53 “تراتيلُ في محرابِ أُنثى” بهذا العنوان الذي يجمع بين همس العبادة ولهيب العشق، يفتح إبراهيمُ القحويُّ بابَ قصيدته، فيُدخلنا منذ الوهلة الأولى إلى عالمٍ لا تنفصل فيه الصلاة عن الهوى، ولا ينفصل المحراب عن الأنثى؛ إذ تتجاورُ التراتيل مع الحنين، ويتعانق الرمز مع الوجدان. وللوهلة الأولى يخال القارئ أنه أمام تجربة صوفية خالصة، فإذا به يكتشف قصيدة غزلية رفيعة، هي – فيما أعلم – من أندر ما جادت به قريحة هذا الحافظ لكتاب الله، الذي آثر طويلًا أن يحتجب خلف وقار الفقيه وهيبة الأكاديمي اللساني، وألا يخلع عذاره!… قبل أن يكشف في هذه القصيدة عن وجهٍ آخر من وجوه إبداعه؛ وجهٍ لا يناقض الأول، بل يثريه ويمنحه أفقًا إنسانيًا أرحب. ولعل في تعليق الأديب معتصم العوني، حين قال مازحًا: “ترمسس الفقيه الريمي أخيرًا!”، ما يلخص دهشة الأصدقاء والقراء أمام هذا التحول الفني اللافت، الذي لم يكن خروجًا على الذات، بقدر ما كان اكتشافًا لطبقة جديدة من طبقاتها الإبداعية الطريفة. “عيناكِ سجنٌ واللحاظُ كواكبُ / وأنا كيوسفَ حالمٌ وسجينُ”… هكذا يبدأ الشاعر، لا بالغزل التقليدي، بل بتحويل رمزيٍّ يجعلُ العينَ سجنًا والكواكبَ لحاظًا، ويجعل العاشقَ يوسفَ الذي يجمع بين الحلم والأسر في آنٍ واحد. ومن هذا المطلع يتدفق نهرُ القصيدة، محمّلًا بتراتيلَ تتلوها المواسم، وبحرفٍ يتوضأ من الخدّين فينتشي عشقًا على كفّ المجاز، وبصمتٍ يُكبّلُ القصيد، وبحزنٍ يُرتَّب فتستريح الأهبة، حتى يستحيل العاشق مسيحًا، والأنثى أوّل آيةٍ، وإنجيلَ المسيح ودينَ؟؟. وليس من قبيل المصادفة أن تنضج هذه التجربة الشعرية في رحاب تونس الخضراء، هذا البلد الذي ظلّ على امتداد تاريخه الحديث فضاءً خصبًا للثقافة العربية ومنبرًا رحبًا للحوار بين الإبداع والمعرفة. ففي هذا المناخ الثقافي والأكاديمي صُقلت موهبة الشاعر، واتسعت رؤيته الجمالية، حتى غدا صوتًا يمانيًّا يخطو بثباتٍ نحو ترسيخ مجده الشخصي، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، معتمدًا على قوة النص وصدق التجربة ورصانة الثقافة. وقد استطاع القحوي أن يجمع بين حضوره الأكاديمي والعلمي من جهة، ومشاركاته الثقافية والأدبية من جهة أخرى، فكان نموذجًا للمثقف الذي لا يكتفي بالإنتاج المعرفي، إنما يرفده بالفعل الثقافي، ممثلًا لوطنه اليمن خير تمثيل، ومقدمًا صورة مشرقة عن الشاعر اليمني المعاصر الجامع بين الأصالة والانفتاح. ولقد عرفتُ الشاعر عن قرب، وواكبتُ جانبًا من نشاطه الثقافي، فلمستُ فيه تواضع الباحث وصدق الشاعر وإصرار المبدع على أن يجعل من الكلمة مشروعًا للحياة. ومن هذا المنطلق لا أخفي قناعتي بأنه لم ينل في مهرجان قليبية للشعراء الشبان مؤخرًا بتونس ما تستحقه تجربته من تقدير؛ وهو انطباع شخصي لا ينتقص من قيمة المهرجان ومحكميه الدوليين، بقدر ما يعكس إيماني بأن النصوص المتميزة قد لا تحظى