268 حين أقترب أكثر من هذا العنوان، لا أتعامل معه كعبارة صادمة أو حكمٍ جاهز، بل كبوابة أولى لطبقة أعمق من الأسئلة التي لا تظهر في الوهلة الأولى. العنوان هنا ليس نهاية معنى، بل بداية تشقّ طريقها داخل منطقة أكثر التباسًا مما يبدو. ما الذي يمكن أن يعنيه أن تكون هناك “ثقافة تذبح”؟ وما الذي يعنيه أن يُقال إن “العقل يُستباح”؟ في القراءة الأولى، قد تبدو العبارة كثيفة، وربما غامضة، لأنها لا تُحيل مباشرة إلى موضوع محدد يمكن الإمساك به بسهولة. لكنها في الحقيقة لا تحاول أن تُغلق المعنى، بل أن تدفعه إلى التوتر، إلى منطقة لا يكفي فيها الفهم السريع، ولا التفسير المباشر. من هنا أبدأ الاقتراب الحقيقي: ليس من أجل الإجابة، بل من أجل تفكيك الطريقة التي تُبنى بها هذه الإجابات أصلًا. في أصلها، الثقافة ليست جهازًا واحدًا متجانسًا، بل هي شبكة من المعاني المتراكبة، تتشكل عبر الزمن، وتعيد إنتاج نفسها باستمرار. لكنها ليست بريئة تمامًا من فكرة التنظيم والضبط؛ فهي حين تُستَخدم لتثبيت معنى واحد، تبدأ في التحول من فضاء مفتوح إلى إطار مغلق. وهنا تحديدًا يمكن أن نفهم كيف يمكن لثقافة ما أن تذبح دون أن تمارس العنف المباشر، بل عبر تقليص مساحة السؤال، وإعادة تعريف الممكن والمستحيل داخل التفكير. لكن هذه الصورة لا تكتمل إذا نظرنا إلى الأسطورة بوصفها عنصرًا خارجيًا عن الثقافة. الأسطورة في أصلها ليست خطأ في التفكير، بل طريقة مبكرة لبناء معنى للعالم. الإنسان لم يبدأ بالتحليل العقلي المجرد، بل بالحكاية، بالرمز، بالتمثيل. الأسطورة كانت محاولة لاحتواء المجهول، لا لإلغائه. غير أن هذا الشكل الرمزي لا يبقى ثابتًا. مع الزمن، يمكن أن تتحول الأسطورة من أفق للتأويل إلى إطار للتحديد. أي من شيء يسمح بتعدد الفهم، إلى شيء يفرض شكلًا واحدًا للفهم. هنا تبدأ الحركة التي تهمني: لحظة التحول من الرمز إلى السلطة، من الحكاية إلى النظام. في هذه اللحظة، لا تعود الثقافة مجرد فضاء يضم هذه التحولات، بل تصبح هي نفسها جزءًا من آلية إعادة إنتاجها. ليست الثقافة شيئًا فوق الأسطورة، بل هي السياق الذي يسمح لها إما أن تبقى مفتوحة أو أن تُغلق على ذاتها. وعندما يحدث الإغلاق، لا يكون واضحًا أو فجائيًا. لا أحد يعلن أن التفكير قد أُغلق. بل يحدث الأمر بشكل تدريجي، عبر ما يبدو أنه طبيعي وبديهي ومستقر. وهنا تكمن الخطورة أن يتحول ما هو مُنتَج تاريخيًا إلى ما يبدو كأنه حقيقة غير قابلة للنقاش. أما العقل، فلا يُستباح مرة واحدة، ولا من الخارج فقط. الاستباحة هنا ليست فعلًا مباشرًا، بل مسار طويل من التكييف. يبدأ العقل بتلقي أنماط جاهزة للفهم، ثم يعتادها، ثم يعيد إنتاجها دون مساءلة، حتى يصل إلى لحظة لا يعود فيها قادرًا على تخيل بديل خارجها. عندها لا يكون مقيدًا بقوة خارجية، بل بمنطق داخلي لا يراه. لكن إذا أردت أن أذهب أبعد من هذا الوصف، فأنا لا أستطيع أن أتوقف عند النتيجة. يجب أن أعود إلى البنية نفسها. هنا يدخل ما يمكن تسميته بمنهج الحفر الثقافي الجدلي، حيث لا يكفي أن نصف الظاهرة، بل يجب أن نسأل: كيف تُنتج هذه الظاهرة أصلًا داخل تاريخها ولغتها وبنيتها؟ في هذا المستوى، أحتاج أن أعود إلى ما يمكن تسميته منطقة الصفر أي اللحظة الأولى التي تتشكل فيها المفاهيم قبل أن تتراكم حولها التأويلات. الأسطورة مثلًا، في لحظتها الأولى، لم تكن نظامًا مغلقًا، بل كانت طريقة لفتح العالم على المعنى. لكن مع تراكم الاستخدامات، يمكن أن تتحول إلى جهاز يحدد المعنى بدل أن يفتحه. هذا التحول ليس لغزًا خارجيًا، بل عملية داخلية في بنية الثقافة نفسها. فالثقافة لا تنقل المعاني فقط، بل تعيد تشكيل شروط إنتاجها. وهي في بعض لحظاتها، لا تدفع إلى التفكير، بل تدفع إلى نوع معين من التفكير دون غيره. ومن هنا يصبح السؤال أكثر دقة ليس كيف تذبح الثقافة؟ بل كيف يصبح الذبح ممكنًا داخل طريقة إنتاج المعنى نفسها؟حين أصل إلى هذه النقطة، أكتشف أن المشكلة لا تقع في طرف واحد. ليست الأسطورة وحدها، ولا الثقافة وحدها، ولا العقل وحده. بل في العلاقة المتداخلة بينها جميعًا. فالعقل ليس خارج هذه البنية، بل جزء منها. وأحيانًا يشارك في إنتاج ما يظنه يقاومه. حتى القارئ نفسه ليس خارج هذه الدائرة. فعندما نقرأ، لا نقف خارج النص، بل ندخل في بنيته، ونشارك في إعادة إنتاج معناه أو تفكيكه. وهذا يعني أن فكرة العقل المستباح ليست مجرد فكرة نظرية، بل احتمال دائم داخل كل عملية فهم، حين تتم دون وعي بالبنية التي تنظّمها. من هنا، لا تعود الثنائيات التقليدية (أسطورة/عقل، يقين/سؤال، سلطة/حرية) كافية لتفسير ما يحدث. لأنها تبدو وكأنها تقسم العالم إلى طرفين واضحين، بينما الواقع أكثر تعقيدًا. هذه الثنائيات ليست حدودًا ثابتة، بل مناطق توتر. والمعنى لا ينتج من وجودها، بل من الاحتكاك المستمر بينها. في النهاية، ما أقترب منه ليس حكمًا على الثقافة أو الأسطورة أو العقل، بل محاولة لفهم كيفية اشتغال هذه المنظومة حين تتحول من فضاء مفتوح إلى بنية تميل إلى الإغلاق. وما يبدو في البداية كعنوان صادم، يتحول تدريجيًا إلى سؤال مفتوح: كيف نفكر داخل ما يفكر فينا؟ وكيف نعيد فتح ما يبدو مغلقًا، دون أن نقع في يقين جديد يُغلقه مرة أخرى؟ الكاتب والناقد والباحث خالد الحديدي