الصفحة الرئيسية الموسيقى أماليا خالد: اختيارك لنوع الموسيقى يقصّر او يطوّل وقتك أثناء القيادة

أماليا خالد: اختيارك لنوع الموسيقى يقصّر او يطوّل وقتك أثناء القيادة

367 مشاهدات 2 دقائق اقرأ

الزمن الذي نشعر به خلف المقود ليس دائمًا هو الزمن الذي يُقاس خارج السيارة. فالطريق الممتد بين موقعين ليس مجرد مسافة رياضية تُحسب بالدقائق، بل تجربة شعورية تتشكل بالإيقاع الذي يرافق رحلتنا. القيادة تحت تأثير الموسيقى تجربة تختلف لم يشعر بها من يفضل القيادة بصمت، إذ تصبح اللحظة نفسها مادة قابلة للتمدد والانكماش بحسب النغمات والإيقاعات التي نختارها. تشير دراسات علم النفس الإدراكي إلى أن الإيقاعات السريعة تجعل مرور الوقت يبدو أقصر، بينما تمنح الإيقاعات البطيئة شعورًا بتمدد اللحظة. كما يرى الفيلسوف هايدغر أن الوجود في الطريق ليس مجرد “قطع مسافة”، بل تجربة للانفتاح على العالم، والموسيقى تلوّن هذا الانفتاح وتجعل منه تجربة شعورية غنية.

بهذا المعنى، تتجاوز الموسيقى دورها التقليدي كخلفية صوتية عابرة لتصبح قوة خفية تشكّل طريقة إدراكنا للزمن وتعيد صياغة وعينا باللحظة. فهي لا تُسمع فقط، بل تُعاش كحالة وجودية قادرة على تحويل التجربة المألوفة إلى تجربة مغايرة تمامًا. الدقائق التي قد تبدو ثقيلة ورتيبة يمكن أن تنضغط تحت تأثير إيقاع معين لتغدو مجرد ثوانٍ عابرة، أو على العكس، قد تتمدد لتفتح مساحة زمنية أوسع، تُحمّل اللحظة بكثافة شعورية وحضور لا يُختزل بسهولة.

ليست جميع أنواع الموسيقى متساوية في قدرتها على التأثير في إدراكنا للزمن؛ فالإيقاع يلعب دورًا أساسيًا في هذه التجربة. الإيقاعات السريعة، كما في موسيقى الروك أو الإلكترو والتي تعتمد على الجيتار الكهربائي والدرامز، تولّد شعورًا بتسارع اللحظة، فيغدو الزمن وكأنه يركض جنبًا إلى جنب مع النغمات. هذا الإيقاع المتدفق يضخ طاقة داخلية ويثير إحساسًا بالاندفاع والحيوية، مما يجعل الرحلة أكثر ديناميكية ويتيح للسائق أو المستمع الانغماس الكامل في تدفق اللحظة وحركتها المستمرة.

أما الإيقاعات البطيئة واللحنية، كما في الموسيقى الكلاسيكية أو الأنغام الشرقية الهادئة المعتمدة على آلات مثل العود أو الكمان أو القانون، فتتيح انفتاحًا مختلفًا على الزمن. بدل أن ينضغط، يتمدد الزمن تحت تأثيرها، ويتحول إلى مساحة رحبة للتأمل والتواصل الأعمق مع الذات والعالم المحيط.

وفي هذه الحالة، لا تقتصر الموسيقى على مرافقة السائق في رحلته، بل تمنحه أيضًا إحساسًا أعمق بالاندماج مع بيئته، فيصبح يعيش اللحظة بوصفها حدثًا متكاملاً يتجاوز الوظيفة الميكانيكية للانتقال من مكان إلى آخر.

يمكن فهم اختلاف الإيقاعات الموسيقية باعتباره وسيلة لتعزيز أو تقييد وعي الإنسان بالزمن. الإيقاعات السريعة تتوافق مع رؤية نيتشه حول القوة الديونيسية التي تحرر الغرائز وتثير اندفاعًا شعوريًا وحيويًا، بينما الإيقاعات البطيئة تعكس صدى فلسفة هوسرل في تدفق الزمن الداخلي، حيث يُدرك المستمع الماضي والحاضر والمستقبل في انسجام لحظي.

وبذلك يصبح اختيار نوع الموسيقى أثناء القيادة أكثر من مجرد ترف أو تفضيل شخصي؛ فهو وسيلة لإعادة تشكيل علاقتنا بالزمن وتحويل الطريق إلى تجربة فلسفية وطاقة متدفقة، تتفاعل فيها الذات مع الإيقاع الخارجي. الموسيقى بهذا المعنى ليست مجرد صوت، بل وسيط وجودي يذكّرنا بأن الزمن ليس مجرد عقارب تدور على ساعة، بل تجربة نسبية ومرنة تتشكل وفق الإيقاع الذي نستمع إليه والطريقة التي ننفتح بها على العالم.

  • كاتبة أردنية
    من مواليد 8 يوليو 1999، حاصلة على درجة البكالوريوس في الفيزياء من الجامعة الأردنية. كاتبة ومؤلفة كتاب “إنتروبيا”، وتكتب مقالات ومونولوجات تهتم بالعلوم و الفلسفة .

اقرأ أيضا

أترك تعليقا