الصفحة الرئيسية تقديم مجموعة شعرية الشاعر فرج بن منصور لـ”نيابوليس الثقافية”:”الذاكرة الجماعية مكوّنٌ أساسيٌّ في تشكيل الذات الشاعرة، والمقاومة موقفٌ أخلاقيٌّ”

الشاعر فرج بن منصور لـ”نيابوليس الثقافية”:”الذاكرة الجماعية مكوّنٌ أساسيٌّ في تشكيل الذات الشاعرة، والمقاومة موقفٌ أخلاقيٌّ”

86 مشاهدات 3 دقائق اقرأ

بمناسبة صدور الديوان الجديد “الكلمة أمانة”، ارتأت “نيابوليس الثقافية” الوقوف مع مؤلفه الشاعر فرج بن منصور في حوارٍ يتجاوز المجاملة إلى مساءلة الفكرة نفسها: ما معنى الشعر في زمنٍ تتقدّم فيه الحساباتُ الماديةُ على حساب القيم، في عصرٍ تُقاس فيه الأشياء بربحها السريع لا بأثرها الباقي؟

في هذا الحوار بدا صوت الشاعر أكثر إصرارًا على أن للكلمة وزنًا لا يُقاس بالأرقام، بل بما تزرعه في النفوس، حيث جاء الحوار مع الشاعر فرج بن منصور ليضيء رؤيته للشعر بوصفه حكمةً تتشكّل في هيئة إيقاع، وتربيةً للأخلاق تتسلّل عبر المعنى، ومحبةً للوطن لا تُرفع شعارًا بل تُعاش موقفًا، إذ إن هذا الشاعر، رغم تحوّلات العصر وضجيجه، ما يزال مؤمنًا أن القصيدة ليست ترفًا ثقافيًا، بل مسؤولية، وأن الشاعر ليس صانع عبارات، بل حامل رسالة.

في هذا اللقاء حاولنا أن نقترب من إيمانه العميق بأن الكلمة ليست مجرّد صوتٍ عابر، بل عهدٌ يُحفظ، وأثرٌ يُحاسَب عليه صاحبه. فالكلمة عنده أمانة، وإذا ضاعت الأمانة ضاع المعنى، وضاعت معه القيم التي يقوم عليها الإنسان والمجتمع.

في سؤال حول كيفية ولادة القصيد، أي هل هي قرارٌ واعٍ أم ومضةٌ تهبط فجأة؟
أجابني، وكأنه يقلب حجرًا في داخله، قائلًا: “إن الشعر ليس نزوةً عابرة ولا صناعةً باردة، بل هو ذلك التوتّر الخفيّ بين ما نعيشه وما نعجز عن قوله”. وفي هذا الصدد أشار محدثُنا إلى أن الشاعر لا يختار كلماته كما يختار التاجر بضاعته، بل كما يختار العطشان أوّل قطرة ماء، بدافع الحاجة لا الترف.

وحين لمّحتُ إلى أن بعض الناس يرون في الشعر مجرّد زخرفة لغوية، ابتسم ابتسامةً خفيفةً توحي بالاعتراض، وقال: “إن الجمال الحقيقي لا يكون زينةً خارجية، بل بنيةً داخلية، وإن اللغة ليست ثوب الفكرة، بل جسدها… فإن ضعفت اللغة ضعفت الفكرة، وإن اشتدّت اشتدّ أثرها في النفوس”.

ولأن القصيدة لا تُكتب لإرضاء أحد، فهي تبحث دائمًا عمّن يشاركها قلقها، توجّهت لمحاوري بسؤال عن علاقة الشاعر بالواقع: هل هو شاهد أم صانع رؤية؟ فأجابني قائلًا: “إن الشاعر لا يكتفي بوصف العالم، بل يعيد ترتيبه أخلاقيًا ووجدانيًا؛ فهو لا يهرب من الواقع، لكنه لا يقبله كما هو، ذلك أن القصيدة عنده فعل مقاومة صامتة، مقاومة للسطحية، للنسيان، وللاستسلام لفوضى المعنى”.

وعن مسألة الهوية والانتماء أفادني قائلًا: “إن الانتماء ليس شعارًا يُرفع، بل جذرًا يُحسّ، إذ لا يكفي أن يتغنّى الشاعر بأرضه، بل عليه أن يفهم قلقها وأسئلتها، فالشعر ليس حنينًا ساذجًا للماضي، بل حوار نقديٌّ معه، نأخذ منه ما يبني الحاضر، ونترك ما يعطّل المستقبل”.

