87 تزامنًا مع شهر رمضان الكريم صدر هذه الأيام كتاب “رمضان زمان في تونس بين العادات والتقاليد” للدكتور الباحث أنيس المحجوبي، ليرصد من خلاله مؤلِّفه ملامح الحياة الرمضانية في المجتمع التونسي في فترات سابقة، من خلال رصد ما ارتبط بهذا الشهر من مظاهر روحية واجتماعية وثقافية. وحرص هذا العمل على توثيق العادات والتقاليد التي ميزت رمضان في الذاكرة التونسية، سواء في طقوس العبادة والتضامن الاجتماعي، أو في تنوع الأطعمة والمأكولات التي كانت تحضر على موائد الإفطار والسحور، إلى جانب ما كان يرافق ليالي رمضان من سهرات عائلية وألعاب شعبية وأنشطة ثقافية وترفيهية، وفي محاولة من المؤلِّف لاستحضار جانب من الذاكرة الجماعية للمجتمع التونسي وإبراز ثراء تراثه الرمضاني. وجاء هذا الكتاب حسب مؤلِّفه “في إطار محاولة توثيقية تسعى إلى استعادة صورة شهر رمضان كما عاشه التونسيون في الأزمنة الماضية، لا باعتباره مجرد فترة زمنية من السنة الهجرية، بل باعتباره فضاءً اجتماعيًا وثقافيًا وروحيًا تتقاطع فيه الممارسات الدينية مع العادات اليومية، وتتداخل فيه مظاهر التعبّد مع أنماط العيش والاحتفال والتلاقي الإنساني… فالكتاب ينطلق من فكرة أساسية مفادها أن شهر رمضان في المجتمع التونسي لم يكن فقط شهرًا للصيام والعبادة، وإنما كان أيضًا موسمًا غنيًا بالطقوس الجماعية التي تعكس عمق الهوية الثقافية للمجتمع وتبرز تنوع ممارساته الرمزية والمادية”. وقد ركّز الكتاب بين تفاصيله على البعد الروحي والديني الذي شكّل قلب التجربة الرمضانية في تونس عبر التاريخ، حيث ارتبط شهر رمضان لدى التونسيين بمظاهر إيمانية عميقة، تجلت في الإقبال على المساجد لأداء الصلوات، خاصة صلاتي التراويح والتهجد، وفي الإكثار من تلاوة القرآن الكريم وحضور حلقات الذكر والدروس الدينية التي كانت تنتظم في الجوامع والزوايا، كما كان لهذا الشهر حضور قوي في الوجدان الجماعي من خلال قيم التضامن والإحسان والتكافل الاجتماعي، حيث تتكاثف أعمال الخير وإطعام الفقراء وتبادل الزيارات العائلية، فتتحول الأيام والليالي الرمضانية إلى فضاء للتقارب الإنساني وإحياء الروابط الاجتماعية، ليصبح بذلك هذا الشهر لحظة زمنية متميزة تتجدد فيها القيم الروحية وتُستعاد فيها معاني الصفاء الداخلي والتقوى، إذ لا ينفصل هذا البعد الروحي عن الجانب المادي واليومي الذي يتجلى خصوصًا في عالم الأطعمة والمأكولات الرمضانية. وأشار الكتاب إلى أن الموائد التونسية شكّلت خلال هذا شهر رمضان مجالًا خصبًا للتنوع والإبداع الغذائي، حيث ظهرت أصناف عديدة من الأكلات التي ارتبطت وجدانيًا بهذا الشهر، وفي هذا الإطار يعرض الكتاب تصنيفًا دقيقًا لهذه الأطعمة، فيميز بين أطباق الإفطار الأساسية مثل الشوربة والكسكسي وأنواع الطواجن، وبين الأطعمة الخفيفة التي ترافق السهرات الرمضانية، إضافة إلى الحلويات التقليدية التي تزيّن الموائد مثل الزلابية والمخارق والبقلاوة والمقروض وغيرها من الأصناف التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الغذائية للتونسيين. كما يتناول الكتاب الدور الذي لعبته الأسواق الشعبية والحرفيون وصناع الحلويات في إحياء هذا التراث الغذائي، حيث تتحول الأسواق خلال شهر رمضان إلى فضاءات نابضة بالحياة تعكس حركة المجتمع وتقاليده الاستهلاكية الخاصة بهذا الشهر. وإلى جانب البعدين الروحي والمادي، يسلّط الكتاب الضوء على الجانب الثقافي والفكري الذي ميّز ليالي رمضان في تونس، ليشير إلى أن هذه الليالي كانت مناسبة لازدهار حلقات الأدب والشعر والسمر الثقافي، حيث يجتمع الناس في المقاهي أو في البيوت للاستماع إلى الحكايات الشعبية والقصص التراثية، أو لمتابعة العروض الموسيقية والإنشاد الديني، كما ذكر الكتاب أن المجالس الرمضانية شكّلت فضاءً لتبادل الأفكار والنقاشات حول القضايا الاجتماعية والثقافية، مما جعل من هذا الشهر موسمًا ثقافيًا حقيقيًا تتلاقح فيه المعرفة الشعبية مع أشكال التعبير الفني المختلفة. أما تناول الكتاب للجانب الترفيهي خلال رمضان فكان من خلال التعرض له كعنصر كان بدوره حاضرًا بقوة في الذاكرة الرمضانية التونسية، إذ تحولت السهرات الليلية بعد الإفطار وصلاة التراويح إلى لحظات للمتعة الجماعية والتواصل الاجتماعي، حيث كانت الأزقة والساحات تشهد ألعابًا شعبية متنوعة يمارسها الأطفال والشباب، كما تنتشر في المقاهي ألعاب تقليدية مثل الورق والدامة وغيرها من وسائل الترفيه التي كانت تضفي على ليالي رمضان أجواءً من الألفة والمرح، لتكشف هذه الممارسات عن قدرة المجتمع التونسي على التوفيق بين روحانية الشهر ومتطلبات الحياة الاجتماعية، بحيث يصبح رمضان زمنًا يجمع بين العبادة والفرح الجماعي في آن واحد. وعمومًا ومن خلال هذا العمل سعى الباحث من خلال هذا الإصدار التوثيقي إلى حفظ الذاكرة الرمضانية التونسية وتوثيق مظاهرها المختلفة قبل أن تطمسها تحولات الزمن وتسارع أنماط الحياة الحديثة، حيث لم يكتفِ بسرد العادات والتقاليد، بل حاول تحليل دلالاتها الاجتماعية والثقافية، مبرزًا كيف استطاع المجتمع التونسي أن يطوّر عبر التاريخ نموذجًا خاصًا للاحتفاء بشهر رمضان يجمع بين الأصالة والتنوع. وهكذا يشكّل هذا الكتاب مساهمة في دراسة التراث الاجتماعي التونسي، ومحاولة لإعادة إحياء صورة رمضان كما عاشته الأجيال السابقة بكل ما حمله من روحانية ودفء إنساني وغنى ثقافي. جدير بالذكر أن مؤلف هذا الكتاب الدكتور أنيس المحجوبي هو من مواليد مدينة الزهراء بولاية بن عروس، وهو متحصل على الماجستير والدكتوراه في التاريخ المعاصر وفي الحضارة العربية، كما أنه متحصل على الأستاذية في اللغتين الإيطالية والألمانية، وسبق أن نشر عدة كتب منها “اليهود في تونس” و“الديوانة التونسية زمن الاستعمار” و“الديوانة التونسية ودورها في الاقتصاد الوطني”. الصحافي منصف كريمي