دائمًا بما يوازي قيمتها الفنية في لحظة التنافس. ومن هنا تأتي هذه القراءة، لا بقصد الاحتفاء وحده، وإنما رغبةً في مقاربة تجربة شعرية آخذة في التشكل، والوقوف عند أبرز ملامحها الأسلوبية والجمالية، والكشف عن خصوصية خطابها الشعري، سيما في قدرتها على تجديد القصيدة العمودية من الداخل، عبر رؤية حديثة وصور مبتكرة ونسيج لغوي يوازن بين فخامة التراث وحساسية الحداثة. فالقصيدة لا تقوم على عاطفة غزلية مجردة، بل تبني عالمًا رمزيًّا متشابكًا تتداخل فيه المرجعيات الدينية والتصوف والأسطورة العاطفية، مع المحافظة على بنية العمود وموسيقاه، في تجربة تكشف عن شاعر يملك أدوات القصيدة التقليدية ويجدّدها من داخلها، دون أن يفرّط في عمقها البلاغي أو في صدقها الوجداني. أولًا: الرؤية العامة للقصيدة منذ العنوان “تراتيل في محراب أنثى” يعلنُ الشاعر أنَّ المرأة ليست موضوع غزلٍ فحسب، بل هي فضاءٌ طقسيّ. فالتراتيل تنتمي إلى عالم العبادة، والمحراب مكان الصلاة، لكن الشاعر ينقلُ هذين الحقلين الدلاليين إلى فضاء الحب. وهنا يبدأ التجديد الحقيقي. فالقصيدة ليست غزليةً بالمعنى التقليدي، وليست صوفية خالصة، وإنما تقع في منطقةٍ ثالثة يمكن تسميتُها التصوف العاطفي الرمزي. فالمرأة تتحول إلى معبدٍ وكتابٍ مقدسٍ وإنجيلٍ وقرآنٍ ومريمَ وأول آية، بينما يتحول العاشق إلى يوسفَ والمسيحِ والسجينِ والناسكِ والمرتل. وهذا البناء الرمزي يمتدُّ في جميع القصيدة دون أن ينهار، وهي ميزةٌ نادرة. ثانيًا: الأسلوب الفريد للشاعر أكثر ما يلفتُ النظر أنَّ إبراهيم القحوي لا يكتب على طريقة شعراء الإحياء، ولا على طريقة نزار قباني، ولا على طريقة أدونيس، بل يصنع نسيجًا خاصًّا. ويمكن تلخيص ملامح أسلوبه في خمس سماتٍ كبرى: 1- المزج بين المعجم المقدس والمعجم العاطفي وهذه السمة هي العمود الفقري للقصيدة. لاحظْ كيف تتوالى: “أتلوك قرآنًا”، ثم “إنجيل المسيح”، ثم “مريم”، ثم “يوسف”، ثم “المسيح”، ثم “أول آية”، ثم “المحراب”، ثم “التراتيل”. كلُّ هذه ليست اقتباساتٍ دينية، إنما هي تحويلٌ دلالي. فالشاعر لا يستخدمها لتزيين اللغة، إنما يجعل الحبَّ نفسَهُ دينًا. وهذا قريبٌ من تجربة ابن عربي والحلاج، لكنه لا يكرر لغتهما، وإنما يصوغها بلغةٍ حديثة. 2- الصورة لا تقوم على التشبيه بل على التحويل الشاعر لا يقول: “عيناك كالكواكب”، بل يقول: “عيناك سجنٌ واللحاظ كواكب”. فالعين أصبحت سجنًا بالفعل. ثم: “وأنا كيوسف حالمٌ وسجين”. هنا يكتمل المشهد. يوسف ليس تشبيهًا فقط، بل أصبح الشخصية التي يعيشها الشاعر. وهذا ما يُسمَّى في النقد الحديث الاندماج الرمزي. 3- كثافة الاستعارة يكاد لا يوجد بيتٌ يخلو من استعارةٍ جديدة. “وضأتُ من خديك حرفي”: الحرف يتوضأ.ثم: “انتشى عشقًا”: الحرف أصبح كائنًا حيًّا.ثم: “على كف المجاز”: والمجاز صار له كف. إذن نحن أمام ثلاث استعاراتٍ متداخلة في شطرين فقط. وهذا يدل على شاعرٍ يكتب بالصورة لا بالخبر. 