيّما بين المغرب الأقصى والجزائر إضافة إلى توتّر العلاقات بين ليبيا وتونس في بعض الأحيان. ظلّ الأستاذ مصطفى الفيلالي مؤمنا بالوحدة المغاربيّة وداعٍ دؤوب إلى تحقيقها من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالأقطار المغاربيّة. كما كان يدعو دائما إلى محاربة الجهل والتخلّف بالمغرب العربي وخير دليل على ذلك ما جاء في رسالة وجّهها إلى العقيد معمّر القذافي قال فيها ما يلي: «… فَلِننتشل شعبنا المغاربي من طابور السفاهة والتخّلف، ونغرس بأرضنا الطيّبة الشجرة المباركة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء… »[11]. المفكر مصطفى الفيلالي من الوطنيّة إلى العالمية . إلى جانب المناصب السياسية تولّى الأستاذ مصطفى الفيلالي إدارة بعض المراكز العلميّة على المستويين الوطني والعربي. ورغم أنّه غير متحصّل على شهادات علميّة تفوق شهادة الإجازة، كالماجيستير والدكتوراه، فقد استطاع أن يكون بمساهماته العلميّة رجل فكر بامتياز ومديرا ناجحا لعديد المراكز العلميّة والبحثيّة على المستويين الوطني والعربي. فقد تولّى الأستاذ مصطفى الفيلالي عضوية “مركز دراسات الوحدة العربية” في بيروت، رغم كونه متحصّل فقط على الإجازة في اللغة والآداب والحضارة العربية من جامعة السوربون سنة 1947، ليصبح أستاذا للآداب والفلسفة في عديد المعاهد الثانوية بالبلاد التونسيّة خلال الفترة الاستعماريّة مثل معهد كارنو والمدرسة الصادقية. وللتذكير فإنّ “مركز دراسات الوحدة العربية” هو من أبرز المراكز العالميّة التي تهتمّ بالدراسات المستقبليّة. وتخضع جميع منشوراته إلى معايير صارمة في التحكيم، لا سيّما الدراسات العلميّة الدقيقة منها. ويتركّب هيكل هذا المركز من ثلاث هيئات، تتمثّل في: مجلس الأمناء واللجنة التنفيذية والجهاز الإداري. وقد تولّي الأستاذ مصطفى الفيلالي عضوية مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية. كما أصدر بهذا المركز كتابين على غاية من أهمّية هما: “مجتمع العمل” سنة 2006 و“المغرب العربي نداء المستقبل” وكذلك رواية “أمّ حامد” وهي بمثابة السيرة الذاتية. وفي حوار أجرته معه جريدة “الفجر نيوز” الإلكترونية قال أنّ مركز دراسات الوحدة العربية بادر بعقد لقاءات بين ممثّلين عن التيارات الإسلاميّة والتيار القومي لتدارس مشروع النهضة العربية[12]. وأكّد أنّ العداء بين التيارات الإسلاميّة والقوميّة انتهى دون رجعة قائلا: «… أرى أنّ لفظة العداء لا تستقيم اليوم، فهذا زمن التحالف بين التيارات الإسلاميّة والقوميّة، لأنّ زمن العدّاء بينها قد ولّى….»[13]. واعتبر أنّ العداء خلال الفترات السابقة قد تحوّل اليوم إلى خلافات حول التصوّرات. ولم يقتصر الأستاذ مصطفى الفيلالي على تقلّد عضوية “مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت” فقط. فمحليّا كان له دور بالغ الأهمّية رفقة أستاذه محمود المسعدي في مطلع الستينات في بعث “مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية بتونس” وتولّى إدارته بنفسه بين 1962 و1967 وبعث مجلّة علمية خاصة به منذ سنة 1964 وهي “المجلة التونسية للعلوم الاجتماعية” اقترح