71 في زمن تتسارع فيه الصور وتختزل فيه المعاني، يظل الكتاب فعل مقاومة هادئة، وفعلا حضاريا يعيد ترتيب علاقتنا بالعالم وبأنفسنا. ومن هذا الأفق، يطل معرض تونس الدولي للكتاب في دورته الأربعين، لا كموعد ثقافي عابر، بل كذاكرة حية تتجدد، وكجسر متين بين الأجيال، بين الكلمة وسياقاتها، وبين الحلم وإمكانيات تحققه. أربعون دورة من العطاء ليست رقما عاديا، بل تاريخ من التراكم الثقافي الذي جعل من هذا المعرض فضاء للقاء، للحوار، ولتلاقح الأفكار. هنا لا تباع الكتب فقط، بل تُصاغ الأسئلة الكبرى، وتُفتح نوافذ على عوالم متعددة، حيث يلتقي الكاتب بالقارئ، والمبدع بالناقد، والفكر بالواقع. تحمل هذه الدورة رمزية خاصة، فهي لا تحتفي بالماضي فحسب، بل تؤسس لرهانات جديدة في زمن تتغير فيه أنماط القراءة وتتعدد فيه وسائط المعرفة. ومع ذلك، يظل الكتاب الورقي محتفظا بسحره، بقدرته على خلق تلك العلاقة الحميمة بين القارئ والنص، علاقة لا تعوضها الشاشات ولا تختزلها السرعة. إن معرض تونس الدولي للكتاب هو أكثر من تظاهرة، هو رسالة. رسالة مفادها أن الثقافة ليست ترفا، بل ضرورة، وأن الاستثمار في المعرفة هو الاستثمار الأعمق والأبقى. وهو أيضا دعوة مفتوحة لكل الفاعلين، من مؤسسات وأفراد، للانخراط في مشروع ثقافي جامع يعيد للكتاب مكانته، ويمنح القراءة بعدها المجتمعي الحقيقي. في كل جهة من تونس وفي ركن من العالم ، يظل الشغف بالكتاب قائما، رغم التحديات. وربما يكون الرهان الأكبر اليوم هو كيف نجعل من مثل هذه التظاهرات جسورا فعلية تصل إلى كل طفل في مدرسة ريفية، إلى كل شاب يبحث عن معنى، إلى كل قارئ يؤمن أن في الصفحات ما يغير العالم. الدورة الأربعون ليست مجرد احتفال، بل لحظة وعي جماعي، نعيد فيها طرح السؤال: أي ثقافة نريد؟ وأي قارئ نصنع؟ وبين السؤال والجواب، يظل الكتاب، مرة أخرى، هو البداية. الصحافية عبير الغزواني