وعن سؤالي: لمن تُكتب القصيدة؟ قال: “إن القصيدة لا تُكتب لإرضاء أحد، لكنها تبحث دائمًا عمّن يشاركها قلقها، فالقارئ الحقيقي ليس مستهلكًا للكلمات، بل شريك في إعادة خلقها، وكل قراءة صادقة، في نظره، هي ولادة جديدة للنص”.

وهكذا نخلص من حوارنا مع الشاعر فرج بن منصور، والذي كان أقرب إلى بيان فكريٍّ هادئ، أن الشعر مسؤولية لا زينة، ورؤية لا صدى، كما أنه ليس ترفًا ثقافيًا، بل طريقة لفهم العالم ومساءلته، بلغةٍ تحاول أن تكون بقدر الألم والأمل معًا.

جدير بالذكر أن المجموعة الشعرية لمحاورنا، والتي صدرت أخيرًا تحت عنوان “الكلمة أمانة”، جمعت بين القصيدة والحكمة في صيغةٍ تتّخذ من الالتزام الأخلاقي والفكري منطلقًا لها، وقد صدرت هذه المجموعة عن مجمّع الأطرش للتوزيع لتعزّز حضور الشاعر فرج بن منصور ضمن تجربة شعرية تنشغل بأسئلة الإنسان الكبرى، وتُعلي من قيمة الكلمة بوصفها مسؤولية قبل أن تكون تعبيرًا، حيث تتناول مفهوم الوطن بوصفه تجربة وجودية تتجاوز الحدود الجغرافية، فيتحوّل المكان إلى رمزٍ للانتماء الروحي، وتغدو الذاكرة الجماعية مكوّنًا أساسيًا في تشكيل الذات الشاعرة، كما تحضر المقاومة باعتبارها موقفًا أخلاقيًا يتّصل بالدفاع عن القيم والكرامة، لا باعتبارها فعلًا سياسيًا فحسب، وهو ما يمنح النصوص بُعدًا تأمليًا يوازن بين الحسّ الوطني والبعد الروحي، ولا تبدو هذه المجموعة عملًا طارئًا أو تجربة عابرة، بل خلاصة مسارٍ إنسانيٍّ طويل يمتدّ عبر ما يقارب ثمانية عقود من الحياة، فهي أشبه بسِجلٍّ وجدانيٍّ يختزن تحوّلات العمر، من بدايات التشكّل الأولى إلى لحظات النضج والتأمّل العميق، وفي تمازج بين خبرة الزمن وصفاء الرؤية، لتتحوّل التجربة الشخصية إلى حكمةٍ عامة تستهدف الأجيال الجديدة، إذ في ثنايا قصائد هذه المجموعة يمكن تلمّس صوت الأب والمربّي والناصح، حيث تتبدّى توجيهات أخلاقية رصينة تدعو إلى التمسّك بالقيم، وصون الكلمة، واحترام الإنسان، والوفاء للأرض، وهي توجيهات لا تُلقى في صيغة وعظ مباشر، بل تنبثق من سياق شعري يجعل الحكمة نتيجة طبيعية لمعاناة التجربة وتراكم السنين، كما تحضر في هذه المجموعة نبضات صادقة من مشاعر الحب والانتماء، حبّ الوطن بوصفه حضنًا وهويةً ومسؤولية، وحبّ الله باعتباره ملاذًا ومرجعًا نهائيًا للطمأنينة والمعنى. ويبرز التعلّق برسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع، باعتباره النموذج الأكمل للقيم التي يدعو إليها الشاعر، وهي الرحمة، والعدل، والصدق، ونُبل الخُلُق، ليأتي هذا الحضور في سياق وجدانيٍّ يتّسم بالتوقير والمحبة، ويُضفي على النصوص بُعدًا روحيًا عميقًا.

حاوره: منصف كريمي

  • إعلامي تونسي
    كاهية مدير المؤسسات والتظاهرات الثقافية وعضو خلية المهرجانات الصيفية بالمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بجندوبة مكلف بالاتصال والاعلام

اقرأ أيضا

أترك تعليقا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.