تعزيزها بمجلّة ثانية وهي “كراسات سيراس” (Les Cahiers du CERES) رأت النور سنة 1968، أي بعد اشهر قليلة من مغادرته للمركز في إطار تكليفه بإدارة مكتب منظمة العمل الدولية بالمغرب العربي بالجزائر العاصمة. هذا وأكّد عديد المؤرّخين بالجامعة التونسيّة مثل الأستاذين عبد الجليل التميمي وعبد اللطيف الحناشي أنّ الأستاذ مصطفى الفيلالي استحقّ هذا المنصب الأكاديمي عن جدارة رغم أنّه حاصل فقط على الإجازة في اللغة والآداب العربية. وللتذكير فإنّ مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية تمّ بعثه سنة 1962 بتونس العاصمة في نهج إسبانيا تحديدا، وكان يعرف كذلك باسم “السيراس”. ومن مهام هذا المركز القيام بببحوث علمية في العلوم الانسانية والاجتماعية وتقيم دروس وإقامة الندوات والملتقيات العلميّة بمقرّه أو خارجه بالتعاون مع مؤسّسات جامعية ومنظمات دولية داخل وخارج تونس ونشر أشغالها في نشرتها الأولى “المجلة التونسية للعلوم الاجتماعية” ثمّ الثانية، “كراسات سيراس”. وقد استغلّت منظمة العمل الدولية خبرة الأستاذ مصطفى الفيلالي في بعث وإدارة هذا المركز البحثي العريق المتخصّص في العلوم الاجتماعية لتكليفه سنة 1967 ببعث وإدارة مكتب المنظمة بمنطقة المغربي العربي الذي اتخذ من الجزائر العاصمة مقرّا له، ثمّ تكليفه القيام بعديد الدراسات العلمية عن المجتعات العربية وفي مقدمتها توطين البدو في البلدان العربية مشرقا ومغربا وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وطرق توطينهم للبدو بصحراء الجزيرة العربية، خاصة وأنه كان قد قدّم سنة 1965 ورقة علمية موسومة بـ“تجارب إدماج البدو في تونس”، في أشغال المؤتمر التاسع للشؤون الاجتماعية والعمل الذي عقدته منظمة العمل الدولية بالقدس الشريف في ماي 1965 بعنوان: “رعاية البدو وتحضّرهم وتوطينهم”، اختزل فيها تجارب تونس في إدماج البدو، سواء خلال الفترة الاستعمارية أو منذ مطلع الاستقلال. وقد صدرت هذه الدراسة أولا بمجلة أكاديمية محكّمة تعدّ لسان حال جامعة تونس حينئذ، وهي “حوليّالت الحامعة التونسية”[14]ثمّ في مؤلّف جماعي صادر عن جامعة الدل العربية بعد قرابة عشرين سنة [15]. مكث مصطفى الفيلالي على رأس مكتب المنظمة بالجزائر قرابة الخمس سنوات (من ربيع 1967 إلى أواخر سنة 1971) فقاد ووجه فرق بحث وعمل بأكثر من بلد عربي من أهمها المملكة العربية السعودية حيث أجرى دراسة علمية ميدانية عن توطين العشائر البدوية بمواطنهم وتطبيق بعض الطرق الحديدثة التي تبنتها منظمة العمل الدولية في تثبيت البدو في مجالهم والقطع مع البداوة وظاهرة الترحال والانتجاع الظرفي والدائم…الخ. وقد أثمرت تجربته الرائدة تلك عن نتائج إيجابية رغم كثرة الصعوبات والعراقيل. وقد اختزل عصارة ما توصّل إليه من نتائج بالمملكة العربية السعودية في إصدار بعنوان: عوائق توطين العشائر البدويّة في المملكة العربيّة السّعوديّة، منشورات منظّمة العمل الدّوليّة، جنيف 1976. هذا وتجدر الإشارة أنّ الأستاذ مصطفى تولّى مناصب أخرى في قطاع الإعلام، حيث عمل مذيعا بالقسم العربي للإذاعة التونسيّة بين 1943 و1945 ثمّ مديرا لها بين 1955 و1956 فكان له شرف تونسةِ مؤسّسة الاذاعة التونسية التي كان يمسك بها الفرنسيّون بقسميها العربي والفرنسي ليتفرّغ بداية من سنة 1956 للمناصب الحكوميّة. ودعا الفيلالي في مناسبات عديدة من منبره إلى استغلال الفرصة التي وصفها بالتاريخيّة لبعث أمل جديد في نفوس التونسيّين بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لتونس وجعلها نموذجا يُحتذى به في العالم. 