71 للإطلاع على مقال “عنصرية الجمال.. نقد لسلطة المظهر في المجتمع المعاصر” للكاتبة مجيدة محمدي على هذا الرابط القراءة يأتي نص الشاعرة مجيدة محمدي في منطقة تتقاطع فيها المقالة الفكرية مع الحس الأدبي، فهو لا يكتفي بعرض فكرة اجتماعية، وإنما يسعى إلى تفكيك بنية ثقافية راسخة، تتمثل في هيمنة المظهر على جوهر الإنسان. ولعل أجمل ما في هذا النص أنه لا ينطلق من موقف انفعالي ضد الجمال، بل من دفاع عقلاني عن العدالة الإنسانية، وهو ما منح المقال توازنه الفكري وأفقه الأخلاقي. منذ العنوان: «عنصرية الجمال.. نقد لسلطة المظهر في المجتمع المعاصر»، تضع الكاتبة القارئ أمام مفارقة لافتة؛ فهي تستعير مصطلحًا شديد الحمولة التاريخية، هو “العنصرية”، لتعيد توظيفه في سياق جديد. وقد نجحت في تبرير هذا الاختيار منذ التمهيد، عندما فرّقت بوضوح بين العنصرية التاريخية بوصفها منظومة قمع، وبين التحيز الجمالي بوصفه نمطًا من أنماط الإقصاء الاجتماعي. هذا التمهيد لم يكن مجرد مدخل، بل كان دفاعًا استباقيًا عن أطروحة النص. ويحسب للكاتبة أنها بنت مقالها بناءً تصاعديًا محكمًا؛ فقد انتقلت من التأصيل المفاهيمي إلى التفسير السوسيولوجي، ثم إلى التحليل النفسي، فالتطبيق الاجتماعي، قبل أن تختم بالرؤية الفلسفية والبعد الإنساني. هذا التدرج منح النص وحدة عضوية جعلت كل محور يمهد لما بعده، دون قفز أو تفكك. أما على المستوى اللغوي، فقد حافظت مجيدة محمدي على لغة تجمع بين الرصانة الأكاديمية والعذوبة الأدبية. فهي لا تغرق في المصطلحات، ولا تستسلم للإنشاء البلاغي، بل توظف الصورة حين يحتاجها المعنى، كما في قولها: “يتحول الوجه إلى وثيقة غير مكتوبة، تُقرأ قبل السيرة الذاتية.” فهذه العبارة تختزل، في صورة واحدة، مأساة الإنسان المعاصر الذي أصبح يُحاكم من ملامحه قبل أفكاره. وكذلك قولها: “لم يعد السؤال: كيف أعيش؟ بل أصبح: كيف أبدو؟”. وهي جملة ذات كثافة فلسفية عالية، تلخص أزمة العصر في انتقال الإنسان من البحث عن معنى الحياة إلى البحث عن صورة الحياة. ومن أبرز نقاط القوة في النص استدعاء المرجعيات الفكرية دون استعراض معرفي؛ فالإشارة إلى بيير بورديو ودانيال كانيمان جاءت موظفة لخدمة الفكرة، لا لإثقالها، وهو ما يعكس وعيًا بمنهج الكتابة الفكرية الحديثة التي تجعل المرجع سندًا للحجة، لا غاية في ذاته. كما أن الكاتبة اتسمت بالإنصاف؛ فلم تجعل المرأة وحدها ضحية سلطة الجمال، بل التفتت أيضًا إلى الصور النمطية التي قد تطال الرجل الوسيم، وهو ما أضفى على النص بعدًا إنسانيًا يتجاوز الخطابات الأحادية. ومع كل هذه المزايا، فإن النص كان يمكن أن يزداد ثراءً لو توسع قليلًا في بيان أثر هذه “العنصرية الجمالية” على المؤسسات، كالتوظيف والتعليم والقضاء والإعلام، لأن الفكرة التي طرحتها الكاتبة تتجاوز العلاقات الاجتماعية الفردية إلى البنى المؤسسية التي قد تُعيد إنتاج هذا التحيز بصورة غير واعية. وفي جانب آخر، فإن استعمال مصطلح “عنصرية الجمال” يظل اختيارًا جريئًا، لكنه يظل قابلًا للنقاش؛ إذ قد يرى بعض الباحثين أن مصطلحات مثل “التمييز القائم على المظهر” أو “التحيز الجمالي” أدق من الناحية العلمية، لأن كلمة “العنصرية” ترتبط تاريخيًا بسياقات قانونية وسياسية مختلفة. غير أن الكاتبة نجحت إلى حد كبير في احتواء هذا الإشكال عبر التمهيد الذي سبق به المقال. في مجمله، يمثل هذا النص نموذجًا للمقالة الفكرية ذات النفس الأدبي؛ إذ استطاعت مجيدة محمدي أن تحول قضية تبدو هامشية إلى سؤال فلسفي عميق عن قيمة الإنسان. وهي لا تدعو إلى إنكار الجمال، بل إلى تحريره من سلطة التصنيف، وإعادة الاعتبار للعقل والخلق والعمل بوصفها المعايير التي تمنح الإنسان مكانته الحقيقية. إنه نص يكتب دفاعًا عن الإنسان قبل أن يكتب عن الجمال، ويعيد التذكير بحقيقة خالدة: أن الملامح قد تفتح الأبواب، لكن الشخصية وحدها هي التي تستحق البقاء في الذاكرة. د . محمد عيسى مهنى – ليبيا