4- بناء المشهد لا بناء البيت وهذه من أهم خصائص التجديد. فالشعر العمودي غالبًا يقوم على استقلالية البيت، أما هنا فكل بيتٍ يكمل سابقه. يوسف » السجن » القرآن » المحراب » مريم » المسيح » الإنجيل: كلها سلسلةٌ واحدة. أي أنَّ القصيدة لها معمار داخلي، وليس مجرد أبياتٍ متجاورة. وهذا تطورٌ واضح في القصيدة العمودية الحديثة. 5- الاقتصاد في المباشرة لا نجد عبارةً مثل: “أحبك” أو “أشتاق إليك” أو “قلبي معك”. كل العاطفة تأتي عبر الرمز، وهذا يرفع من القيمة الفنية. ثالثًا: التجديد داخل الشعر العمودي وهذه النقطة هي الأهم. كثيرٌ من الشعراء يظنون أنَّ التجديد يعني كسر الوزن، لكن هذه القصيدة تثبت العكس. فهي تجدّد في: المعجم: ليس تراثيًّا خالصًا، ولا حداثيًّا غامضًا، بل خليطٌ بين القرآن والتصوف والحب والرؤيا واللغة الحديثة. الصورة: ليست بيانيةً تقليدية، بل تعتمد على التحويل الدلالي، وهذا من أهم أساليب الحداثة. الوحدة العضوية: القصيدة كلها تقوم على ثيمةٍ واحدة هي قداسة الأنثى، وهذا يمنحها وحدةً فنيةً واضحة. التناص: ليس استشهادًا، بل إعادة خلق. يوسف لم يعد يوسف التاريخ، بل يوسف الداخلي. والمسيح ليس المسيح العقائدي، بل المسيح العاشق. ومريم ليست الشخصية الدينية، بل رمز الطهر. وهذا تناصٌّ إبداعي. رابعًا: الموسيقى الموسيقى هادئة، وليست صاخبة. ويبدو أنَّ الشاعر تعمَّد الابتعاد عن الجناس المتكلف. والقافية بالنون المضمومة أعطت القصيدة حزنًا متواصلًا: سجين، أنين، أمين، تين، يبين، ضنين، دفين، حنين، رهين، حزين، دين، طين، مكين. فالنون هنا تصنع امتدادًا صوتيًّا يشبه الأنين، وهذا اختيارٌ موفق. خامسًا: أجمل الصور الشعرية من وجهة نظرٍ نقدية أرى أنَّ أجمل الصور هي: “وضأتُ من خديك حرفي” لأنها جديدة. “في صمت عينيك القصيد مكبل” صورة نفسية عميقة. “رتبتُ حزني فاستراحت أهبتي” الحزن أصبح فوضى ثم ترتيبًا. “أتلوك قرآنًا بكل مواسمي” صورة ذات طاقة رمزية كبيرة. “على كف المجاز” من الصور الحداثية الجميلة. سادسًا: بعض الملاحظات النقدية القصيدة عالية المستوى، لكن القراءة النقدية لا تكتمل دون الإشارة إلى بعض المواضع التي يمكن أن تكون محل نقاش: ١- كثافة الرموز الدينية في الثلث الأخير (مريم، المسيح، الإنجيل، الدين، الآية). قد يشعر بعض القراء أنَّ كثافة هذا الحقل الرمزي تقترب من التشبع، بحيث تفقد كل صورة شيئًا من استقلالها. وربما كان الاكتفاء ببعض هذه الإشارات سيمنح كلًّا منها قوةً أكبر. ٢- هيمنة المجاز. يكاد كل بيتٍ يقوم على استعارةٍ أو رمز، وهذا يمنح القصيدة جمالًا، لكنه يجعلها أقل تنفسًا. وأحيانًا يحتاج القارئ إلى بيتٍ أكثر بساطة ليوازن كثافة الخيال. ٣- الغلبة للداخل على الخارج. لا نجد أحداثًا ولا حركةً ولا زمانًا. كل شيء يحدث داخل النفس، وهذا يمنح القصيدة طابعًا تأمليًّا