3) مواقف الأستاذ مصطفى الفيلالي من بعض القضايا : مسألة هجرة الأدمغة : تعدّ هجرة الأدمغة أو” نزيف الهجرة” أحد مظاهر الهجرة الَّتِي أصبحت تقتضي جهدا إضافيّا من قبل الباحثين قائما على التّحليل والتّفكير وإنتاج الدّراسات. لم يعد مسار الهجرة مفتوحا أمام العلماء فقط كفئة مستهدفة، بل أصبح يستهدف بدرجة أولى أصحاب الكفاءات بغاية الظّفر بخبراتهم العلميّة والمهنيّة. إنّ أصحاب الكفاءات هم الأشخاص ذوي المستوى العلميّ العالي من باحثين وأطباء ومهندسين وأساتذة تعليم عال، وهم المصنّفون حسب المعايير الدّولية نخبا. و يضمّ مفهوم الكفاءة ستّة أصناف حسب التّرتيب التّالي :المدرّسون والباحثون، المهندسون والمعماريون، الأطباء والصيادلة، المحامون وغيرهم. وهم يختارون وجهاتهم إلى بلدان العالم المتقدّم مثل أوروبا وأمريكا الشّماليّة واليابان وغيرها. استقطب موضوع هجرة الأدمغة عديد الباحثين والمفكرين في اختصاصات شتّى مثل العلوم السياسيّة وعلم الاجتماع وغيرها. وكان الأستاذ مصطفى الفيلالي من أهمّ المفكرين الّذين تطرقوا بالدراسة والتّحليل إلى موضوع الهجرة في بلدان المغرب العربيّ وخاصّة هجرة الكفاءات المغاربيّة. و يرى الأستاذ مصطفى أنّ تأخّر بناء التّكامل الاقتصاديّ بين بلدان اتّحاد المغرب العربيّ يرجع بالأساس إلى عدم الاستفادة من خبرات أبنائه الّذين حرصت دول المغرب العربيّ على تكوينهم. إذ يتطلب تكوين الكفاءات المغاربيّة أموالا باهضة من ميزانية الدّول، فتكوين طبيب واحد في المغرب العربيّ يكلّف المجموعة الوطنيّة حوالي 155 ألف دولار:” فعندما ندفع هؤلاء إلى الهجرة إلى الخارج، نظرا لانعدام ظروف العمل في الدّاخل، لابل انعدام فرص العمل، فمعنى ذلك أّننا نحن الّذين نساعد فرنسا ( و بلدانا مصنعة أخرى)، وليست هي اّلتي تساعدنا “ فقد بيَّن الفيلالي في كتابه ” المغرب العربيّ الكبير : نداء المستقبل” بعض الإحصائيّات حول هجرة الكفاءات المغاربيّة ” من بين 1000 طبيب أجنبي في العاصمة الفرنسيّة هناك أكثر من 700 طبيب جزائري[16].” ووضّح أن هذه الأدمغة المغاربية تستفيد منها الدول الأجنبيّة وفي مقدّمتها بلدان أوروبا الغربيّة. وفي السّياق نفسه، يعُدُّ الأستاذ الفيلالي باعتباره منظرا للوحدة المغاربيّة أنّ الهجرة المغاربيّة هي إحدى عوائق التّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة بالمغرب العربيّ. كما بيّن أيضا أن أسباب هجرة الكفاءات المغاربيّة هي انعدام فرص العمل بسبب السّياسات المتّبعة من الأنظمة الحاكمة في هذه الأقطار. وشرح الفيلالي في كتابه خطورة نزيف هجرة الأدمغة الّذي تعرضت له الأقطار المغاربيّة ويعني بذلك مغادرة العقول والكفاءات العلميّة في مختلف الاختصاصات. وتتمثّل هذه في تأخّر التّنمية وصعوبة بناء مستقبل لهذه الأوطان لأنّ هذه الكفاءات تستفيد منها الدّول الأجنبيّة. و تحدّث المفكّر مصطفى الفيلالي في محاضرة بعنوان ” هجرة الكفاءات العربيّة بين الجدوى الماليّة والمال الثّقافيّ” نظمتها جمعيّة قدماء المدرسة الصّادقيّة سنة 2010 عن إهمال هجرة الكفاءات في الدّراسات و البحوث الأكاديميّة حيث أكّد أنّها ركزت اهتمامها على موضوع الهجرة بتقديم أرقام إجماليّة حول الظاهرة دون التّدقيق في موضوع هجرة الكفاءات. مصطفى الفيلالي والمسألة الدّيمقراطيّة: لم يكن الأستاذ مصطفى الفيلالي صداميا في إبداء مواقفه مثل بقية جيله من قادة الحركتين النّقابيّة والوطنيّة. و تميّز بهدوئه أثناء التّعبير عن مواقفه من بعض القضايا مثل تكريس قيم الدّيمقراطيّة في تونس المستقلة. فقد كان من الشّقّ المؤيد للدّيمقراطيّة داخل الحزب الحرّ الدّستوري الجديد خلال العهد البورقيبي. سعى الحزب الدستوري الجديد بزعامة الحبيب بورقيبة إلى الهيمنة على الحياة السّياسية وتصفية خصومه واحتواء المنظمات الوطنيّة. لكن لم تكن بعض قيادات الحركة الوطنيّة خلال الفترة الاستعماريّة وبعد الاستقلال مناصرين لهذا التّوجه، بل دافعوا عن مبدأ تكريس قيم الدّيمقراطيّة خلال تونس المستقلة. وكلفهم ذلك مغادرة الحياة السياسية والنّفي خارج البلاد. ومن أبرز المعارضين لتوجّه الدّيمقراطيّة داخل الحزب الحاكم باعتبارها بديلا للنّظام الديمقراطي نذكر أحمد المستيري وأحمد التليلي وحسيب بن عمار ومصطفى الفيلالي. ورغم العلاقة الوطيدة الّتي جمعت الزّعيم الحبيب بورقيبة بمصطفى الفيلالي منذ الفترة الاستعماريّة، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع الفيلالي من رفض التّوجه الّذي اتّبعه بورقيبة تجاه مسألة النّظام الدّيمقراطي، حيث عارضه دون الصدام معه مثل بقية المناضلين خاصّة أحمد التّليلي الّذي بعث رسالة إلى بورقيبة في 25 جانفي 1966[17] يحذره من خلالها من مخاطر التّفرد بالحكم، مطالبا فيها بإرساء الدّيمقراطيّة في البلاد و بمراجعة طرق الحكم الّتي تتّجه بالبلاد إلى آفاق مسدودة. اعتبر الزعيم الحبيب بورقيبة رسالة صديقه أيام الكفاح التحريري أحمد التّليلي تهديدا له. وظلّ أحمد التّليلي في منفاه بأوروبا إلى أن وافاه الأجل المحتوم يوم 25 جوان `1967. و أمّا الأستاذ مصطفى الفيلالي فلم يكن شديد اللّهجة مثل بقية جيله، بل عبّر عن مواقفه بكلّ رصانة. وقد كلّفه ذلك مغادرة الحياة السياسيّة باكرا.و لعلّ خير دليل على ذلك هو أنّ مصطفى الفيلالي رغم إنتاجه الفكري الغزير لم يكتب مقالا واحدا ينتقد فيه مساوىء حكم النّظام البورقيبي، بل اختار الخروج من الحياة السياسيّة في مرحلة مبكرة بسبب عدم توفّر مناخ ديمقراطيّ ملائم. مصطفى الفيلالي معارضا لتيّار الإسلام السّياسيّ في تونس ( صوت الحكمة ): يعدّ الأستاذمصطفى الفيلالي معارضا لتيّار الإسلام السّياسيّ وخاصّة حركة النّهضة الّتي تمكّنت من الوصول إلى الحكم يوم 23 أكتوبر 2011 بعد فوزها في انتخابات المجلس الوطنيّ التّأسيسي. بادر الأستاذ مصطفى الفيلالي في بعض المناسبات بالتّعبير عن مواقفه من حكم الإسلاميين في المنابر الإعلاميّة وفي الصحف وغيرها. وانتقد في مقالاته حكم الإسلاميين خاصّة إثر موجة الاغتيالات الّتي عرفتها البلاد سنة 2013. وتمثّلت في اغتيال المعارضيْن المحامي شكري بلعيد الأمين العام لحزب الوطنيين الدّيمقراطيين الموحد وعضو المجلس الوطني التّأسيسي محمد البراهمي. وفي رسالة وجهها إلى راشد الغنّوشي بعنوان ” ما علاقة الشّريعة الإسلاميّة بقانون تحصين الثّورة؟