أكثر منه دراميًّا. سابعًا: موقع الشاعر بين المدارس من خلال هذه القصيدة وحدها يمكن القول إنَّ الشاعر القحوي يقف عند نقطة التقاء عدة روافد، لكنه لا يذوب في واحدٍ منها: من الكلاسيكية يأخذ الوزن والقافية. ومن الرومانسية يأخذ حرارة الوجدان. ومن التصوف يأخذ الرمز واللغة الإشارية. ومن الحداثة يأخذ بناء الصورة المركبة والوحدة العضوية والتناص. لذلك لا تبدو القصيدة تقليدية، ولا قصيدة نثرٍ مقنعةً بوزن، بل تمثل محاولةً لخلق حداثةٍ من داخل العمود. ثامنًا: التقييم النقدي لو عُرضت هذه القصيدة في دراسةٍ أكاديمية دون معرفة اسم صاحبها، فمن المرجح أن تُصنَّف ضمن القصيدة العمودية الحديثة ذات النزعة الرمزية والتصوف العاطفي، لا ضمن شعر الإحياء أو الغزل التقليدي. وأبرز عناصر تميزها: بناءٌ رمزيٌّ متماسك من العنوان حتى الخاتمة. قدرةٌ لافتة على تحويل المرجعيات الدينية إلى طاقةٍ شعرية دون نقلٍ حرفي أو استدعاءٍ مباشر للنصوص. صورٌ مركبة تعتمد على الانزياح الدلالي أكثر من اعتمادها على التشبيه التقليدي. وحدةٌ عضوية تجعل القصيدة أقرب إلى نسيجٍ واحد من كونها مجموعة أبياتٍ مستقلة. محافظةٌ على الوزن والقافية مع تحديث الرؤية الشعرية، وهو ما يمثل أحد أصعب أشكال التجديد في الشعر العمودي. وفي المقابل، فإنَّ الإفراط النسبي في المجاز وكثافة الإحالات الرمزية قد يجعل بعض المقاطع أقل انفتاحًا على القارئ غير المعتاد على هذا النوع من الشعر، لكنه لا ينتقص من القيمة الفنية، بل يحدد طبيعة المتلقي الذي تتوجه إليه القصيدة. الخلاصة هذه القصيدة ليست محاولةً لتقليد التراث، ولا قطيعةً معه، بل هي مثالٌ على تجديد العمود الشعري من الداخل؛ إذ يبقى الوزن والقافية ثابتين، بينما تتجدد الرؤية، وتتعمق الصورة، ويتحول البيت من وحدةٍ مستقلة إلى لبنةٍ في بناءٍ رمزيٍّ متكامل. وهذه السمة، إذا استقرت في مجمل تجربة الشاعر، تضعه ضمن الأصوات التي تسعى إلى تطوير القصيدة العمودية عبر تحديث أدواتها البلاغية والفكرية، لا عبر التخلي عن بنيتها الإيقاعية. إنَّ تجربة إبراهيم القحوي، من خلال قصيدة “تراتيل في محراب أنثى”، تكشف عن شاعرٍ يمتلك وعيًا واضحًا بإمكانات اللغة الشعرية، وقدرتها على الجمع بين الموروث والحديث، وبين المقدس والإنساني، وبين الإيقاع الخليلي والرؤية المعاصرة. فالشعر هنا لا يقوم على استعادة الرموز، بل على إعادة تشكيلها داخل سياق جديد يمنحها دلالات متجددة. ومن ثمّ تصبح الصورة الشعرية مجالًا للخلق، ويصبح التناص المقدس وسيلةً لإنتاج المعنى لا مجرد إحالة إلى الماضي. وبذلك تبرز خصوصية هذه التجربة في قدرتها على بناء عالم شعري تتجاور فيه الروح والعاطفة، والذاكرة والخيال، والتراث والتجديد، لتؤكد أن القصيدة العمودية ما تزال قادرة على التطور حين يمتلك الشاعر رؤية جمالية عميقة وأدوات فنية واعية. مجيب الرحمن الوصابيباحث – اليمن