[18]” نقد مصطفى الفيلالي الغنّوشي بلهجة شديدة في ما يتعلّق بإقرار هذا القانون الإقصائي قائلا:” أودّ أن أعرف وجه العلاقة بين الشّريعة وقانون تحصين الثّورة ؟” و في نفس الإطار، اعتبر قانون تحصين الثّورة الّذي اقترحه شيخ الإسلام السّياسي في تونس راشد الغنوشي وحلفائها داخل المجلس التّأسيسيّ بمثابة قانون فتنة. وللتّذكير فإنّ قانون تحصين الثّورة هو قانون وقع اقتراحه من قبل ائتلاف الترويكا في المجلس التّأسيسيّ لمنع التّجمعييّن من التّرشح لأي منصب سياسي في الدّولة التّونسيّة. لقي هذا القانون رفضا من قبل أغلب مكونات المشهد السّياسي ومن منظّمات المجتمع المدنيّ لأنّه قانون قائم على الإقصاء ومتعارض مع قيم التّعدديّة الحزبيّة. وفي الرّسالة نفسها،انتقد الأستاذ مصطفى الفيلالي نقدا شديدا إصرار حركة النّهضة الحزب الحاكم على أن تكون الشّريعة مصدر القوانين. وأكّد على أنّ شيخ تيّار الإسلام السّياسي راشد الغنّوشي يريد أن يغير نمط المجتمع التّونسيّ بنمط آخر يكون قائما على الأصوليّة الدّينيّة. كما عبر عن موقفه أيضا حول طريقة حكم النهضة و تسيّيرها لشؤون البلاد في مقالات أخرى و من أهمّها مقال بعنوان :” فاضت الكأس يا شيخ[19]” وضح من خلاله إلى شيخ حركة النّهضة راشد الغنّوشي معرفته الواسعة بالفقه الإسلامي و بالفلسفة ، و إلمامه بالتّاريخ الإسلامي في مختلف مراحله. كما بيّن من خلال المقال الأهداف الحقيقيّة لحركة النّهضة ولرئيسها الغنّوشي الّذي يستغلّ الثّورة ليفرض نظاما استبداديا على البلاد. و يقول الفيلالي في مطلع الرّسالة :” فاضت كأس الاحتمال المتسامح في أنفس مجتمع مسلم، إيمانه عريق على مدى ثلاثة عشر قرنا…” توفّي السياسي والنقابي والسياسي والمفكّر مصطفى الفيلالي يوم 20 جانفي 2019 ببيته برادس عن عمر ناهز 98 سنة. وحضر جنازته عديد الوجوه السياسية من أهمّها رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي الذي تحوّل إلى غاية بيته بضاحية رادس. كما نظّمت بيت الحكمة بقرطاج أربعينية الأستاذ مصطفى الفيلالي حضرتها بعض الوجوه السياسية والأكاديميّة، تمّ خلالها تقديم لمحة عن مسيرة الأستاذ مصطفى الفيلالي من الحركة النقابيّة إلى غمار الحقل السياسي. وأكّد المحاضرون على علاقاته المتينة ووفائه للرئيس بورقيبة والحزب، خاصّة غداة الصراع اليوسفي – البورقيبي. كما أشادوا بعلاقته المتميّزة بكل من الزعيم النقابي فرحات حشّاد والمناضل النقابيّ والسياسيّ، عديله عبد الله فرحات منذ سنة 1946. لا يعتبر الأستاذ مصطفى الفيلالي سياسيا ونقابيّا تونسيّا فقط، بل كان مثقفّا في تونس والعالم العربي في آن واحد. فبواسطة أسلوبه في الكتابة الروائيّة، استطاع الأستاذ مصطفى الفيلالي أن يكون ذاكرة البلاد خلال الفترة الاستعماريّة وفترة الاستقلال. فكلّ نصّ في كتابات الأستاذ مصطفى الفيلالي هو حقيقة تاريخيّة. كما عرف بنصائحه العقلانيّة كلّما حلّت بالبلاد التونسيّة مصيبة سواء في لقاءاته الإعلامية أو بواسطة قلمه عند كتابات المقالات التي لازال البعض منها غير منشور. وعلى مستوى الأسلوب والشكل، تميّز الأستاذ الفيلالي في كتاباته وتصريحاته التلفزيّة والصحفيّة بالفصاحة وسلاسة اللغة والمعنى وقدرته على الإقناع والتأثير في الأوساط السياسية والثقافيّة، فهو مفكّر بليغ يتقن اللغة العربية جيّدا. وكان الأستاذ مصطفى الفيلالي ذا حضور متميّز في المنابر الفكريّة والثقافيّة والإعلاميّة لعقود طويلة، ترك فيها بصماته. فكتب الرواية مثل رواية مانعة من أيّام قرية الجبل سنة 2004 أصدرتها دار الجنوب للنشر وأم حامد سنة 2015 من إصدار مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت ومجتمع العمل 2006 من إصدار نفس المؤسسة وموائد الانشراح سنة 2010، إضافة إلى عديد الكتابات العلميّة الأخرى مثل المغرب “العربي الكبير نداء المستقبل” و“توطين البدو”. وتطرّقت كلّ كتابات الأستاذ مصطفى الفيلالي بالتحليل والتفسير والنقد مواضيع في مسائل شتّى وطنية واقليمية وقومية عربية ودولية… جعلت منه مفكّرا ومثقّفا ألمعيّا في عصره. [1] بوعزّة (عامر)، ” مصطفى الفيلالي أديبا “، مجلّة ليدرز العربية، تونس، 27 فيفري 2019. [2] الفيلالي (مصطفى)، مانعة…، المصدر السابق، ص 29. [3] بوعزّة (عامر)، المصدر السابق. [4] الفيلالي (مصطفى)، مانعة…، المصدر السابق، ص 107. [5] شهادة الأستاذ مصطفى الفيلالي في برنامج “مغربنا في التحرير والتنوير”، قناة نسمة تونس، 2013. [6] 2015 شهادة مصطفى الفيلالي، قناة نسمة، [7] 29-23 بالحاج، ( جمال)، ” أحداث 9 أفريل 1938 بتونس من خلال تقارير الإقامة العامة الفرنسية“، روافد،منوبة، ، العدد2، ص ص. [8] الفيلالي، (مصطفى)، مانعة…، مصدر سابق، ص 32. [9] العياري، (الشاذلي)، مجتمع العمل ‘التقديم’، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، ص 12. [10] شهادة مصطفى الفيلالي، مؤسسة التميمي للبحث العلمي، تونس، 2015 [11] الفيلالي، (مصطفى)، ” المستقبل المغاربي “، نصّغير منشور، 3 ماي 2011. [12] جريدة الفجر نيوز، يوم 13 مارس 2012. [13] المصدر السابق. [14] الفيلالي( مصطفى)، ” تجارب إدماج البدو في تونس “، حوليات الجامعة التونسيّة، عدد 3، تونس 1966، ص ص 152- 180. [15] جماعي، رعاية البدو وتحضّرهم وتوطينهم، أشغال المؤتمر التاسع للشؤون الاجتماعية والعمل، القدس، آيار (مايو) 1965، منشورات الأمانة العامة، إدارة الشؤون الإجتماعية والعمل، الجامعة العربية، القاهرة، جمادى الأول 1985، 1041 صفحة. [16] 151 الفيلالي، (مصطفى)، المغرب العربي….، المصدر السابق، ص . [17] 2018 جلاب، (الهادي)، ” المسألة الديمقراطية من خلال الرسالة التي وجهها أحمد التليلي إلى الرئيس بورقيبة”، المغرب، 11 أفريل [18] 2013 إذاعة شمس أف أم، 28 جوان [19] 2013 الفيلالي، (مصطفى)، ” فاضت الكأس يا شيخ”، الشروق، تونس، 03 فيفري . الباحث منصف سلطاني